ترجمة: أ. عبدالله الأحمري
عند التواصل مع الفرد المشخص باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، قد يتطلب الأمر تعلم التنظيم الذاتي. يُعرف التنظيم الذاتي بأنه قدرة الفرد على إدارة وضبط سلوكياته، وعواطفه، وانتباهه؛ ويشمل ذلك استخدام مهارات محددة لمراقبة متطلبات البيئة، وتقييمها، والتكيف معها للاستجابة بشكل مناسب. لنستعرض السيناريو التالي:
جيسيكا (Jessica) هي فرد يبلغ من العمر 9 سنوات انتقلت مؤخراً إلى مدرسة جديدة. ومؤخراً، تم تشخيصها باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، ويتخذ والدها خطوات لمساعدتها على التكيف مع متطلبات المدرسة، والمنزل، والأنشطة اللاصفية. في الفصل الدراسي، تعاني جيسيكا من صعوبة في الجلوس بهدوء؛ ففي غضون دقائق معدودة من الجلوس بشكل مستقيم على مكتبها، تنتقل إلى وضعيات متعددة بما في ذلك الانحناء تحت الطاولة والجلوس رأساً على عقب مع التلويح بساقيها في الهواء. وتلاحظ معلمتها مدى التحدي الذي تواجهه في إكمال الواجبات والاختبارات في الفصل. وفي الاستراحة، تواجه صعوبة في تكوين الصداقات لأنها غالباً ما تقاطع المحادثات، وتقترب كثيراً من وجوه الأفراد الآخرين، وتتسلط على الآخرين أثناء الألعاب الجماعية.
في كثير من الأحيان، يعاني الأفراد المشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) من صعوبات في التنظيم الذاتي، ولذلك فإن العمل مع أخصائي العلاج الوظيفي للتعامل مع هذه المشكلات يمكن أن يؤدي إلى تحقيق النجاح في الحياة اليومية. في هذا المقال، سنشرح فكرتين رئيسيتين: كيف يمكن لتعلم مهارات التنظيم الذاتي مساعدة الأفراد المشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، وما هي الاستراتيجيات المحددة التي يمكن لأخصائي العلاج الوظيفي استخدامها لتحسين التنظيم الذاتي.
كيف يساعد تعلم مهارات التنظيم الذاتي الفرد المشخص باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه؟
تُعد القدرة على التنظيم الذاتي ركيزة أساسية للنجاح، ليس فقط خلال مراحل الطفولة ولكن خلال مرحلة البلوغ أيضاً. يُعد اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) اضطراباً نموئياً عصبياً معروفاً يُشخص عادةً في مرحلة الطفولة، ويتسم بـ:
- صعوبة التركيز
- السلوك الاندفاعي
- التململ أو الحركة المفرطة (فرط النشاط)
- ضعف التخطيط
- الفوضوية وعدم التنظيم
- ضعف إدارة الوقت
- تدني مستوى تحمل الإحباط
- صعوبة تقسيم الانتباه بين مهام متعددة
يتيح تعلم مهارات التنظيم الذاتي مبكراً للأفراد المشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه الوقت والفرصة لاستخدام وتطوير استراتيجياتهم الخاصة كلما تقدموا في السن. ومع الممارسة والأدوات المناسبة، قد يلاحظ الوالدون والمعلمون ومقدمو الرعاية تغييرات إيجابية في أي من المجالات التالية:
- تحسين انتباه الفرد وتركيزه: التغيير الأساسي الذي يوفره التنظيم الذاتي الصحي هو زيادة الانتباه والتركيز في المهام اليومية، وقد يشمل ذلك الأنشطة في المنزل، أو المدرسة، أو الرياضة، أو التجمعات المجتمعية والاجتماعية الأخرى. وفي كثير من الحالات، يعاني الأفراد المشخصون باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه من إكمال الواجبات المنزلية، وتناول الوجبات، والمهام المنزلية، وأنشطة النظافة الشخصية، ومجموعة واسعة من الأنشطة لأن انتباههم محدود للغاية أو لأن أذهانهم قد انتقلت بالفعل إلى نشاط آخر (وإن كان غير مرتبط بالمهام). ومن خلال تعلم كيفية مراقبة سلوكهم وحجب المشتتات البيئية، يمكن للأفراد المشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه إكمال المهام الضرورية من البداية إلى النهاية في الوقت المناسب.
- تقليل الاندفاعية: يعيق اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه قدرة الفرد على التفكير قبل التحدث أو التصرف، مما يعني أنه قد يقول أو يفعل شيئاً دون استيعاب كامل لعواقب سلوكه. وقد يظهر ذلك في شكل تفوه الفرد بالإجابات في الفصل قبل رفع يده، أو القفز من مكان مرتفع في الملعب دون التفكير في مكان أو كيفية الهبوط، أو المقاطعة المستمرة للمحادثات كما ظهر في قصة جيسيكا. قد يساعد تعلم مهارات التنظيم الذاتي الفرد على ضبط ردود أفعاله للتفكير في السبب والنتيجة لخياراته.
