ترجمة: أ. نورهان مشي
1. الإطار المفاهيمي والمنطلقات النظرية
تتجذر العدالة الاجتماعية في مبادئ حقوق الإنسان المعترف بها دولياً، إلا أنها تتميز بتركيزها المباشر على الفئات المهمشة والمستبعدة في البنية المجتمعية. وتؤكد منظمة الصحة العالمية (WHO) والاتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة (UN CRPD) أن الإعاقة لا تنبع بالأساس من القصور البيولوجي أو العقلي للفرد، بل تنشأ نتيجة التفاعل المعقد بين هذا القصور والحواجز البيئية، السلوكية، والمؤسسية التي تحول دون المشاركة الفاعلة والمتساوية في المجتمع.
على الرغم من تصاعد الخطابات الحقوقية، لا يزال الأفراد ذوو الإعاقة الفكرية (Persons with Intellectual Disabilities – ID) يواجهون أشكالاً منهجية من الظلم الاجتماعي تشمل الوصم، التمييز، التهميش، العزلة الاجتماعية، وارتفاع مخاطر التعرض للعنف وسوء المعاملة، مما يضاعف الضغوط المزمنة ويؤثر سلباً على صحتهم النفسية وجودة حياتهم.
1.1 نقد العلاج بالفن التقليدي وبروز المجتمعات القائمة على الفنون (ABCs)
يواجه العلاج بالفن في سياقه الإكلينيكي التقليدي انتقادات حادة من منظور دراسات الإعاقة النقدية؛ إذ يُؤخذ عليه ارتكازه التاريخي على نموذج العجز الطبي (Medical Deficit Model) الذي يضع المعالج في موقع “حارس البوابة” ذي النفوذ والسلطة، ويختزل العملية الإبداعية في مساعي “التطبيع” (Normalization) وجعل الفرد متوافقاً مع معايير الأصحاء (Able-bodiedness). يجرّد هذا المنحى الفرداني الممارسات الفنية من أبعادها الاجتماعية والسياسية.
استجابةً لهذه القيود، برز مفهوم المجتمعات القائمة على الفنون (Arts-Based Communities – ABCs) كإطار جامع يمتد إلى ما وراء حدود “الاستوديو المفتوح” الإكلينيكي التقليدي. تشمل هذه المجتمعات مجموعات متنوعة ينخرط فيها ذوو الإعاقة الفكرية في أنشطة تشاركية تغطي فنون الأداء، الفنون البصرية، المسرح، الموسيقى، والأدب، لتكون مساحات علاقاتية وتحويلية تُعزز العدالة الاجتماعية وتفكك خطابات الوصم.
2. المنهجية وإجراءات الفحص والتركيب النوعي
تعتمد هذه الدراسة—المنشورة في Canadian Journal of Art Therapy (2025) والمُعدة من قِبل آنيا زيمرمان (Anja Zimmermann) وفريقها البحثي بجامعة هان للعلوم التطبيقية وجامعة الدراسات الإنسانية بهولندا—على منهجية المراجعة النطاقية التركيبية التفسيرية (Qualitative Interpretive Synthesis Scoping Review)، مستندة إلى مبادئ الفحص الموضوعي المنهجي.
نطاق البحث وقواعد البيانات: استندت المراجعة إلى فحص قواعد بيانات متخصصة تشمل: PsycInfo، CINAHL Plus، Medline، SocINDEX، Web of Science، ERIC، وEmbase حتى مارس 2023.تقييم الجودة الصارم: استُخدمت أداة كمت المرجعية (Kmet et al., 2004) لتقييم جودة البحوث الأولية. واشتُرط شمول الدراسات التي تحقق ما لا يقل عن نصف الدرجة القصوى للتقييم، ما أسفر عن تصفية 33 مقالاً مبدئياً واستبقاء 27 دراسة محكمة[cite: 164, 165].
التركيب الموضوعي والتفسيري: استُخرجت الشواهد والنصوص سطراً بسطر ورُكبت بنائياً عبر مصفوفة محاور موضوعية لتحديد الركائز البنيوية المحددة لمجتمعات ABCs[cite: 164].
