ترجمة: أ. فاطمة الزهراني
تلعب الوظائف التنفيذية (Executive Functions) دورًا مهمًا في تعلم القراءة، بدءًا من إتقان الحروف ووصولًا إلى فهم معاني الكلمات والجمل والنصوص. وتشمل هذه الوظائف مهارات مثل الذاكرة العاملة، والانتباه، والمرونة في التفكير، وهي مهارات يستخدمها الطفل بصورة مستمرة أثناء القراءة.
ولهذا قد يواجه الأطفال الذين لديهم تحديات في الوظائف التنفيذية صعوبات في بعض جوانب القراءة، حتى عندما تكون لديهم معرفة جيدة بالحروف أو المفردات. وقد تظهر المشكلة في القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات أثناء القراءة، أو الانتقال بين المعاني المختلفة، أو المحافظة على الانتباه حتى نهاية الجملة أو الفقرة.
وفيما يلي خمس طرق يمكن أن تؤثر بها تحديات الوظائف التنفيذية في القراءة.
1. الوظائف التنفيذية والتعرف إلى الحروف
قد يخلط بعض الأطفال بين الحروف المتشابهة بصريًا أثناء تعلم الأبجدية. فعندما يتعلم الطفل شكلًا معينًا، يحتاج إلى قدر من الانتباه والمرونة حتى يميز بينه وبين حرف آخر يشبهه في بعض الخصائص.
فعلى سبيل المثال، إذا تعلم الطفل الحرف P أولًا، فقد لا يلاحظ مباشرة أن الحرف R يشبهه لكنه يحتوي على خط إضافي، وقد يستمر في التعرف إليه على أنه P.
ويتطلب التمييز بين الحروف ملاحظة التفاصيل الدقيقة وعدم الاعتماد فقط على الانطباع البصري الأول. ولذلك قد يكون التعرف إلى الحروف أبطأ لدى الطفل الذي يواجه صعوبة في نقل انتباهه من الخاصية المشتركة بين الحرفين إلى الخاصية التي تميزهما.
كما يلعب الانتباه دورًا مهمًا؛ إذ يحتاج الطفل إلى المحافظة على تركيزه مدة كافية لملاحظة الاختلافات البصرية وتذكر ما تعلمه عن كل حرف عند ظهوره مرة أخرى.
2. الوظائف التنفيذية وفك الكلمات
يحتاج القارئ المبتدئ إلى تحليل الكلمات غير المألوفة وربط الحروف بأصواتها، ثم دمج هذه الأصوات للوصول إلى الكلمة كاملة.
ولكي يتمكن الطفل من فك الكلمة (Decoding)، يحتاج إلى الاحتفاظ بأصوات الحروف الموجودة في بدايتها أثناء استمراره في معالجة بقية الحروف.
وهنا تؤدي الذاكرة العاملة (Working Memory) دورًا مهمًا. فالذاكرة العاملة تسمح للطفل بالاحتفاظ بالمعلومات لفترة قصيرة واستخدامها في الوقت نفسه.
فعندما يقرأ الطفل كلمة مكونة من عدة أصوات، يجب أن يحتفظ بالأصوات الأولى حتى يصل إلى نهاية الكلمة ويتمكن من دمجها. وإذا كانت هذه العملية صعبة عليه، فقد ينسى بداية الكلمة قبل الانتهاء من قراءتها أو يحتاج إلى البدء من جديد.
وقد يؤثر ذلك أيضًا في فهم النص. فإذا استهلك فك كلمة واحدة قدرًا كبيرًا من الانتباه والذاكرة العاملة، فقد يصبح من الأصعب الاحتفاظ بما قرأه الطفل في بداية الجملة وربطه بما يأتي بعدها.
3. الوظائف التنفيذية والكلمات متعددة المعاني
قد تشكل الكلمات التي تُكتب وتُنطق بالطريقة نفسها لكنها تحمل معاني مختلفة تحديًا لبعض القراء.
ويحتاج الطفل إلى استخدام التفكير المرن (Flexible Thinking) حتى يفهم أن الكلمة الواحدة قد تحمل أكثر من معنى، وأن المعنى الصحيح يتحدد وفق السياق.
فعلى سبيل المثال، تحمل كلمة fork في اللغة الإنجليزية معنى «شوكة»، لكنها قد تستخدم أيضًا للإشارة إلى تفرع الطريق. فإذا اعتمد القارئ على المعنى الأول فقط، فقد يجد صعوبة في فهم جملة تستخدم الكلمة بالمعنى الآخر.
ويحتاج الطفل في هذه الحالة إلى مراجعة تفسيره الأول والاستفادة من الكلمات المحيطة بالجملة لتحديد المعنى الأنسب.