- ضبط أفضل للعواطف: على الرغم من أنه ليس مؤشراً تشخيصياً مدرجاً، إلا أن هناك مفهوماً حديثاً وشائعاً في اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه يُشار إليه بـ “اختلال التنظيم العاطفي. قد يكون بعض الأفراد المشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه عرضة لنوبات غضب أو نوبات انفعالية بسبب رد فعل مفرط تجاه عواطفهم وعدم معرفة كيفية التكيف بطريقة اعتيادية. وتلقي هذه النوبات الانفعالية بظلالها على المشاركة الاجتماعية والإكمال الناجح للأنشطة المهمة بالنسبة لهم. يمكن لأدوات التنظيم الذاتي المناسبة أن تعلم الفرد المشخص باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه المرونة العاطفية وكيفية التخفيف من حدة الانفعالات أو التعامل مع المشاعر الصعبة بطريقة صحية.
- تحسين المهارات الاجتماعية: إذا كان الفرد قارداً على المراقبة الذاتية لسلوكه، وعواطفه، وانتباهه، فإن ذلك سيمهّد الطريق أمامه لبناء علاقات إيجابية ومثمرة مع الآخرين. من المحتمل أن تمتك فرد مثل جيسيكا شخصية حيوية، واجتماعية، ومحبة للمرح؛ ومع ذلك، يُعد من الصعب على الأصدقاء في مثل سنها تقدير صفاتها المحبوبة عندما تطفو على السطح مشكلات الاندفاعية، وتشتت الانتباه، والتسلط، وغيرها من التحديات التي قد تكون مزعجة. يمكن لمهارات التنظيم الذاتي مساعدة جيسيكا وغيرها من الأفراد المشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه على ضبط السلوكيات المسببة للتحديات والسماح للصفات الجميلة بالظهور لتكوين صداقات دائمة.
ما هي الاستراتيجيات/ التدخلات المحددة التي يستخدمها أخصائي العلاج الوظيفي لتحسين التنظيم الذاتي لدى الأفراد المشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه؟
يطبق أخصائيو العلاج الوظيفي للأطفال (OTs) تدخلات متعددة لمساعدة الأفراد المشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه على تطوير مهارات التنظيم الذاتي والحفاظ عليها. وفيما يلي مجموعة من الاستراتيجيات التي قد تساعد الأفراد ووالديهم:
- إنشاء هيكلية وروتين يومي: تطوير روتين يومي متموج ببعض التوقع والهيكلية للفرد. وبناءً على عمر الفرد والمهام اليومية المتوقعة، قد يبدو الروتين كالتالي:
- الاستيقاظ، ارتداء الملابس، أنشطة النظافة الصباحية، تناول وجبة الإفطار.
- المدرسة (وفق الجدول الدراسي المخصص).
- الأنشطة اللاصفية (الرياضة، الأندية المدرسية، وغيرها).
- تناول وجبة العشاء.
- وقت حل الواجبات المدرسية.
- روتين النظافة المسائية.
- مشاهدة التلفاز أو وقت الترفيه.
- روتين النوم.
وعلى الرغم من أنه لا يمكننا التحكم في كل شيء وستحدث تغييرات غير متوقعة، فإن توفير هيكلية يومية للفرد المشخص باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه يُعد أمراً مفيداً للغاية لتنظيم العواطف، والسلوك، والانتباه. وبعد فترة من الوقت، يمكن للفرد الاعتياد على تنفيذ روضينه الناجح بمفرده دون حاجة لإشراف الوالدين أو المعلم.
- تقديم توقعات واضحة: إعلام الفرد بالأهداف الفعلية قصيرة المدى وطويلة المدى لكل مهمة: الواجبات المدرسية، والمهام المنزلية، والألعاب، وأنشطة النظافة الشخصية، وغيرها. واشرح له بوضوح تام ما هو متوقع منه وما الذي يعنيه “إكمال” المهمة. فعلى سبيل المثال، بدلاً من قول: “اذهب للاستحمام.” قد يحتاج الفرد المشخص باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه إلى توضيح أفضل: “اخترع ملابسك. افتح الصنبور. اغسل شعرك وجسمك بالماء والصابون. ثم افرغ حوض الاستحمام، واخرج منه، وجفف نفسك بالمنشفة.”
