الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

التحدث إلى الأطفال الصغار (Talking to Toddlers)

 

ترجمة: أ. فاطمة الزهراني

 

استراتيجيات تواصل أكثر فاعلية مع الأطفال الصغار

تخيل أنك عدت إلى المنزل بعد نزهة قصيرة وقلت لطفلك الصغير: «حسنًا، حان وقت وضع الحذاء في مكانه». قد تبدو هذه التعليمات واضحة ومباشرة بالنسبة للبالغين، إلا أنها قد لا تكون كذلك بالنسبة لطفل يبلغ عامين من العمر. فالتواصل مع الأطفال الصغار يتسم بخصائص قد لا تكون واضحة أو بديهية دائمًا للوالدين. ويوضح المختصون مجموعة من الأساليب التي يمكن أن تجعل التواصل مع الأطفال الصغار أكثر فاعلية وأقل عرضة لسوء الفهم أو التوتر.

تقديم تعليمات واضحة (Giving Clear Directions)

عند التحدث إلى الأطفال الصغار، لا تقل طريقة تقديم التعليمات أهمية عن مضمونها. فكلما كانت التعليمات أكثر وضوحًا وتحديدًا، زادت احتمالية استجابة الطفل لها بالشكل المطلوب.

وتشير لورا فيليبس (Laura Phillips, PsyD)، الأخصائية النفسية الإكلينيكية للأطفال، إلى أهمية تقديم تعليمات محددة وعدم افتراض أن الطفل يفهم جميع الخطوات الضمنية التي قد تبدو واضحة للبالغين.

فعلى سبيل المثال، قد يفهم البالغ من عبارة «ضع حذاءك في مكانه» سلسلة من الخطوات المتتابعة، مثل خلع الحذاء ثم وضعه في الخزانة أو المكان المخصص له. أما الطفل الصغير فقد لا يمتلك بعد المعرفة أو المهارات التنفيذية اللازمة لاستنتاج هذه الخطوات بصورة مستقلة، مما يجعل التعليمات أقل وضوحًا بالنسبة له.

كما أن الأطفال الصغار يتشتتون بسهولة، وقد يشعرون بالإرباك عند تلقي عدة تعليمات متتابعة في وقت واحد، الأمر الذي قد يقلل من احتمالية إكمال المهمة كما هو مطلوب. فعند الرغبة في إشراك الطفل في ترتيب الألعاب، قد يميل بعض الوالدين إلى القول:

«حان وقت الترتيب. أريدك أن تجمع ألعابك وتضعها في أماكنها.»

إلا أن تقسيم المهمة إلى خطوات بسيطة ومتتابعة يكون غالبًا أكثر فاعلية.

فعلى سبيل المثال:

«من فضلك ضع المكعبات داخل الصندوق.»

وبعد الانتهاء من هذه الخطوة يمكن الانتقال إلى خطوة أخرى:

«أحسنت. الآن ضع الكتاب الأخضر على الرف.»

كما يُنصح بتقديم التعزيز الإيجابي (Positive Reinforcement) عند استجابة الطفل للتعليمات، مما يزيد من احتمالية تكرار السلوك المطلوب مستقبلًا.

تسمية المشاعر والتحقق من صحتها (Labeling and Validating Feelings)

يمتلك الأطفال الصغار قدرًا محدودًا من الاستقلالية في اتخاذ القرارات المتعلقة بحياتهم اليومية، وهو أمر طبيعي ومناسب لمرحلتهم العمرية. إلا أن نمو الاستقلالية لديهم مع التقدم في العمر قد يؤدي أحيانًا إلى ظهور بعض الصراعات أو مشاعر الإحباط.

ورغم أن رغبات الأطفال ومشاعرهم قد لا تكون دائمًا قابلة للتحقيق، فإنها تبقى مشاعر حقيقية تستحق الاعتراف بها وفهمها. فعندما يشعر الطفل بالانزعاج، سواء بسبب موقف مفهوم مثل التعرض لإصابة بسيطة أو فقدان لعبة مفضلة، أو بسبب أمر قد يبدو غير مهم من منظور البالغين، فإن المشاعر التي يمر بها تكون ذات أهمية حقيقية بالنسبة له. ومن هذا المنطلق، تؤكد فيليبس أهمية إظهار الاهتمام بمشاعر الطفل ومساعدته على فهمها والتعبير عنها.

