ترجمة: أ. سوار الماجري
مقدمة عامة
يُعد تغير السلوك الإنساني وإطفاء الاستجابات غير المرغوبة أحد أهم محاور علم النفس السلوكي والتطبيقي. يسعى المختصون والمربّون دائماً إلى تقليل أو محو السلوكيات السلبية — سواء كانت سلوكيات إيذاء الذات، أو التشتت الصفي، أو النمطية، أو الإدمان — للوصول بالطفل أو الفرد إلى مستوى متقدم من التكيف النفسي والاجتماعي.
تتعدد الأساليب المستعلمة لتخفيض السلوكيات غير المرغوبة، ويأتي على رأسها أسلوبان شهيران:
الاطفاء (Extinction): إيقاف التعزيز الذي كان يحافظ على ظهور السلوك.
التعزيز التفاضلي للسلوكيات الأخرى (DRO – Differential Reinforcement of Other Behavior): أو ما يُعرف بتدريب الحذف، وفيه يتم تقديم التعزيز فقط عندما يمتنع الفرد عن ممارسة السلوك Target لمُدة زمنية محددة.
على الرغم من النجاح الكبير الذي تحققه هذه الاستراتيجيات داخل البيئات العلاجية أو الصفية المحددة، إلا أن التحدي الأكبر يكمن في استدامة التغيير السلوكي. ففي كثير من الأحيان، يُفاجأ المختصون بعودة السلوكيات غير المرغوبة للظهور مجدداً وبقوة بمجرد تغيير البيئة أو الانتقال من سياق إلى آخر، وهو ما يُعرف علمياً بـ الانتكاس السلوكي (Relapse) أو تجدد السلوك (Renewal Effect).
تتناول هذه الدراسة التحليلية الشاملة ظاهرة تجدد السلوك (ABA Renewal)، وتقارن بين أسلوبي الاطفاء (Extinction) والتعزيز التفاضلي (DRO)، لتسليط الضوء على كيفية تأثير البيئة والسياق على استقرار التغيير السلوكي.
المفاهيم الأساسية في تغير السلوك
1. الإجرائية الاستجابية والتعزيز
يتشكل السلوك الإجرائي بناءً على العواقب. عندما يؤدي سلوك ما إلى نتيجة إيجابية (معزز)، تزداد احتمالية تكراره في المستقبل. بالمقابل، عندما تفتقر الاستجابة للنتيجة المعززة، يبدأ السلوك بالانخفاض.
2. إجراء الاطفاء (Extinction)
يقوم إجراء الاطفاء على قطع العلاقة بين السلوك والمُعزز. على سبيل المثال، إذا كان الطفل يقوم بالسلوك المشتت لجلبت الانتباه، فإن إهمال هذا السلوك وعدم تقديم الانتباه يؤدي تدريجياً إلى تراجعه. ومع ذلك، يتطلب الاطفاء وقتاً، وقد يرافقه ما يُعرف بـ “انفجار الاطفاء” (Extinction Burst)، وهو ارتفاع مؤقت في شدة السلوك قبل انخفاضه.
3. التعزيز التفاضلي للسلوكيات الأخرى (DRO)
يُعتبر إجراء DRO أكثر إيجابية ومرونة من الاطفاء المجرد. يتضمن هذا الإجراء تقديم المعزز بشكل منتظم بشرط عدم صدور السلوك غير المرغوب فيه خلال فترة زمنية محددة. إذا صدر السلوك المطلوب إطفاؤه، يتم إعادة ضبط المؤقت ولا يُقدم المعزز. أثبت هذا الإجراء كفاءته في القضاء على العديد من التحديات السلوكية كالصراخ، والتشتت، والسلوكيات النمطية.
ظاهرة التجدد السلوكي (Renewal Effect)
تُعرف ظاهرة التجدد السلوكي بأنها إعادة ظهور استجابة تم إخفاؤها أو تقليلها سابقاً، نتيجة لتغير في السياق أو البيئة التي يتم فيها اختبار الفرد.