3. الخصائص الببليومترية والميدانية للدراسات المشمولة
كشف التحليل الوصفي للدراسات المشمولة (27 دراسة نُشرت بين عامي 1999 و2021) عن معالم توزيعية ومنهجية واضحة:
جدول 1: التوزيع المنهجي والجغرافي ونطاقات الممارسة لمجتمعات ABCs المشمولة
المتغير التحليلي | الفئات والتصنيفات المسجلة في المراجعة | تفاصيل التكرار والنسبة الببليومترية |
التصميم المنهجي للدراسات | – بحوث نوعية وصفية (Qualitative Research) – دراسات حالة (Case Studies) – بحوث إجرائية تشاركية (Action Research) – دراسات مختلطة المناهج (Mixed-methods) – دراسات كمية (Quantitative Studies) | – 13 دراسة – 5 دراسات – 5 دراسات – 3 دراسات – دراسة واحدة فقط (شملت 3 دراسات تشاركية شاملة صريحة). |
التوزيع الجغرافي للدراسات | – المملكة المتحدة (UK) – الولايات المتحدة الأمريكية (USA) – كندا – النرويج، أستراليا، السويد – أيرلندا، فنلندا، كوريا الجنوبية | – 12 دراسة – 4 دراسات – 3 دراسات – دراستان لكل دولة – دراسة واحدة لكل دولة. |
الوسائط الفنية المستخدمة | – المسرح والدراما (بما في ذلك العلاج بالدراما) – الفنون البصرية وصناعة الأفلام – الموسيقى والعلاج بالموسيقى – فنون الرقص والحركة – أشكال تعبيرية أخرى (الشعر، العرائس، الطقوس) | – 14 دراسة – 12 دراسة – 8 دراسات – 6 دراسات – 6 دراسات (تضمنت غالبية المجتمعات وسائط متعددة). |
المجالات التشغيلية المنظمة | – شركات واستوديوهات الفنون شبه المهنية والاحترافية – مشاريع البحوث والتعليم المشتركة – مجموعات ومبادرات مستقلة ذاتياً (Autonomous) – برامج العلاج بالفنون والرعاية النهارية – برامج الرعاية الصحية الشاملة وورش العمل الخيرية | – 12 مبادرة – 11 مشروعاً – 4 مجموعات – 3 برامج لكل منها – 3 برامج مؤسسية[cite: 165]. |
4. النتائج الموضوعية والتركيبية (Core Thematic Synthesis)
أظهر التحليل النوعي التفسيري أن مجتمعات ABCs ليست نماذج جامدة أو مقولبة، بل هي مساحات مرنة قائمة على العلاقات الإنسانية. وتنتظم ممارساتها الداعمة للعدالة الاجتماعية حول ثلاثة أسئلة رئيسية:
4.1 عناصر التصميم الهيكلي (Design Elements)
جدول 2: المحاور الرئيسية والفرعية لعناصر تصميم مجتمعات ABCs
المحور الرئيسي | المحاور الفرعية المستخلصة | التوصيف الإجرائي والتطبيقي في المراجعة |
(أ) الروابط التشاركية الإبداعية (Cocreative Connections) | • التعاون الفني المتكافئ • تأسيس فضاءات حوارية تمكينية • التعلم وتفكيك التعلم المتبادل | تفكيك الحواجز الهرمية عبر انخراط أفراد ذوي إعاقة وبدون إعاقة (فنانين محترفين، طلاب جامعات) في إبداع فني مشترك ومتوازن القوى. تحويل الاستوديو إلى “مساحة إنصات” (Listening space) قائمة على الوجود التشاركي والتفاعل الإنساني الندي. صيرورة دائرية يتعلم فيها الجميع معاً، ويُفكك فيها المشاركون الأصحاء مفاهيمهم المسبقة حول القدرة والإعاقة. |
