الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

كيف تؤثر مشكلات المعالجة الحسية في الأطفال داخل المدرسة؟

 

ترجمة: أ. فاطمة الزهراني

 

وكيف يمكن للوالدين والمعلمين دعم الأطفال في البيئة الصفية؟

قد تتواصل معلمة الطفل في الصف الثاني الابتدائي مع أسرته للتعبير عن قلقها بشأن بعض السلوكيات التي تلاحظها داخل المدرسة، مثل:

  • عدم قدرته على الجلوس بهدوء طوال الحصة الدراسية التي تستغرق نحو ثلاثين دقيقة، مما يؤدي إلى تعطيل سير الدرس.

  • تشتت انتباهه بصورة متكررة، وعدم تركيزه فيما تقوله المعلمة.

  • اصطدامه بزملائه أثناء الوقوف في طابور المقصف المدرسي، الأمر الذي يسبب انزعاجهم.

  • صعوبة إمساكه بالقلم بالطريقة الصحيحة، مما يؤثر في مهاراته في الكتابة اليدوية.

  • انزعاجه عند الانتقال من نشاط إلى آخر.

  • تعرضه لانفعالات شديدة أثناء التجمعات المدرسية، مما يضطره إلى مغادرة صالة النشاط.

قد تكون الأسرة قد بدأت تلاحظ هذه السلوكيات منذ مرحلة الطفولة المبكرة، إلا أنها أصبحت الآن تؤثر في تقدمه الدراسي ومشاركته داخل المدرسة. وقد يدفع ذلك الوالدين إلى التساؤل عما إذا كان الطفل يعاني اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (Attention-Deficit/Hyperactivity Disorder, ADHD)، إلا أن معلمته قد تشير إلى احتمال ارتباط هذه السلوكيات بمشكلات في المعالجة الحسية (Sensory Processing Issues).

ما هي مشكلات المعالجة الحسية؟

يواجه بعض الأطفال صعوبة في معالجة المعلومات الواردة عبر الحواس المختلفة، مثل السمع، واللمس، والتذوق، والإبصار، والشم. كما توجد حاستان أخريان قد تتأثران أيضًا، وإن كانتا أقل شيوعًا في التداول؛ الأولى هي الإحساس بوضعية الجسم (Proprioception)، وهي القدرة على إدراك موضع أجزاء الجسم وحركتها دون الحاجة إلى النظر إليها، والثانية هي الحس الدهليزي (Vestibular Sense)، المسؤول عن إدراك الحركة والتوازن والتناسق الحركي.

وقد يُظهر الأطفال الذين لديهم مشكلات في المعالجة الحسية أنماطًا مختلفة من الاستجابة للمثيرات الحسية، فقد تكون لديهم فرط استجابة للمثيرات الحسية (Sensory Over-Responsivity)، أو ضعف استجابة للمثيرات الحسية (Sensory Under-Responsivity)، أو مزيج من النمطين معًا.

وعلى الرغم من أن مشكلات المعالجة الحسية لا تُعد اضطرابًا في التعلم (Learning Disorder) ولا تشخيصًا سريريًا مستقلًا في الأدلة التشخيصية المعتمدة حاليًا، فإنها قد تؤثر في قدرة الطفل على المشاركة الفاعلة في البيئة المدرسية والاستفادة من الخبرات التعليمية.

فعلى سبيل المثال، قد يستجيب الأطفال ذوو فرط الاستجابة للمثيرات الحسية للمثيرات البيئية بسرعة وبشدة، وقد تصبح هذه المثيرات بالنسبة إليهم مرهقة أو صعبة التحمل. ومن السلوكيات التي قد يلاحظها المحيطون بهم:

  • عدم القدرة على تحمل الإضاءة الساطعة أو الأصوات المرتفعة، مثل صفارات سيارات الإسعاف.

  • رفض ارتداء بعض أنواع الملابس بسبب الإحساس بخشونتها أو تسببها في الانزعاج، حتى بعد إزالة البطاقات والملصقات، أو رفض ارتداء بعض الأحذية لشعورهم بأنها ضيقة أكثر من اللازم.

  • تشتت الانتباه بسبب أصوات خلفية قد لا يلاحظها الآخرون.

  • الانزعاج من اللمسات المفاجئة، وتجنب العناق أو الملامسة الجسدية حتى مع الأشخاص المألوفين.

  • إظهار خوف مفرط من استخدام الأراجيح أو بعض الألعاب في ساحات اللعب.

  • مواجهة صعوبة في إدراك موقع أجسامهم بالنسبة إلى الأشخاص أو الأشياء المحيطة بهم.

  • الاصطدام المتكرر بالأشخاص أو الأشياء، بما قد يجعلهم يبدون أقل توافقًا في الحركة.

  • صعوبة تقدير مقدار القوة اللازمة عند أداء الأنشطة؛ فقد يمزق الطفل الورقة أثناء محو الكتابة، أو يضغط بقوة زائدة عند الإمساك بشخص، أو يضع الأشياء بعنف على الأسطح.

