ترجمة: أ. سوار الماجري
المقدمة:
يُصنف اضطراب تشتت الانتباه مع فرط الحركة أو بدون (TDA/H) كاضطراب نمائي عصبي يتميز بظهور أعراض أساسية تشمل تشتت الانتباه، الاندفاعية، والنشاط الحركي الزائد. وتُشير التقديرات إلى وجود تلميذ واحد على الأقل يعاني من هذا الاضطراب في كل فصل دراسي، مما يؤدي إلى انعكاسات سلبية حادة على المستويات الأكاديمية، والاجتماعية، والوجدانية، فضلًا عن صعوبات واضحة في الذاكرة، والتركيز، والعمليات المعرفية. يُجمع الأدب التربوي والطبي الدولي على أن المعلمين يمثلون خط الدفاع الأول في الرصد المبكر للعلامات الدالة على الاضطراب، وتوجيه الأسر نحو المتخصصين، وتعديل الممارسات التدريسية.
المنهجية والأدوات:
اعتمدت الدراسة على المنهج الكيفي (Qualitative\ Approach) وتحديدًا التصميم الفينومينولوجي (الظاهراتي) الصرف لاستكشاف الخبرات المعاشة. شملت عينة الدراسة 12 معلماً ومعلمة من مرحلة التعليم الابتدائي في الفيدرالية الفرانكوفونية ببلجيكا (Wallonie-Brussels)، جرى اختيارهم عبر العينات غير الاحتمالية القصدية (Purposive\ Sampling)، موزعين بالتساوي بين مدارس دمج عادية ومدارس تتبنى استراتيجيات دمج متقدمة.
النتائج والتوصيات: أظهرت النتائج الدور المحوري الذي يؤديه المعلم في الإحاطة الشاملة بذوي الاحتياجات الخاصة؛ حيث يُبادر المعلمون تلقائياً بتعديل البيئة الصفية لتلبية احتياجات التلاميذ. ورغم ذلك، يعاني المعلمون من ضبابية الحدود المهنية والمؤسسية لأدوارهم، مما يولد لديهم شعوراً بعدم الكفاءة أو الشرعية المهنية بسبب نقص التدريب المتخصص والدعم اللوجستي المستدام.
1. الإطار النظري والمفاهيمي (Cadre\ Théorique)
ينبثق هذا البحث من مقاربة سيكوسوسيولوجية (Psychosocial\ Approach) متكاملة تهدف إلى فهم ديناميكيات التفاعل بين المعلم وبيئته المهنية والمجتمعية. وقد تم تحليل البيانات عبر تقاطع نظريتين أساسيتين:
أولاً: نظرية تقرير المصدر أو التحديد الذاتي (Self-Determination\ Theory) لـ Deci & Ryan
تُفسر هذه النظرية دوافع المعلمين وسلوكياتهم تجاه الدمج بناءً على مدى إشباع الاحتياجات النفسية الثلاثة الأساسية:
الحاجة إلى الاستقلالية (Autonomie): وتظهر في رغبة المعلم في اتخاذ قرارات تربوية واعية ومرنة تتوافق مع مصلحة الطفل الفضلى دون قيود بيروقراطية.
الحاجة إلى الكفاءة (Compétence): الشعور بالقدرة على إحداث فارق حقيقي ونمو ملموس في الأداء الأكاديمي والسلوكي للتلميذ.
الحاجة إلى الانتماء الاجتماعي (Appartenance\ Sociale): جودة العلاقات المهنية وتبادل الخبرات مع الزملاء والإدارة والأسر، والتي تُعد كأبرز عامل وقائي ضد الاحتراق المهني (Burnout).
ثانياً: نظرية الكفاءة الذاتية (Self-Efficacy\ Theory) لـ Albert Bandura
تُركز على ثقة المعلم في قدراته الذاتية لمواجهة التحديات السلوكية والأكاديمية المرتبطة باضطراب TDA/H. تُبنى هذه الكفاءة عبر الخبرات المباشرة، وملاحظة النظراء، والتعزيز الإيجابي. وتؤكد الدراسة أن ارتفاع حس الكفاءة الذاتية يدفع المعلم مباشرة نحو تبني استراتيجيات تربوية دمجية مبتكرة والتحلي بالمرونة والصبر أمام العقبات.