وقد يكون ذلك من خلال عبارات بسيطة مثل:

«أعلم أنك تريد هذه الحلوى الآن، وأرى أنك تشعر بالغضب.»

فمساعدة الطفل على تسمية مشاعره وفهمها تسهم في تطوير قدرته على التعبير عن حالته الانفعالية بصورة أكثر وضوحًا مع مرور الوقت.

كما قد يسهم الاعتراف بالمشاعر وفهمها في خفض حدة بعض الانفعالات ومساعدة الطفل على التعبير عن احتياجاته بصورة أكثر وضوحًا.

تقديم الخيارات (Offering Choices)

تشير لورا فيليبس (Laura Phillips, PsyD) إلى أن إحدى الطرق الفعالة لدعم الاستقلالية المتنامية لدى الأطفال الصغار تتمثل في تقديم خيارات محدودة لهم بدلًا من الاكتفاء بإصدار التعليمات المباشرة.

فعندما يكون ذلك ممكنًا، يمكن للوالدين منح الطفل فرصة للاختيار بين بديلين مناسبين. ويساعد هذا الأسلوب الطفل على الشعور بقدر من المشاركة في اتخاذ القرار، مع المحافظة على الحدود التي يضعها الوالدان.

فعلى سبيل المثال، عند الاستعداد لارتداء الملابس يمكن القول:

«هل تريد ارتداء القميص الذي عليه نمر أم القميص الذي عليه ديناصور؟»

وإذا طلب الطفل تناول حلوى في وقت غير مناسب، يمكن للوالد أن يقول:

«لا يمكننا تناول الحلوى الآن، ولكن يمكنني أن أقدم لك بعض الفاكهة. هل تفضل التوت الأزرق أم الفراولة؟»

كما تشير فيليبس إلى أن بعض المواقف لا تستدعي الإصرار على تنفيذ رغبة الوالدين، وأن اختيار المواقف التي تستوجب الحزم بعناية قد يسهم في تقليل الصراعات غير الضرورية. فعندما يدرك الطفل أن الحدود التي يضعها الوالدان تُستخدم في المواقف المهمة فعلًا، يصبح أكثر استعدادًا للاستجابة لها والالتزام بها.

المحافظة على الاتساق (Keeping It Consistent)

يميل الأطفال الصغار إلى الاستفادة من التكرار والروتين. فإعادة مشاهدة القصة نفسها، أو طلب قراءة الكتاب ذاته مرات متعددة، أو تكرار الاستماع إلى الأغنية المفضلة لديهم، تمثل أنماطًا شائعة في هذه المرحلة العمرية. ويساعد التكرار الأطفال على التعلم واستيعاب المعلومات وفهم العالم من حولهم بصورة أفضل. وتوضح ألكسندرا ليفين (Alexandra Levine, MS)، أخصائية اضطرابات النطق واللغة، أن الاتساق في اللغة المستخدمة مع الطفل يُعد عاملًا مهمًا في دعم الفهم والاستجابة.

فكلما استخدم الوالدان العبارات نفسها بصورة متسقة وربطوها بالنتائج نفسها، أصبح من الأسهل على الطفل معرفة ما هو متوقع منه وفهم التعليمات والاستجابة لها.

ومن المهم أن يحرص الوالدان على قول ما يقصدانه والالتزام به. فعلى سبيل المثال، إذا قيل للطفل:

«هذا هو الكتاب الأخير قبل النوم.»

فينبغي أن يكون ذلك بالفعل آخر كتاب في تلك الليلة.

كما يزداد تأثير الاتساق عندما يلتزم جميع البالغين المحيطين بالطفل بالرسائل والقواعد نفسها. فعلى سبيل المثال، ينبغي أن تحمل عبارة:

«خمس دقائق إضافية»

المعنى نفسه سواء صدرت من الأم أو الأب أو أي مقدم رعاية آخر.