تتأخذ ظاهرة التجدد عدة أشكال بناءً على التنقل بين البيئات (Contexts):
تجدد ABA (ABA Renewal): يتم اكتساب السلوك في البيئة (A)، ثم يُنفذ إجراء التعديل/الإخفاء في بيئة مختلفة (B)، وأخيراً يُختبر الفرد بإعادته إلى البيئة الأولى (A). يُلاحظ في هذا النموذج عودة قوية للسلوك في البيئة (A).
تجدد ABC (ABC Renewal): يتم الاكتساب في (A)، والإخفاء في (B)، والاختبار في بيئة جديدة تماماً (C).
تجدد AAB (AAB Renewal): يتم الاكتساب والإخفاء في البيئة (A)، والاختبار في البيئة (B).
توضح المقارنات العملية أن نمط ABA هو الأكثر شيوعاً وتأثيراً، حيث تعمل البيئة الأصلية (A) كمُحفز وكمؤشر مشفر يستدعي السلوك القديم بمجرد العودة إليها.
مقارنة تحليليّة: الاطفاء (EXT) مقابل التعزيز التفاضلي (DRO)
تطرح الأدبيات العلمية سؤالاً جوهرياً: هل يُعتبر التعزيز التفاضلي (DRO) أكثر حصانة ضد الانتكاس السلوكي مقارنة بالاطفاء المجرد؟
أ. سرعة الخفض السلوكي
تظهر نتائج التجارب والدراسات أن الاستجابات تنخفض بمعدل أسرع عند استخدام الاطفاء المباشر مقارنة بـ DRO. السبب في ذلك يعود إلى أن أسلوب DRO يتضمن تقديم معززات منتظمة في البيئة (طالما لم يصدر السلوك)، مما يجعل البيئة تفاعلية ونشطة، وبالتالي يتطلب الفرد وقتاً أطول ليستوعب أن السلوك المستهدف تحديدا لم يعد يعطي النتيجة السابقة مقارنة بقطع التعزيز تماماً.
ب. مستوى الانتكاس وتأثير السياق
على الرغم من التفاوت في سرعة خفض السلوك بين الطريقتين، كشفت الأدلة التجريبية المتقدمة أن كلا الأسلوبين (الاطفاء و DRO) يتأثران بالتساوي بظاهرة التجدد السلوكي (ABA Renewal).
بمعنى آخر:
إذا تم إخفاء سلوك غير مرغوب باستخدام الاطفاء في سياق معين (B)، ثم تم نقل الطفل إلى البيئة (A)، سيعود السلوك للظهور.
إذا تم إخفاء نفس السلوك باستخدام DRO في السياق (B)، ونُقل الطفل إلى البيئة (A)، فإن السلوك سيعود للظهور بنفس النسبة تقريباً.
تؤكد هذه النتيجة أن التعزيز الإيجابي المعتمد في DRO لا يمنع الانتكاس الناجم عن تغيير البيئة، مما يوضح أن التحكم السياقي (Contextual Control) يؤثر على جميع أساليب كبت السلوك.
المقارنة الجدولية لنتائج أساليب التعديل
أبعاد المقارنة | إجراء الاطفاء (Extinction) | التعزيز التفاضلي للسلوكيات الأخرى (DRO) |
آلية العمل | قطع التعزيز تماماً عن السلوك المستهدف. | تقديم التعزيز عند الامتناع عن السلوك لمدّة زمنية محددة. |
سرعة خفض السلوك | أسرع نسبياً. | أبطأ مقارنة بالاطفاء المجرد. |
القابلية للتجدد (ABA Renewal) | عالية جداً عند تغيير البيئة. | مساوية لمستوى الاطفاء عند تغيير البيئة. |
مستوى القبول النفسي | قد يسبب إحباطاً أو انفجاراً انطفائياً. | أكثر قبولاً لأنه يمنح تعزيزاً بديلاً في البيئة. |
التحكم السياقي (Context) | يرتبط تقليل السلوك بالبيئة التي تم فيها الاطفاء. | يرتبط تقليل السلوك بالبيئة التي تم فيها التدريب. |
الآليات النظريّة والمفسرة للانتكاس السلوكي
لتفسير سبب عودة السلوك بمجرد الانتقال بين البيئات، يستند العلماء إلى عدة نظريات في التعلم الشرطي والإجرائي:
1. السياق كمؤشر كابث (Inhibitory Cue)
تكتسب البيئة أو السياق الذي يتم فيه تقليل السلوك (البيئة B) خصائص تمييزية تفيد بأن “السلوك غير مقبول هنا”. وعندما يخرج الفرد من هذه البيئة ويصل إلى بيئة أخرى لم يمر فيها ببرنامج التعديل (البيئة A)، تفقد هذه الخصائص الكابثة تأثيرها، فيعود السلوك للظهور تلقائياً.
