ترجمة: أ. جنا الدوسري
يُعَدّ اضطراب طيف التوحّد أحد الاضطرابات النمائية المعقدة التي تظهر منذ الطفولة المبكرة، وتمتد آثارها لتشمل تحديات واضحة في التواصل الاجتماعي واللفظي والسلوك التكيفي، بالإضافة إلى الصعوبات في التفاعل مع البيئة المحيطة والتأقلم مع متغيرات الحياة اليومية. ويواجه الأفراد المشخّصون باضطراب طيف التوحد والإعاقات النمائية والفكرية (AUIDD) حاجة مستمرة للرعاية طويلة المدى، إلى جانب برامج تعليمية وعلاجية موجّهة بدقة لتلبية احتياجاتهم الخاصة والفردية. ويعتمد نجاح هذه البرامج بشكل كبير على فعالية الملاحظة السلوكية الدقيقة التي يقوم بها محللو السلوك التطبيقي، الذين يحتاجون إلى مهارات تحليلية عالية لمتابعة سلوكيات الأفراد وتقييم استجابتهم للعلاج. إلا أن هذا العمل يتطلب جهوداً ضخمة تشمل جمع البيانات بشكل مستمر، وتحليلها بعناية، وفهم أنماط السلوك المختلفة، والتنبؤ بالنتائج المحتملة، وقياس الاستجابة للتدخلات المختلفة، مما يفرض عبئاً كبيراً على الأخصائيين ويزيد من الضغط النفسي والمهني عليهم، وقد يحدّ في بعض الأحيان من جودة القرارات الإكلينيكية والفعالية العلاجية.
مع التطور المتسارع للاستراتيجيات الرقمية الحديثة، برزت أنظمة الذكاء الاصطناعي كأدوات فعّالة قادرة على تعزيز قدرة الأخصائيين على اتخاذ القرارات الدقيقة والصحيحة، خصوصاً مع قدرتها على تحليل البيانات تلقائياً وتقديم نماذج تنبؤية دقيقة تعتمد على التعلم الآلي والاستراتيجيات التحليلية المتقدمة. ومن هذا المنطلق، يُقدَّم في هذا المقال نموذج “الذكاء الاصطناعي المدمج في التعلم وتحليل السلوك التطبيقي” (AI-ABA)، وهو منصة مبتكرة تهدف إلى بناء خطط تعليمية وعلاجية مُخصصة للأفراد المشخّصين باضطراب طيف التوحد والإعاقات النمائية، وذلك عبر دمج التجارب المنظمة وجمع البيانات وتحليلها تلقائياً باستخدام حسّاسات عالية الدقة واستراتيجيات الواقع المعزز والافتراضي. تتيح هذه المنصة للأخصائيين التركيز على اتخاذ القرارات الدقيقة بشأن كل فرد، دون الانشغال بالمهام الروتينية لجمع البيانات، مما يرفع جودة التدخلات الفردية ويزيد من فعالية العلاج.
تشير الإحصاءات الحديثة إلى زيادة ملحوظة في نسبة الأطفال المشخّصين بإعاقات نمائية، الأمر الذي يؤكد أهمية التدخل المبكر لتقليل الفجوات التنموية وتحسين النتائج التعليمية والسلوكية للأطفال. وتشمل هذه الإعاقات صعوبات في الوظائف المعرفية أو الجسدية أو كلتيهما معاً، وغالباً ما تتزامن هذه الاضطرابات، مما يجعل الأطفال بحاجة إلى برامج علاجية متعددة مثل تحليل السلوك التطبيقي، والعلاج الوظيفي، وعلاج النطق، والبرامج الدوائية حسب الحاجة، لتحقيق أعلى مستويات التطور والنمو. ورغم فعالية هذه العلاجات المتنوعة، فإن الاعتماد على البيانات البشرية وحدها قد يؤدي إلى تفاوت في التشخيص والتخطيط العلاجي نتيجة اختلاف الخبرات والتدريب بين الممارسين، بالإضافة إلى احتمال وقوع أخطاء بشرية في التقييم أو التفسير.
تسهم الاستراتيجيات الرقمية الحديثة في تحسين الدافعية للتعلم من خلال توفير بيئات تفاعلية غنية بالمكافآت الفورية والعناصر التحفيزية التي تشجع على المشاركة الفعّالة، وقد أثبتت الأبحاث أن استخدام الألعاب التعليمية الرقمية يمكن أن يدعم مهارات التعلم والتواصل، إلا أن الحاجة ما تزال قائمة نحو مزيد من التخصيص والدقة لتلبية اختلاف القدرات والأنماط السلوكية بين الأشخاص ذوي الإعاقات النمائية. من هذا المنطلق، فإن دمج الواقع المعزز والافتراضي في بيئات التعلم يسمح بخلق مساحات تعليمية آمنة، يمكن التحكم فيها بشكل كامل، مع القدرة على متابعة التفاعل الاجتماعي الافتراضي، وتحليل الأداء في الوقت الفعلي، مما يمكّن الأخصائي من تصميم برامج علاجية دقيقة ومتكاملة تتوافق مع الاحتياجات الفردية لكل طفل.