وتوصي ليفين أيضًا بمشاركة العبارات والاستراتيجيات المستخدمة في المنزل مع مقدمي الرعاية الآخرين، مثل الأجداد أو المعلمين أو جليسات الأطفال، خاصة عندما تعمل الأسرة على تنمية سلوك معين أو الحد من سلوك آخر. فالاتساق بين البيئات المختلفة يساعد الطفل على فهم التوقعات السلوكية بصورة أوضح، ويعزز فرص تعلمها وتطبيقها في المواقف المختلفة.

الانتباه الإيجابي (Positive Attention)

قد يختلف شكل الانتباه الذي يتلقاه الطفل من البالغين، سواء كان على هيئة مدح وتشجيع أو على هيئة توبيخ وانفعال. إلا أن الأطفال الصغار قد ينظرون إلى كثير من هذه المواقف بوصفها أشكالًا مختلفة من الاهتمام. ولهذا السبب، قد يؤدي التركيز المفرط على السلوكيات غير المرغوبة أحيانًا إلى زيادة احتمال تكرارها، لأن الطفل يحصل من خلالها على قدر كبير من الانتباه. وتوضح فيليبس أن الوالدين غالبًا ما يخصصون جزءًا كبيرًا من انتباههم للسلوكيات التي يرغبون في تقليلها، في حين قد لا يحصل السلوك الإيجابي على القدر نفسه من الاهتمام.

لذلك يُنصح بالتركيز على تعزيز السلوكيات المرغوبة وإعادة توجيه الطفل نحو البدائل المناسبة.

فعلى سبيل المثال، إذا كان الطفل يرسم على الجدار، فقد يكون من الأكثر فاعلية أن يقال له:

«من فضلك ارسم على هذه الورقة.»

بدلًا من الاكتفاء بالقول:

«لا ترسم على الجدار.»

وعندما يستجيب الطفل للتوجيه، يمكن تقديم الثناء أو التعزيز المناسب.

ويساعد توجيه الانتباه الإيجابي نحو السلوكيات المرغوبة على زيادة احتمالية تكرارها مستقبلًا، كما قد يسهم في تقليل السلوكيات غير المناسبة التي تهدف إلى جذب الانتباه أو الحصول على استجابة من الآخرين.

تقديم تعليمات محددة في المواقف المرتبطة بالسلامة (Be Specific About Safety)

تُعد مبادئ التكرار والاتساق والوضوح ذات أهمية خاصة في المواقف المرتبطة بالسلامة، حيث تكون الحاجة إلى الفهم السريع والدقيق أكثر إلحاحًا.

ويمكن أن يساعد التمهيد المسبق للقواعد والتعليمات في الأوقات التي يكون فيها الطفل هادئًا ومتقبلًا للتعلم على زيادة احتمالية تذكرها والاستجابة لها عند الحاجة. كما قد يكون من المفيد مطالبة الأطفال القادرين على التعبير اللفظي بإعادة التعليمات المهمة بصوت مرتفع، مع تقديم التعزيز المناسب عند قيامهم بذلك.

فعلى سبيل المثال، قبل عبور الشارع يمكن للوالد أن يسأل:

«هل تتذكر ما الذي نفعله دائمًا قبل عبور الشارع؟»

ثم يشجع الطفل على الإجابة:

«أمسك بيد والديّ أو مقدم الرعاية.»

كما ينبغي استخدام عبارات واضحة ومحددة تتناسب مع الموقف أثناء حدوثه. فإذا اقترب الطفل من الشارع، فقد لا تكون عبارة:

«توقف!»

وحدها كافية دائمًا لتحقيق الاستجابة المطلوبة، خاصة أنها من الكلمات التي يسمعها الأطفال كثيرًا في مواقف مختلفة.

وقد يكون من الأكثر وضوحًا استخدام تعليمات مباشرة مثل:

«ابقَ على الرصيف.»