(ب) الأداء والعرض مع الجمهور (Performing and Sharing) | • الظهور وتغيير الإدراك المجتمعي • جسر الفجوات وبناء الروابط الاجتماعية • التحقق الذاتي وتحول الهوية الشخصية | الخروج من فضاءات العزل المغلقة إلى الفضاءات العامة الرئيسية (المسارح الكبرى، المتاحف، والمعارض العامة) لتحدي المعايير القادرة السائدة. إحداث تفاعل وجداني عميق يُذيب الفوارق بين الجمهور والمؤدين، ويرسخ فكرة المساواة الإنسانية الجوهرية. إعادة تعريف الفرد لذاته من مجرد “متلقٍ للرعاية” إلى “فنان فاعل ومنتج للثقافة” يمتلك صوتاً مسموعاً ومقدراً. |
4.2 المقاربات المنهجية الفاعلة (Approaches)
جدول 3: المحاور الرئيسية والفرعية لمقاربات العمل في مجتمعات ABCs
المقاربة المنهجية | المحاور الفرعية | الآليات والخصائص المستخلصة من الأدبيات |
(أ) المقاربة المرتكزة على الشخص (Person-Centered Approach) | • التعبير الفني الفردي والتخصيص • التمكين الفردي والجماعي • المناصرة والدفاع الحقوقي | تكييف الأنشطة الفنية لتلائم وتيرة وتفضيلات كل مشارك الخاصة دون فرض قوالب مسبقة أو توجيهات إلزامية مفروضة من الخارج. إتاحة الحرية الإبداعية للمشاركين لاختيار موضوعاتهم ووسائطهم، مما يعيد لهم الشعور بالسيطرة والاستقلالية الشخصية. استخدام الفن كمنصة لمناصرة قضايا حساسة وحقوقية مهملة، مثل الحق في تقرير المصير والمواطنة الجنسية. |
(ب) المقاربة المنهجية الارتجالية (Improvisatory Methodical Approach) | • المرونة والإبداع الموجه بالمشارك • حل المشكلات اللحظي والإبداع التشاركي • التمكين عبر تقنيات الارتجال | غياب النصوص الإلزامية الصارمة؛ حيث يتدفق العمل الإبداعي عضوياً من مواقف المشاركين وأصالتهم الذاتية (مستلهمة من مسرح المقهورين لـ Boal). بناء المشاهد واللوحات الفنية بصورة متدرجة تشاركية تتكيف في الوقت الفعلي مع اهتمامات المجموعة وتحدياتها. منح المشارك الجرأة لأخذ زمام المبادرة وتوليد حركات ومشاهد جديدة تعبر عن مكنوناته دون خوف من الخطأ. |
4.3 أشكال التعبير الفني (Artistic Expression Forms)
التعبير عن القصص الحياتية (Expression of Life Stories):
السرد القصصي المشترك (Storytelling): صياغة الروايات الحياتية الشخصية عبر وسائط تعبيرية متنوعة (مثل النحت التعبيري، الكتابة الجماعية للنصوص المسرحية، أو الأفلام التوثيقية) لإبراز قضايا الدفاع عن الحقوق والانتهاكات التي تعرض لها المشاركون.
التعبير الشخصي وتوليد “الروايات المضادة” (Personal Expression & Counter-Narratives): تقديم عروض فردية وسير ذاتية بصرية تكشف عن مسارات الصمود والمشاعر الإنسانية العميقة (مثل الفقد، العيش المستقل، والتحولات الأسرية)، مما يعزز الفاعلية السردية (Narrative Agency) ويفند الروايات النمطية المشوهة.
التعبير الجسدي المتجسد للذات (Embodied Expression of Self):
تكامل الجسد والذهن (Mind-Body Integration): توظيف ما يُعرف بـ “البلاغة المتجسدة” (Embodied rhetoricity)، حيث تتكامل الأبعاد العاطفية والحسية والحركية في حوار بدني ينشأ عبر الرقص أو الارتجال الحركي التواصلي.
التناغم مع لغة الجسد (Attunement to Body Language): جعل الجسد موقعاً رئيسياً للفاعلية والاستقلالية، حيث ينقل المشارك رغباته الداخلية ومشاعره المعقدة عبر إيماءات وحركات تعبيرية تتجاوز قيود اللغة اللفظية.