2. غياب التعميم (Generalization Deficit)
تُظهر الاستجابات السلوكية حساسية عالية للتغيرات البيئية الخفيفة. إذا لم يتم تدريب الفرد على الامتناع عن السلوك في بيئات متعددة ومتنوعة، فإن التعلم يظل محصوراً في بيئة العيادة أو الفصل الذي تم فيه التدريب، ولا ينتقل تلقائياً إلى المنزل أو الشارع.
التطبيقات الميدانية والتوصيات التربوية
تضعنا هذه الحقائق أمام مسؤولية كبيرة عند تصميم الخطط السلوكية للأطفال ذوي الإعاقة الذهنية أو ذوي الاحتياجات الخاصة، وكذلك في برامج إدارة الصف. لتفادي ظاهرة الانتكاس والتجدد السلوكي، يُوصى باتباع الاستراتيجيات التالية:
أ. التدريب في بيئات متعددة (Multiple Contexts)
لا ينبغي أن يقتصر برنامج تغير السلوك أو استخدام فنيات DRO على غرفة المصادر أو مكتب أخصائي التعديل. يجب تطبيق الخطوات نفسها في الفصل العادي، الملعب، والمنزل لتشفير الاستجابة الكافّة في كافة السياقات البيئية.
ب. تقديم تذكيرات الاطفاء (Extinction Reminders)
استخدام مثيرات أو إشارات محددة ترافق عملية تقليل السلوك (مثل بطاقات بصرية أو إشارات لفظية)، ونقل هذه المثيرات مع الطفل عندما ينتقل إلى بيئة جديدة للتذكير بالاستجابة المطلوبة.
ج. دمج التعزيز التفاضلي مع تعليم السلوك البديل (DRA / FCT)
بدلاً من الاكتفاء بمنع السلوك فقط عبر DRO، يُفضل دمج ذلك مع تعليم الفرد سلوكاً بديلاً مكافئاً وظائفياً (DRA – Differential Reinforcement of Alternative Behavior) أو تدريبه على التواصل الوظيفي (FCT) للتعبير عن احتياجاته بطريقة مقبولة.
الخاتمة
يُظهر التحليل العميق لعمليات تغير السلوك أن خفض الاستجابات السلبية — سواء عبر الاطفاء أو التعزيز التفاضلي (DRO) — يمثل نصف الطريق فقط نحو التغيير السلوكي الناجح. أما النصف الآخر والأهم، فيكمن في الحفاظ على هذا التغيير وضمان تعميمه عبر مختلف البيئات والأزمنة.
إن ظاهرة التجدد السلوكي (ABA Renewal) تُثبت أن السلوك ليس مجرد استجابة معزولة، بل هو نتاج تفاعل مستمر بين الفرد وبيئته. وبالتالي، فإن النجاح الحقيقي لأي برنامج تربوي أو علاجي لا يُقاس فقط بمدى اختفاء السلوك داخل غرفة التدريب، بل بقدرة الطفل أو الفرد على الاستمرار في هذا الانضباط والتكيف عندما ينتقل إلى الحياة الواقعية بمتغيراتها البيئية المتعددة
المرجع :
Comparison of Operant Behavior Renewal After Elimination by Extinction or Differential Reinforcement of Other Behavior