وبالمثل، عند وجود جسم ساخن أو حاد، يمكن استخدام عبارات أكثر تحديدًا مثل:

«خطر! أبعد يديك.»

فكلما كانت التعليمات مرتبطة مباشرة بالسلوك المطلوب، زادت احتمالية فهم الطفل لها والاستجابة بصورة مناسبة.

أخذ مساحة عند الحاجة (Take Space When You Need To)

قد تبدو الاستراتيجيات التربوية فعالة وسهلة التطبيق عندما يكون الطفل والوالدان في حالة هدوء، إلا أن تطبيقها يصبح أكثر صعوبة في لحظات التوتر أو الانفعال الشديد. فعندما يمر الطفل بنوبة غضب أو عندما يشعر الوالدان بالإرهاق أو الإحباط، قد يكون من المفيد منح النفس فترة قصيرة للهدوء قبل محاولة معالجة الموقف. وتشير فيليبس إلى أن أخذ استراحة قصيرة أو منح الطرفين بعض الوقت للهدوء قد يكون أكثر فاعلية من الاستمرار في النقاش أو محاولة حسم الموقف في تلك اللحظة.

كما يمكن، عند توفر ذلك، الاستعانة بالطرف الآخر من الوالدين أو أحد مقدمي الرعاية لفترة قصيرة إلى أن يستعيد الجميع هدوءهم. فغالبًا ما تكون لحظات الانفعال الشديد أقل الأوقات ملاءمة لتقديم التوجيه أو مناقشة السلوكيات أو محاولة تعليم مهارات جديدة.

تقبل الأخطاء وتقديم نموذج إيجابي للأطفال (Give Yourself Some Grace)

من الطبيعي أن يمر الوالدان بلحظات يفقدان فيها هدوءهما أو يستجيبان بانفعال أكبر مما يرغبان فيه. وتُعد هذه المواقف جزءًا من التجربة الإنسانية، ولا تعني بالضرورة وجود قصور في الممارسة الوالدية.

وتوضح فيليبس أن هذه المواقف يمكن أن تتحول إلى فرص تعليمية مهمة إذا تعامل معها الوالدان بطريقة مناسبة. فعلى سبيل المثال، إذا شعر أحد الوالدين بالإحباط وتحدث إلى الطفل بنبرة مرتفعة، فيمكنه العودة لاحقًا والقول:

«لقد ارتكبت خطأ قبل قليل. كنت أشعر بالإحباط وتحدثت بصوت مرتفع أكثر مما ينبغي، وأود أن أعتذر عن ذلك.»

ويساعد هذا النوع من النمذجة السلوكية على تعليم الأطفال مهارات مهمة، مثل:

  • تحمل المسؤولية عن الأخطاء.

  • الاعتذار عند الحاجة.

  • التعبير عن المشاعر بصورة مناسبة.

  • إصلاح العلاقات بعد حدوث الخلافات.

كما يتيح للطفل فرصة ملاحظة كيفية التعامل مع الأخطاء بطريقة بناءة، وهو ما يسهم في تنمية مهاراته الاجتماعية والانفعالية على المدى الطويل.

وأخيرًا

يتطلب التواصل الفعال مع الأطفال الصغار مراعاة خصائصهم النمائية وقدراتهم اللغوية والانفعالية في هذه المرحلة العمرية. ويمكن أن تسهم التعليمات الواضحة، والاعتراف بالمشاعر، وتقديم الخيارات المناسبة، والمحافظة على الاتساق، وتعزيز السلوكيات المرغوبة في بناء تواصل أكثر فاعلية بين الطفل ووالديه.

كما أن التعامل الهادئ مع المواقف الصعبة والاعتراف بالأخطاء عند حدوثها يقدمان نموذجًا إيجابيًا يساعد الأطفال على تعلم مهارات التواصل والتنظيم الانفعالي. ومن خلال هذه الممارسات، يمكن للوالدين دعم نمو مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي لدى أطفالهم بصورة تتناسب مع احتياجاتهم النمائية.

المرجع:

Talking to Toddlers: Communication Kids Will Actually Respond To

https://childmind.org/article/talking-to-toddlers/