التواصل العاطفي غير اللفظي (Emotional Connection): بناء جسور تعاطف وشحنات وجدانية صادقة مع الزملاء والجمهور من خلال تعابير الوجه، ضربات الإيقاع، ونبضات الحركة الصادرة “من القلب” مباشرة.
5. المناقشة والمضامين التطبيقية لممارسة العلاج بالفن
تؤكد نتائج المراجعة أن مجتمعات ABCs تُترجم بصورة تطبيقية مبادئ النموذج الاجتماعي للإعاقة، الذي يعتبر القصور مجرد اختلاف بشري يتطلب تعديلات بيئية وترتيبات تيسيرية معقولة لضمان المشاركة المتكافئة. فالاحتياجات التكيفية للأفراد ذوي الإعاقة الفكرية لا تُشكل عائقاً أمام الاندماج الثقافي إذا ما توفرت البيئة الحاضنة.
يمتلك المعالجون بالفنون مهارات فريدة (مثل فهم ديناميات المجموعات، كفاءات إدارة الصدمات، الموازنة بين الأمان النفسي والحرية الإبداعية، والوقاية من الضرر) تؤهلهم لقيادة هذه المساحات بنجاح يتجاوز الممارسات الفنية المجردة. ومع ذلك، يفرض هذا التوجه تحدياً يتمثل في ضرورة قيام المعالج بمراجعة مستمرة لموقعه الامتيازي وسلطته المهنية لمنع تكريس التبعية حتى في الأنشطة المجتمعية[cite: 180].
6. القيود المنهجية وآفاق البحث المستقبلي
أبرزت الدراسة جملة من المحددات المنهجية الواجب أخذها في الاعتبار:
استبعاد الأدبيات الرمادية (Grey Literature): حصر البحث في الدوريات المحكمة أدى إلى استبعاد مقاطع الفيديو التوثيقية، العروض الحية، وأوراق العمل الميدانية التي قد تتضمن تقييمات مباشرة من المشاركين.
غياب أصوات ذوي الإعاقة في المتن البحثي: كشفت الأدبيات أن أغلب الأبحاث تتحدث “عن” ذوي الإعاقة وليس “معهم”، حيث ندرت الاستشهادات المباشرة بكلماتهم وآرائهم بسبب قلة خبرة الباحثين في إجراء المقابلات التكيفية.
التحيز اللغوي والجغرافي الغربي: أدى الاقتصار على اللغة الإنجليزية إلى تركز الدراسات في المجتمعات الغربية النيوليبرالية مرتفعة الدخل (خاصة بريطانيا والولايات المتحدة)، مما يحد من تعميم النتائج على الثقافات غير الغربية التي قد تختلف في نمذجة الوصم ومفاهيم الدعم الأسري.
7. الخاتمة
تخلص هذه المراجعة التركيبية إلى أن المجتمعات القائمة على الفنون (ABCs) تمثل نموذجاً ممارساتياً تحررياً وواعداً لإعادة صياغة العدالة الاجتماعية للأفراد ذوي الإعاقة الفكرية. فمن خلال الروابط التشاركية المتكافئة، وتحدي التهميش عبر العروض العامة المفتوحة، واعتماد المقاربات المرتكزة على الفرد والارتجال، والتعبير عن السرديات والخبرات المتجسدة، تتحول الفنون من مجرد أداة علاجية فردية أو نشاط ترفيهي عازل إلى فضاء سياسي وثقافي يعترف بالإعاقة كهوية إنسانية أصيلة، ويؤسس لمجتمع أكثر إنصافاً وتضامناً.
المرجع الأصلي للدراسة:
بيانات التوثيق الأكاديمي: Zimmermann, A., Hermsen, M., Visse, M., & Leget, C. (2025). Arts-Based Communities Fostering Social Justice of Persons With Intellectual Disabilities: A Qualitative Interpretive Synthesis Scoping Review of Design Elements, Approaches, and Artistic Expressions. Canadian Journal of Art Therapy: Research, Practice, and Issues
https://www.tandfonline.com/doi/pdf/10.1080/26907240.2025.2548737