- تجزئة المهام إلى خطوات أصغر: قد لا يمتلك الفرد المشخص باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه مدى انتباه يتسع لاستيعاب تعليمات متعددة في وقت واحد، تماماً مثل تعليمات الاستحمام المذكورة أعلاه. وإذا كان الأمركذلك، ابدأ بخطوات صغيرة واذكر توجيهاً واحداً في كل مرة، وأصدر التوجيه التالي بمجرد إكمال التوجيه السابق. ولا ينبغي خلط تجزئة المهام إلى خطوات أصغر بإعطاء الأفراد مهاماً سهلة، فالأفراد المشخصون باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه قادرون على القيام بأمور تنطوي على تحديات عندما تُتاح لهم الفرصة.
- تشجيع النشاط الجسدي: كغيرهم من غالبية الأطفال، يعاني الأفراد المشخصون باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه من الجلوس لفترات طويلة (مثل الجلوس على المكتب أثناء الساعات المدرسية). ولذا يُعد تشجيع هؤلاء الأفراد على المشاركة في التمارين أو الأنشطة الجسدية أمراً أساسياً لتفريغ طاقاتهم الزائدة أو لتلبية الاحتياجات الحسية التي يرغبون بشدة في إشباعها. ومن الأمثلة على ذلك: الرقص، والقفز، والجري، والتمارين العسكرية التكتيكية، ووقت الاستراحة (الفسحة)، ورفع الأثقال، وغيرها. وبمجرد تلبية هذه الاحتياجات الجسدية، تزداد القدرة على تنظيم الانتباه بدرجة كبيرة لمختلف المهام التي تتطلب الجلوس بهدوء.
- تعليم مهارات ممارسات اليقظة الذهنية والاسترخاء: تُعد ممارسات اليقظة الذهنية، واليوغا المخصصة للأطفال، ورياضة التاي تشي، وغيرها من استراتيجيات الاسترخاء وسائل ممتازة للأفراد للتعمق في الإدراك الداخلي لأجسامهم مع حجب المشتتات البيئية غير الضرورية بشكل فعال. ويمكن للممارسات اليومية لليقظة الذهنية والاسترخاء أن تحسن كلاً من تنظيم الانتباه والتنظيم العاطفي، سواء كان ذلك خلال الأيام الاعتيادية أو عندما يحتاج الفرد إلى تهدئة نفسه لتفادي نوبة غضب محتملة.
- تعليم المراقبة الذاتية: يمكن لأخصائي العلاج الوظيفي مساعدة الفرد على تعلم استراتيجيات التأمل الذاتي لمساعدته على تحديد الأوقات التي تحتاج فيها عواطفه أو سلوكياته إلى تعديل وضبط. ويحتاج هذا الأمر إلى وقت وجهد لمساعدة الفرد بشكل فعال على توجيه انتباهه إلى ذاته، وتسهيل التعبير اللفظي عن مشاعره، وتمكينه من تحديد مواضع الخلل وإجراء التحسينات عند الحاجة. ويمكن تدريس هذه الاستراتيجيات أثناء التفاعلات بين الفرد وأخصائي العلاج الوظيفي، أو بين الفرد وأقرانه، أو من خلال القصص الاجتماعية والمحاكاة التمثيلية التي يتسنى للفرد التدرب من خلالها. فعلى سبيل المثال، قد يساعد أخصائي العلاج الوظيفي جيسيكا على المراقبة الذاتية لتفاعلاتها مع صديقاتها في المدرسة عن طريق تعليمها الاستماع الفعال، ومواكبة التدفق الطبيعي للمحادثة المتبادلة، والانتظار بتهذيب لدورها دون مقاطعة الآخرين.
- استخدام التعزيز الإيجابي: يستجيب العديد من الأفراد بشكل جيد عندما يتم مكافأة السلوك المرغوب فيه. وبدلاً من التركيز بشكل أساسي على العقاب على السلوكيات غير المرغوبة (مثل الاندفاعية، أو الدرجات المتدنية، أو نوبات الغضب)، يدرج أخصائيو العلاج الوظيفي نظاماً للتعزيز الإيجابي يُعترف فيه بالتقدم الذي يحرزه الفرد المشخص باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه ويُكافأ عليه (سواء بالثناء، أو الجوائز، وغيرها)، لضمان استمرار السلوك الجيد مستقبلاً.
تُعد مهارات التنظيم الذاتي مجرد جزء من اللبنات الأساسية الضرورية التي يعاني الأفراد المشخصون باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه في استخدامها بشكل فعال. ويعمل أخصائيو العلاج الوظيفي للأطفال بانتظام مع الأفراد المشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لمساعدتهم على تعلم كيفية المراقبة الذاتية لسلوكياتهم، وعواطفهم، وانتباههم، لتمكينهم من تحقيق النجاح اليومي لسنوات قادمة.
المرجع:
Communicating with a Child Who Has ADHD
https://www.therapyplacenj.com/communicating-with-a-child-who-has-adhd /





