الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

تكييف البيئة الصفية لدعم الطلاب ذوي صعوبات المعالجة الحسية

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

تُعد المعالجة الحسية من العمليات العصبية المعقدة التي تمكّن الإنسان من استقبال المعلومات من الحواس المختلفة وتنظيمها وتفسيرها بطريقة تساعده على التفاعل مع البيئة المحيطة. إلا أن بعض الطلاب يواجهون تحديات في هذه العملية، مما يجعلهم يعانون من صعوبة في التعامل مع المثيرات اليومية داخل الصف مثل الأصوات، والروائح، والإضاءة، والملمس. هذه التحديات لا تعني بالضرورة ضعفًا في القدرات العقلية، بل تشير إلى اختلاف في طريقة استقبال الدماغ للمعلومات الحسية ومعالجتها.

في البيئة المدرسية، قد يجد الطالب نفسه محاطًا بكم هائل من المدخلات الحسية التي قد تكون مربكة أو مزعجة، مثل ضجيج الطلاب، أو أصوات الأجهزة، أو الإضاءة الساطعة، أو حتى احتكاك الملابس. هذه العوامل قد تؤثر بشكل مباشر على قدرته على التركيز، والانتباه، والمشاركة في الأنشطة التعليمية. لذلك، يصبح من الضروري توفير تكييفات صفية مدروسة تساعد هؤلاء الطلاب على التعلّم بفعالية ضمن بيئة أكثر دعمًا ومرونة.

أولًا: تنظيم البيئة الصفية والروتين اليومي

يُعد الاستقرار في الروتين من أهم العوامل التي تساعد الطلاب ذوي صعوبات المعالجة الحسية على الشعور بالأمان والسيطرة. عندما يعرف الطالب ما الذي سيحدث خلال يومه الدراسي، يقل مستوى القلق لديه، ويصبح أكثر استعدادًا للتفاعل مع الأنشطة المختلفة. لذلك، يُنصح بوضع جدول يومي ثابت وواضح، مع الالتزام به قدر الإمكان.

وفي الحالات التي تستدعي تغيير الروتين، من المهم إعلام الطالب مسبقًا بهذه التغييرات، سواء بشكل شفهي أو باستخدام وسائل بصرية. هذا التهيئة المسبقة تقلل من عنصر المفاجأة، وتمنح الطالب وقتًا للتكيف النفسي.

كما أن إدخال فترات استراحة قصيرة خلال اليوم، تُعرف بـ”فواصل الدماغ”، يساعد في إعادة تنظيم الانتباه وتقليل الإجهاد الحسي. هذه الفواصل قد تتضمن أنشطة بسيطة مثل التمدد، أو الحركة الخفيفة، أو تمارين التنفس.

من الأدوات الفعالة أيضًا استخدام الجداول البصرية، وقوائم المهام، والتوجيهات المصورة، حيث تساعد هذه الوسائل في توضيح التوقعات وتقليل الاعتماد على التعليمات اللفظية فقط. وعند عرض هذه الوسائل، يجب التأكد من أنها في مكان واضح يسهل على الطالب رؤيتها والرجوع إليها عند الحاجة.

ثانيًا: تعزيز مهارات التنظيم الذاتي

التنظيم الذاتي هو قدرة الطالب على إدارة استجاباته الحسية والانفعالية بطريقة مناسبة. ويمكن تنمية هذه المهارة من خلال توفير بيئة صفية مرنة تستجيب لاحتياجاته الفردية.

من أهم الاستراتيجيات في هذا الجانب توفير مساحة هادئة داخل الصف، يمكن للطالب اللجوء إليها عند الشعور بالإرهاق أو التشتت. هذه الزاوية قد تكون بسيطة وهادئة ، لكنها تمنح الطالب فرصة لاستعادة توازنه بعيدًا عن المثيرات.

كما يُنصح باختيار مكان جلوس مناسب، بحيث يكون بعيدًا عن مصادر الإزعاج مثل الأبواب أو النوافذ أو الأضواء المزعجة. ويجب أيضًا مراعاة الوضعية الجسدية للطالب، من خلال ضبط ارتفاع الكرسي والطاولة بحيث تكون قدماه ثابتتين على الأرض، وزاوية الجلوس مريحة.

بعض الطلاب يستفيدون من استخدام خيارات جلوس بديلة، مثل الكراسي المتحركة قليلًا أو الكرات الهوائية أو المكاتب الوقوفية، حيث تساعدهم هذه الوسائل على تفريغ الطاقة الزائدة بطريقة منظمة.