وقد تظهر الصعوبة أيضًا عندما تكون الكلمة أو العبارة غير حرفية أو عندما يتغير معناها وفق السياق. وهنا تساعد المرونة المعرفية الطفل على تعديل فهمه بدل الاستمرار في تفسير لم يعد مناسبًا للنص.
4. الوظائف التنفيذية وصيغة المبني للمجهول
عندما يبدأ الأطفال تعلم القراءة، تكون كثير من الجمل التي يواجهونها مباشرة وبنية تركيبها بسيطة نسبيًا.
فعلى سبيل المثال، تعبر جملة: «دفعت صوفي كيفن» عن الحدث بصورة واضحة ومباشرة. لكن عند استخدام صيغة المبني للمجهول تصبح الجملة: «دُفع كيفن بواسطة صوفي».
ورغم أن الحدث نفسه، فإن ترتيب المعلومات داخل الجملة اختلف.
لفهم الجملة بصورة صحيحة، يحتاج الطفل إلى الاحتفاظ بالمعلومات التي قرأها في البداية أثناء معالجة ما يأتي بعدها، ثم تحديد من قام بالفعل ومن وقع عليه الفعل.
وهذا يفرض متطلبات إضافية على الذاكرة العاملة. لذلك قد يقرأ الطفل جميع الكلمات بصورة صحيحة لكنه يخطئ في فهم العلاقة بينها، خصوصًا عندما تكون الجملة طويلة أو تتضمن أكثر من معلومة.
ومع ازدياد تعقيد النصوص في المراحل الدراسية المتقدمة، تصبح القدرة على الاحتفاظ بعناصر الجملة وربطها ببعضها أكثر أهمية للفهم القرائي.
5. الوظائف التنفيذية والمحافظة على الانتباه
يتطلب تعلم القراءة قدرًا مستمرًا من الانتباه. فالطفل يحتاج إلى التركيز على الحروف والكلمات، والاستمرار في تتبع السطور، وربط المعلومات الجديدة بما قرأه قبلها.
وقد يواجه الأطفال الذين لديهم تحديات في الوظائف التنفيذية صعوبة في المحافظة على هذا التركيز، خاصة عند قراءة نص طويل أو مهمة تتطلب جهدًا مستمرًا.
وقد تؤدي فترات التشتت القصيرة إلى فقدان موضع القراءة أو تفويت كلمة أو سطر، كما قد تجعل متابعة معنى النص أكثر صعوبة.
وفي بعض الحالات قد يتمكن الطفل من قراءة الكلمات نفسها، لكنه لا يتذكر ما قرأه بعد انتهاء الفقرة لأن انتباهه لم يبقَ ثابتًا طوال المهمة.
ولهذا قد يكون من المهم التمييز بين الصعوبة في قراءة الكلمات نفسها والصعوبة في المحافظة على الانتباه أثناء القراءة.
كيف يمكن تقديم الدعم؟
يتطلب تعلم القراءة مجموعة مترابطة من المهارات، وقد يحتاج الأطفال الذين يواجهون تحديات في الوظائف التنفيذية إلى مزيد من التدريب والممارسة في بعض الجوانب.
ومن المهم ملاحظة طبيعة الصعوبة بدل التعامل مع القراءة باعتبارها مهارة واحدة. فقد تكون المشكلة أكثر وضوحًا في فك الكلمات، أو الاحتفاظ بالمعلومات، أو فهم الجمل المعقدة، أو الانتقال بين المعاني، أو المحافظة على التركيز.
ويمكن للتواصل بين الأسرة والمعلمين أن يساعد على تحديد المواقف التي تظهر فيها الصعوبة بصورة أكبر، وما إذا كانت مرتبطة بنوع معين من المهمات أو بدرجة تعقيد النص.
وعند استمرار الصعوبة أو تأثيرها بصورة واضحة في التعلم، قد يكون التقييم المتخصص مفيدًا لفهم طبيعة التحديات بصورة أدق وتحديد نوع الدعم التعليمي المناسب.
ختامًا
لا تعتمد القراءة على معرفة الحروف والكلمات وحدها؛ بل تستخدم مجموعة من مهارات الوظائف التنفيذية التي تساعد الطفل على الاحتفاظ بالمعلومات، والمحافظة على الانتباه، وتعديل تفسيره عند الحاجة، وربط أجزاء النص ببعضها.
ولهذا قد تظهر تحديات الوظائف التنفيذية في مستويات مختلفة من القراءة، بدءًا من التعرف إلى الحروف وفك الكلمات، وصولًا إلى فهم الجمل والسياق والمحافظة على التركيز.
ويساعد التعرف إلى المهارة التي يواجه فيها الطفل الصعوبة على تقديم دعم أكثر دقة، بدل التعامل مع جميع صعوبات القراءة بالطريقة نفسها.
المرجع:
5 ways executive function challenges can impact reading
https://www.understood.org/en/articles/how-executive-function-challenges-can-impact-reading