  • مغادرة الموقف أو الابتعاد سريعًا عندما تصبح المثيرات الحسية مرهقة بالنسبة إليه.

  • التعرض لنوبات انفعال شديدة عند الشعور بالإرهاق الحسي.

ضعف الاستجابة للمثيرات الحسية (Sensory Under-Responsivity)

في المقابل، قد يُظهر بعض الأطفال ضعفًا في الاستجابة للمثيرات الحسية (Sensory Under-Responsivity)، مما يدفعهم إلى البحث المستمر عن مزيد من المدخلات الحسية لإشباع احتياجاتهم. وقد تتضمن السلوكيات التي قد تظهر لديهم ما يأتي:

  • الحاجة المستمرة إلى لمس الأشخاص أو ملامسة الأسطح والخامات المختلفة، حتى في المواقف التي لا يكون فيها ذلك مقبولًا اجتماعيًا.

  • صعوبة إدراك حدود المساحة الشخصية، رغم أن أقرانهم في العمر نفسه يكونون قد اكتسبوا هذا المفهوم.

  • امتلاك قدرة مرتفعة على تحمل الألم مقارنةً بغيرهم.

  • صعوبة تقدير مقدار القوة التي يستخدمونها عند التعامل مع الأشخاص أو الأشياء.

  • كثرة الحركة وصعوبة البقاء في وضعية الجلوس لفترات مناسبة.

  • الاستمتاع بالأنشطة التي تتضمن القفز أو الاصطدام أو الاندفاع.

  • تفضيل الضغوط الجسدية العميقة، مثل العناق المحكم.

  • البحث عن الأنشطة التي تتضمن حركات سريعة أو دورانية أو حركية مكثفة.

  • الاستمتاع بالقذف في الهواء، والقفز على الأثاث أو أجهزة الترامبولين.

قد تتشابه هذه السلوكيات مع أنماط سلوكية تُلاحظ لدى بعض الأطفال في المرحلة الابتدائية. فعلى سبيل المثال، قد يبدو الأطفال الذين يُظهرون ضعفًا في الاستجابة للمثيرات الحسية وكأنهم يعانون فرط النشاط، في حين أن هذه السلوكيات قد تمثل محاولات للحصول على مزيد من المدخلات الحسية التي يحتاجون إليها.

كما أن العديد من السلوكيات المرتبطة بمشكلات المعالجة الحسية تتداخل مع بعض أعراض اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (Attention-Deficit/Hyperactivity Disorder, ADHD)، مثل صعوبة الجلوس بهدوء، وضعف التركيز، أو الانفعالات الشديدة عند الانتقال من نشاط إلى آخر، ولا سيما عند الانتقال من نشاط يستمتع به الطفل إلى نشاط آخر.

ولهذا السبب، ينبغي ألا يستند تشخيص اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD) إلى زيارة سريعة للطبيب أو إلى ملاحظات محدودة، بل ينبغي أن يعتمد على تقييم شامل يتضمن مقابلات منظمة، واستخدام مقاييس تقييم مقننة، وجمع معلومات من البيئات المختلفة التي يتواجد فيها الطفل، بما يتيح تكوين صورة دقيقة عن طبيعة الصعوبات التي يواجهها. كما قد يجتمع اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه ومشكلات المعالجة الحسية لدى بعض الأطفال.

وأفادت دراسة نُشرت عام 2009 بأن نحو طفل واحد من كل ستة أطفال قد يُظهر صعوبات في المعالجة الحسية تؤثر في تعلمه وأدائه الوظيفي داخل المدرسة. وتجدر الإشارة إلى أن هذا التقدير يستند إلى نتائج تلك الدراسة، وقد تختلف التقديرات باختلاف منهجيات الدراسات والعينات البحثية.

ورغم أن مشكلات المعالجة الحسية تُلاحظ بصورة متكررة لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد (Autism Spectrum Disorder, ASD)، فإنها قد تظهر أيضًا لدى بعض الأطفال ذوي اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، أو اضطراب الوسواس القهري (Obsessive-Compulsive Disorder, OCD)، أو بعض الاضطرابات النمائية الأخرى، كما قد تظهر لدى أطفال لا تنطبق عليهم أي تشخيصات نمائية أو نفسية أخرى.

كيف يمكن دعم الطفل الذي يُظهر مشكلات في المعالجة الحسية داخل المدرسة؟ 

لا توجد أدوية مخصصة لعلاج مشكلات المعالجة الحسية، إلا أن عددًا من التدخلات العلاجية والتعديلات العملية في المدرسة والمنزل قد تسهم في دعم الطفل، ومساعدته على التكيف بصورة أفضل، وتحسين مشاركته في الأنشطة اليومية.

ويُعد أخصائي العلاج الوظيفي (Occupational Therapist, OT) من أبرز المختصين الذين يقدمون الدعم للأطفال الذين يُظهرون مشكلات في المعالجة الحسية. ويعمل كثير من أخصائيي العلاج الوظيفي في المدارس، كما يمكن الاستفادة من خدماتهم في المراكز أو العيادات المتخصصة. ويعتمد تدخلهم على أنشطة هادفة تُصمم لتنظيم المدخلات الحسية بما يتوافق مع احتياجات كل طفل.