على صعيد الذكاء الاصطناعي، فقد أثبتت الخوارزميات الحديثة قدرتها على تحليل السلوك البشري بدقة عالية، بما يشمل التعرف على تعابير الوجه، وتحليل الكلام، واكتشاف السلوكيات النمطية، وقراءة البيانات الفسيولوجية مثل نبضات القلب والنشاط الكهربائي للدماغ، فضلاً عن قياس مستويات الانتباه والانفعال والقلق. ويمكن عبر هذه الاستراتيجيات بناء نماذج دقيقة قادرة على التنبؤ بالحالات السلوكية المعقدة أو المؤشرات المسبقة للسلوكيات المشكلّة، مما يتيح تدخلات مبكرة وفعالة، ويعزز قدرة الأخصائي على تقديم علاج مخصص لكل حالة وفقاً لبيانات موضوعية قابلة للقياس والتحليل.
ورغم التقدم الكبير في هذا المجال، تظهر تحديات رئيسية تتعلق بقلة البيانات المعلّمة، وصعوبة تفسير النماذج العميقة المستخدمة في التحليل، والتي غالباً ما تُعد بمثابة “صندوق أسود” يصعب فهم كيفية اتخاذه للقرارات. ويتم التعامل مع هذه التحديات من خلال أساليب التعلم الذاتي، والتعلم المعزز، واستراتيجيات الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير، والتي تجعل قرارات الخوارزمية أكثر شفافية، وتوفر معلومات حول الأسباب التي أدت إلى اتخاذ القرار، مما يزيد من ثقة الأخصائيين في النتائج المستخلصة.
بالإضافة إلى ذلك، يُعدّ تحليل السلوك التطبيقي (ABA) منهجاً فعّالاً وشاملاً لمعالجة السلوكيات لدى الأطفال ذوي الاحتياجات النمائية، إذ يركز على استخدام البيانات والملاحظة الدقيقة لتصميم تدخلات شخصية تلبي احتياجات كل طفل. إلا أن هذه العملية غالباً ما تكون مرهقة وتستغرق وقتاً طويلاً، خصوصاً عند الاعتماد على الملاحظة البشرية فقط. هنا، يمكن للمنصات الذكية مثل AI-ABA أن تكمل عمل الأخصائي من خلال جمع بيانات متعددة تشمل تعبيرات الوجه، وحركة الأطراف، ونبرة الصوت، ومعدل ضربات القلب، وتحليلها باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي لتوليد مؤشرات دقيقة تساعد الأخصائي على اتخاذ قرارات فعالة وسريعة، مع إمكانية تفسير النتائج وفهم العوامل التي تؤثر في سلوك الطفل.
كما تُظهر الاستراتيجيات الحديثة قدرة متميزة على تتبع السلوكيات العدوانية والسلوكيات النمطية عبر تحليل الفيديو باستخدام الشبكات العصبية المتقدمة، أو عبر أجهزة الاستشعار القابلة للارتداء مثل حساسات النوم أو معدل نبضات القلب، مما يتيح قياس الانتباه أو القلق أو الإثارة الانفعالية بشكل لحظي، وبناء خطط تدخل دقيقة تعتمد على بيانات موضوعية وليست مجرد ملاحظات بشرية، ويعزز إمكانية التنبؤ بالسلوكيات المستقبلية وتصميم برامج علاجية وقائية.
علاوة على ذلك، يمكن لهذه الأنظمة دعم البحث العلمي عبر جمع بيانات واسعة النطاق، ما يسهم في تحسين الأدلة على فعالية التدخلات، وزيادة القدرة على تعميم النتائج على فئات مختلفة من الأفراد. كما يمكن دمج هذه الأنظمة بسهولة في المنازل والمدارس ومراكز العلاج المختلفة، مما يخلق نموذجاً شاملاً للرعاية والتعلم عبر البيئات المختلفة، ويزيد من إمكانية تطبيق خدمات العلاج عن بُعد، خصوصاً في المناطق التي تفتقر إلى الكوادر المتخصصة.
وفي المستقبل، من المتوقع أن يُحدث الذكاء الاصطناعي المدمج بالسلوك التطبيقي تحولاً جذرياً في فهم السلوك الإنساني، من خلال تصميم تدخلات دقيقة وفعّالة، وتوفير بيئات تعليمية أكثر تفاعلاً، وجعل عمليات جمع البيانات أكثر سهولة وموثوقية، فضلاً عن تعزيز التطور الاجتماعي واللغوي والمعرفي للأطفال، وتشجيعهم على التفاعل والتواصل، وزيادة شعورهم بالاستقلالية والاعتماد على الذات، ما يسهم في تحسين جودة حياتهم على المدى الطويل.
المرجع:
AI-Augmented Behavior Analysis
for Children with Developmental Disabilities
Building Towards Precision Treatment
https://arxiv.org/pdf/2102.10635