2. نتائج الدراسة والتحليل الموضوعي (Analyse\ Thématique)
من خلال المقابلات نصف الموجهة (Entretiens\ Semi-Directifs)، برزت خمسة محاور موضوعية رئيسية تفسر واقع الميدان التربوي:
المحور الأول: المسار المهني وفجوة التكوين الأساسي والمستمر
أجمع المشاركون على وجود فجوة حادة وصدمة واقع (Choc\ de\ la\ Réalité) عند الانتقال من التكوين النظري إلى الميدان. الإعداد الجامعي يعاني من قصور شديد في تقديم أدوات إجرائية للتعامل مع الاضطرابات النمائية العصبية، حيث يقتصر التكوين غالباً على ساعات نظرية معدودة لا تفي بالغرض. هذا النقص يدفع المعلمين إلى ما يُعرف بـ “الارتجال المهني الموجه” أو البناء الذاتي للخبرة عبر آلية الخطأ والصواب. في المقابل، أثبتت الدراسة أن المعلمين الذين حظوا بتكوين مستمر نوعي في المدارس الدمجية أظهروا مستويات أعلى من الاستقرار النفسي، والشرعية المهنية، والقدرة على تبرير خياراتهم التربوية أمام أولياء الأمور بثقة علمية.
المحور الثاني: محددات ودوافع الالتزام بالتربية الدمجية
تتداخل الدوافع الذاتية (الداخلية) والخارجية في توجيه ممارسات المعلمين. تتمثل الدوافع الداخلية في المتعة المهنية المرتبطة بملاحظة التطور السلوكي للتلميذ، والقيم الأخلاقية والإنسانية التي ترفض تهميش أي طفل. أما الدوافع الخارجية، فتشمل الضغوط والمحددات المؤسسية المتزايدة من الوزارة بضرورة تطبيق قوانين الدمج، إلى جانب الرغبة في الحفاظ على التوازن الديناميكي للفصل الدراسي؛ حيث يدرك المعلم أن عدم تعديل البيئة لطفل ذي اضطراب TDA/H سيؤدي حتماً إلى اضطراب المناخ الصفي العام وتأثر مخرجات التعلم لبقية التلاميذ.
المحور الثالث: التعديلات التربوية والممارسات التدريسية المستهدفة
يفهم المعلمون أدوارهم بوصفها تتجاوز مجرد نقل المعرفة الأكاديمية الصرفة إلى تقديم دعم شمولي مخصص. وتتنوع الاستراتيجيات الإجرائية المطبقة داخل الفصول لتشمل:
تعديل البيئة الفيزيائية: استخدام وسائل تنظيم الحركة والتركيز مثل كرات الجلوس (Ballons), الطاولات المنحنية، و عوازل الصوت النافذة (Isoloirs), والسماعات العازلة للضوضاء.
تعديل المحتوى والزمن: تجزئة التوجيهات والتعليمات المركبة إلى مهام دقيقة وصغيرة، واستخدام المؤقتات البصرية (Time-Timer) لتعزيز الإدراك الزمني، وتدشين فترات راحة حركية وظيفية مقننة.
التعديل الشامل وتجنب الوصم: يميل المعلمون المتميزون إلى تعميم الأدوات المساعدة على كافة تلاميذ الفصل (وليس فقط للطفل المستهدف) لتحويل الاستراتيجيات إلى ممارسات طبيعية تمنع تعرض الطفل للوصم أو التنمر أو الاستبعاد الاجتماعي.
المحور الرابع: التعاون المهني والشركاء في العملية الدمجية
أظهرت الدراسة تبايناً واضحاً في آليات الدعم؛ فبينما يعمل المعلمون في المدارس الدمجية ضمن مناخ يسوده روح الفريق والمناقشات الأفقية المستمرة حول الحالات المعقدة، تعاني المدارس العادية من غياب فترات التنسيق الرسمية المدمجة في الجدول الزمني، مما يضطر المعلمين لاستهلاك أوقات راحتهم الشخصية للتنسيق.