كما يمكن لأسرة الطفل، بالتعاون مع المعلم وأخصائي العلاج الوظيفي، مناقشة التعديلات المناسبة داخل البيئة الصفية بما يعزز شعوره بالراحة والأمان، ويدعم قدرته على التركيز والمشاركة في الأنشطة التعليمية. ومن هذه التعديلات ما يأتي:

  • التأكد من أن الكرسي والطاولة مناسبان لحجم الطفل، بحيث يتمكن عند الجلوس من وضع قدميه بثبات على الأرض، مع إسناد مرفقيه إلى سطح الطاولة بصورة مريحة.

  • بالنسبة للأطفال الذين يحتاجون إلى قدر من الحركة أثناء الجلوس، يمكن استخدام وسادة هوائية مخصصة للمقاعد أو وسادة مناسبة تسمح لهم بالحركة المحدودة مع المحافظة على بقائهم في مقاعدهم.

  • قد يستفيد بعض الأطفال من الجلوس بالقرب من المعلم، في حين قد يكون من الأفضل للأطفال الذين يتشتت انتباههم بالأصوات الجلوس بعيدًا عن مصادر الضوضاء.

  • إذا أمكن، يُستحسن الحد من تأثير الإضاءة الفلورية التي قد يصاحبها وميض أو طنين قد يسبب الإزعاج لبعض الأطفال.

  • الحرص على عدم جلوس الطفل بالقرب من مصادر الضوضاء أو المشتتات التي قد تؤثر في انتباهه.

  • تدريب الطفل، بالتعاون مع أخصائي العلاج الوظيفي، على تنمية وعيه بموقع جسمه بالنسبة إلى الأشخاص والأشياء المحيطة به، وتعزيز فهمه لمفهوم المساحة الشخصية.

  • إتاحة فترات استراحة حسية (Sensory Breaks) تتضمن أنشطة مناسبة، مثل المشي، أو القفز على جهاز ترامبولين صغير، أو غيرها من الأنشطة التي تلبي احتياجاته الحسية، بما قد يسهم في تقليل اندفاعه نحو الاصطدام بالآخرين أو البحث المستمر عن المدخلات الحسية.

  • السماح باستخدام بعض الأدوات الحسية المناسبة، مثل أدوات التململ (Fidgets) أو أدوات المضغ (Chewable Items)، عند الحاجة ووفق توجيهات أخصائي العلاج الوظيفي، لما قد توفره من مدخلات حسية تساعد الطفل على تنظيم استجاباته.

  • تدريب الطفل، بالتعاون مع أخصائي العلاج الوظيفي، على تنمية المهارات الحركية الكبرى (Gross Motor Skills) والمهارات الحركية الدقيقة (Fine Motor Skills)، بما يدعم أداءه في الأنشطة المدرسية المختلفة، مثل حصص التربية البدنية والكتابة داخل الصف.

ومن التعديلات التي قد تسهم في دعم الطفل داخل البيئة المدرسية ما يأتي:

  • للحد من احتمالية حدوث نوبات الانفعال الشديدة أو مغادرة الطفل للمكان بصورة مفاجئة عند شعوره بالإرهاق الحسي، يمكن السماح له بعدم حضور التجمعات المدرسية إذا كانت تمثل مصدرًا واضحًا للإزعاج، أو الجلوس بالقرب من أحد المخارج بحيث يتمكن، عند الحاجة، من أخذ استراحة قصيرة خارج مكان التجمع برفقة أحد المعلمين أو المشرفين.

  • إذا كانت بيئة المقصف المدرسي غنية بالمثيرات الحسية إلى درجة تؤثر في قدرة الطفل على التكيف، فيمكن دراسة إمكانية تناوله وجبة الغداء في مكان أكثر هدوءًا برفقة واحد أو أكثر من زملائه، وبإشراف أحد المعلمين أو المساعدين.

  • توفير جدول بصري واضح (Visual Schedule) يوضح تسلسل الأنشطة اليومية، مع تهيئة الطفل مسبقًا قبل الانتقال من نشاط إلى آخر، بما يساعده على الاستعداد للتغيرات وتقليل الصعوبات المرتبطة بالانتقال بين الأنشطة.

وقد تسهم هذه التعديلات، إلى جانب الدعم الذي يقدمه المعلم، والتعاون بين الأسرة والمدرسة، والاستفادة من خدمات أخصائي العلاج الوظيفي (Occupational Therapist, OT) عند الحاجة، في تهيئة بيئة تعليمية أكثر ملاءمة للأطفال الذين يُظهرون مشكلات في المعالجة الحسية، بما يدعم مشاركتهم في الأنشطة الصفية والمدرسية، ويعزز تفاعلهم مع أقرانهم.

المرجع:

How Sensory Processing Issues Affect Kids in School

https://childmind.org/article/how-sensory-processing-issues-affect-kids-in-school/