ومن الوسائل الحسية المساندة التي يمكن استخدامها: الوسائد المثقلة، أو السترات الضاغطة، أو الوسائد الهوائية، وذلك بعد استشارة مختص العلاج الوظيفي. كما يمكن توفير سدادات الأذن أو سماعات عازلة للضوضاء لتقليل التأثير السلبي للأصوات.

أيضًا، يمكن السماح للطالب باستخدام أدوات صغيرة تساعده على التركيز، مثل كرة الضغط أو الأدوات الحركية البسيطة (fidget tools). وبعض الطلاب قد يستفيدون من مضغ العلكة أو استخدام أدوات قابلة للمضغ، مما يساعد في تنظيم المدخلات الحسية الفموية.

ومن المهم إعطاء الطالب حرية الحركة ضمن حدود معينة، مثل السماح له بالوقوف أو التحرك داخل مساحة محددة. كما يمكن الاتفاق معه على إشارات غير لفظية يستخدمها عندما يحتاج إلى استراحة، مما يعزز استقلاليته.

إضافة إلى ذلك، يُنصح بوضع خطة استباقية للتعامل مع المثيرات الحسية التي قد تسبب له التوتر، مثل الأصوات العالية أو الأنشطة المفاجئة، مع تنبيهه مسبقًا عند حدوث مواقف مثل جرس المدرسة أو الإنذارات.

ثالثًا: تكييف أساليب التعليم والمهام الدراسية

يُعتبر تعديل طريقة تقديم المعلومات من أهم عوامل دعم الطلاب ذوي صعوبات المعالجة الحسية. فبعضهم قد يواجه صعوبة في الكتابة اليدوية بسبب الإجهاد الحركي أو ضعف الإحساس بالمفاصل، لذا يمكن تقليل متطلبات الكتابة من خلال استخدام أسئلة اختيار من متعدد أو تعبئة الفراغات بدلًا من الإجابات المطولة.

كما يُفضل منح الطالب وقتًا إضافيًا لإتمام المهام الكتابية، خاصة إذا كان يعاني من بطء في الأداء أو تعب سريع. ويمكن أيضًا السماح له باستخدام الحاسوب أو برامج تحويل الكلام إلى نص، مما يخفف العبء الحركي ويتيح له التعبير عن أفكاره بسهولة.

تقليل عدد المعلومات المعروضة في الصفحة الواحدة يساعد أيضًا في تقليل التشتت البصري. ويمكن استخدام أوراق لتغطية أجزاء من الصفحة، بحيث يركز الطالب على جزء صغير في كل مرة.

ومن الأدوات المفيدة في هذا الجانب استخدام فلاتر لونية أثناء القراءة، حيث تساعد في تقليل الإجهاد البصري. كما يمكن استخدام مجلدات أو حواجز بسيطة لتقليل المثيرات البصرية المحيطة.

فيما يتعلق بالكتابة، يمكن توفير أدوات مساعدة مثل مقابض الأقلام، أو الأسطح المائلة، أو أوراق ذات خطوط بارزة، مما يسهل التحكم في الكتابة ويحسن من جودة الخط.

ولتعزيز التركيز، يمكن استخدام أقلام التحديد أو الملاحظات اللاصقة لتوجيه انتباه الطالب إلى المعلومات المهمة. كما أن السماح له بالاستماع إلى موسيقى هادئة أثناء العمل قد يساعد في تحسين تنظيمه الذاتي وزيادة تركيزه.

خلاصة

إن تكييف البيئة الصفية لا يهدف فقط إلى تقليل التحديات التي يواجهها الطالب، بل يسعى أيضًا إلى تمكينه من تعزيز استخدام نقاط قوته والتفاعل بشكل إيجابي مع التعلم. من خلال فهم طبيعة المعالجة الحسية وتطبيق استراتيجيات مرنة ومناسبة، يمكن للمعلمين خلق بيئة تعليمية شاملة تدعم جميع الطلاب، وتمنح كل طالب فرصة حقيقية للنجاح والتميز.

الاهتمام بهذه التكييفات لا ينعكس فقط على الأداء الأكاديمي، بل يمتد ليشمل الصحة النفسية، والثقة بالنفس، والشعور بالانتماء داخل الصف. وهذا ما يجعلها جزءًا أساسيًا من الممارسات التربوية الحديثة التي تراعي الفروق الفردية وتحتفي بالتنوع.

 

المرجع:

Classroom accommodations for sensory processing challenges

https://www.understood.org/en/articles/classroom-accommodations-for-sensory-processing-challenges