على صعيد آخر، تم رصد خلل هيكلي في أداء الأقطاب الإقليمية (Pôles\ Territoriaux) المنوط بها تقديم الدعم الفني؛ إذ وصفت بعض المدارس استجابتها بالبطيئة أو المنعدمة نتيجة تكدس الحالات، مما يترك المعلم وحيداً في مواجهة بروتوكولات وتوصيات ورقية جافة وسياقات معيارية (Standardisées) ترسلها المراكز النفسية الطبية والاجتماعية (PMS) دون مراعاة لواقع الفصل الميداني.
المحور الخامس: المعوقات التنظيمية وضغوط المنظومة
تواجه التربية الدمجية عوائق بنيوية جسيمة تحد من فعاليتها، وأبرزها:
الكثافة الصفية المرتفعة: حيث يحول وجود عدد كبير من التلاميذ في الفصل الواحد دون القدرة الفردية على تطبيق التمايز التربوي (Différenciation\ Pédagogique) بشكل فعال.
العجز اللوجستي والمادي: غياب التمويل المباشر للأدوات المساعدة مما يلقي بالعبء المالي على عاتق الأسر.
الحاجة الماسة للتعليم المشترك (Co-Enseignement): غياب الكوادر البشرية المساعدة أو معلمي التربية الخاصة المساندين داخل الفصل العادي لتقاسم الأعباء.
3. المقاربة التطبيقية والتوصيات المستندة إلى الأدلة
لمعالجة التباين بين النص القانوني والواقع المعاش، وتماشياً مع مخرجات “ميثاق التميز التربوي” (Pacte\ pour\ un\ Enseignement\ d’Excellence), تخلص الدراسة إلى جملة من التوصيات المهنية الحاسمة:
المقاربة والهدف | الإجراءات التنفيذية المقترحة ميدانياً |
هيكلة وإعادة صياغة التكوين | إدراج وحدات تدريبية إجبارية حول الاضطرابات النمائية العصبية والتحليل السلوكي التطبيقي في التكوين الأساسي، مع ربطها بفترات تدريب ميداني وعملي صِرف في فصول دمجية. |
مأسسة الأوقات التنسيقية | تخصيص فترات زمنية رسمية مدفوعة الأجر ضمن الجداول المدرسية لعقد جلسات التقييم المشترك وبناء الخطة التربوية الفردية بالتعاون مع الأخصائيين والأسر. |
بناء بروتوكولات دمج مرنة | رفض التوصيات الطبية المعيارية الجاهزة، والاستعاضة عنها بصياغة بروتوكولات “ترتيبات تيسيرية معقولة” تشاركُ في صياغتها الهيئة التدريسية لضمان قابليتها للتطبيق الفعلي. |
توفير الدعم البشري المباشر | تفعيل غرف المصادر ونماذج التعليم المشترك (Co-Enseignement) عبر إلحاق ممارسين مساندين يدعمون المعلم الأساسي، مع تقليص الكثافة الصفية في الفصول التي تضم حالات اضطراب TDA/H. |
4.خاتمة عامة وآفاق مستقبلية (Conclusion)
تؤكد هذه الدراسة الكيفية أن إنجاح التربية الدمجية لا يمكن أن يرتكز حصراً على النوايا الطيبة والأخلاقيات الفردية للمعلمين، ولا على مجرد إصدار مراسيم وتشريعات قانونية فوقية. إن الدمج المدرسي الحقيقي هو قضية صحة عامة وقضية عدالة اجتماعية تستلزم إعادة نظر شاملة في البنية التحتية، ونسب توزيع المعلمين للتلاميذ، ومنظومة الدعم المهني. تفتح هذه الدراسة آفاقاً بحثية هامة تسترعي ضرورة تقصي تمثلات ومواقف بقية الأطراف في المنظومة، وتحديداً أسر التلاميذ ذوي الاضطرابات وممارسي الأقطاب الإقليمية، وصولاً إلى بناء نموذج دمج مستدام، عادل، وأكثر إنسانية.
المرجع :
Perception des enseignants sur leur rôle dans la prise en charge des élèves atteints de troubles de l’attention avec ou sans hyperactivité : une exploration qualitative
https://matheo.uliege.be/bitstream/2268.2/24085/5/M%C3%A9moire%20VIATOUR%20AMBRE_JADE%20.pdf





