ترجمة: أ. شهد الشريف
اشتهر تحليل السلوك التطبيقي (ABA) على مر السنين بالنمو المهاري الكبير الذي يحققه لدى الأطفال ذوي طيف التوحد. لكن ما لا يعرفه الكثيرون هو أن تحليل السلوك التطبيقي أثبت أيضاً فعاليته كمنهجية علاجية لمجموعة من التشخيصات والتحديات الأخرى، بما في ذلك اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD).
في الواقع، تشير الأبحاث إلى أن الجمع بين الأدوية وعلاج تحليل السلوك التطبيقي يحقق أفضل النتائج للأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. ويفيد المعهد الوطني للصحة العقلية أن إضافة العلاج السلوكي إلى الأدوية المنشطة يمكن أن يساعد الأطفال المصابين بهذا الاضطراب وعائلاتهم على إدارة وتجاوز التحديات اليومية بشكل أكثر فعالية. وعلاوة على ذلك، يتميز العلاج السلوكي عن غيره من العلاجات غير الدوائية بأنه أثبت فعاليته الفعلية في تحسين المهارات وتقليل الاندفاعية لدى الأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. والدليل القاطع على ذلك يظهر في ما ذكره الدكتور توماس كوبيلسكي، رئيس فرع واشنطن للأكاديمية الأمريكية لطب نفس الأطفال والمراهقين، حيث أشار إلى أن الأطفال الذين يجمعون بين الأدوية والعلاج السلوكي يتمكنون من تناول جرعات أقل من الأدوية.
كيف يعمل هذا العلاج؟ يستخدم تحليل السلوك التطبيقي المبادئ السلوكية لتعليم مهارات جديدة وتقليل السلوكيات المزعجة. يمكن للأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه أن يعانوا من زيادة الاندفاعية، وفرط النشاط، وتشتت الانتباه، وتتراوح شدة الاضطراب لديهم من خفيفة إلى متوسطة أو شديدة. وتُستخدم تقنيات تحليل السلوك التطبيقي التالية بشكل شائع لتعديل السلوكيات وتشكيل سلوكيات بديلة وأكثر فائدة لدى هؤلاء الأطفال:
أولاً، التعزيز التفاضلي للسلوكيات: حيث يتم تقديم تعزيز إيجابي للسلوكيات المناسبة، في حين لا يتم تقديم أي تعزيز للسلوكيات السلبية، أو يتم اللجوء إلى “العقاب” في الحالات التي تتعلق بالسلامة.
ثانياً، التدريب على المحاولات المنفصلة وتحليل المهام: وتتضمن هذه الطريقة تفكيك السلوكيات المعقدة إلى عدد من العناصر الصغيرة، بحيث يتم تعزيز كل عنصر بشكل منفصل ومتتالٍ لبناء السلوك المطلوب في النهاية.
ثالثاً، التدريب على الإدارة الذاتية: وتُستخدم هذه التقنية في الغالب مع المرضى الأكبر سناً، حيث تعلّمهم الوعي الذاتي وتزودهم بمجموعة من المهارات، بما في ذلك الثناء الذاتي، مما يساعدهم على إدارة سلوكياتهم الإشكالية بأنفسهم.
ويذكر الدكتور ويليام بيلهام، مدير مركز الأطفال والعائلات في جامعة ولاية نيويورك، أن الدراسات تشير إلى أن الأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه يمرون بمعدل تفاعلين سلبيين في الدقيقة الواحدة مع الآباء أو المعلمين، وتكون هذه التفاعلات مرتبطة بسلوكياتهم المشاغبة. قد يكون هذا المعدل المتكرر لتأثير الاضطراب على الحياة اليومية مفاجئاً للبعض، ولكن ربما ليس للمربين والمعالجين الذين يعلمون تماماً أن البالغين غالباً ما يتفاعلون بسلبية تجاه السلوكيات المشاغبة، فهي في النهاية سلوكيات مزعجة. ولذلك، فإن التحدي في بروتوكول العلاج يتكون من شقين:
الشق الأول والأساسي هو أن التشخيص الدقيق لاضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه يعني وجود خلل كيميائي كامن يؤثر على التحكم في الاندفاعات وفترات الانتباه على المستوى البيولوجي. وهنا يأتي دور الأدوية المنشطة. وكما يعلم العديد من أولياء أمور هؤلاء الأطفال، فإن العلاج بالمنشطات يمكن أن يكون فعالاً للغاية في مواجهة الاختلالات الكيميائية والتحديات التي تفرضها على قدرة الطفل على العمل بنجاح في المجتمع.
أما الشق الثاني، فهو أن تشخيص هذا الاضطراب يشير إلى وجود مجموعة من السلوكيات المختلفة في كيفية تفاعل الطفل مع العالم، وكيفية استجابة العالم له في المقابل. فالأطفال جميعاً يتعلمون باستمرار من ردود الفعل التي يتلقونها من بيئتهم، والطفل المصاب باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه لا يختلف عنهم. بالنسبة لهذا الطفل، تغذية هذه الحلقة من ردود الفعل باستمرار بالمعلومات حول نوع السلوكيات التي تحقق ردود فعل معينة في العالم، مثل: متى وكيف يجذب الانتباه، ومتى وكيف يحقق النتيجة المرجوة، ومتى وكيف يتجنب الأشياء المزعجة. ويستخدم الأطفال هذه المعلومات دائماً لتوجيه قراراتهم السلوكية. وبينما يمر جميع الأطفال بهذه الحلقة من ردود الفعل، فإنها بالنسبة للطفل المصاب باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه يمكن أن تؤدي سريعاً إلى زيادة السلوكيات المزعجة بدلاً من السلوكيات الهادئة، لأن السلوكيات المزعجة تكون أسهل في ممارستها وغالباً ما تحقق النتائج التي يرغب فيها الطفل. وبعبارة أخرى، فإن التحديات الكامنة للاختلال الكيميائي تتضخم وتتداخل من خلال المعلومات المكتسبة عبر التفاعل السلوكي مع العالم. ويمكن لهذه السلوكيات المكتسبة لدى الأطفال، والاستجابات المكتسبة من آبائهم، أن تخلق إرثاً مستمراً من العادات والتقاليد السلوكية والاستعدادات التي تتجاوز مجرد الاختلال الكيميائي الكامن.
بالنظر إلى طبيعة هذين التحديين التوأمين وكيفية تقاطعهما، يسهل علينا رؤية سبب أهمية خطة التدخل السلوكي التي يضعها ويشرف عليها أو يقدمها محلل سلوك معتمد (BCBA)، حيث تعتبر جزءاً أساسياً وفعالاً من بروتوكول علاج الطفل المصاب باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. قد يكون الدواء مهماً، لكنه ليس حلاً كاملاً أو مثالياً بمفرده. ففي أفضل الأحوال، حتى عندما يكون الدواء فعالاً في تحقيق أهدافه، فإنه يعالج جزءاً واحداً فقط من المشكلة، بينما تظل المنظومة الكاملة للتفاعل السلوكي مع العالم، والسلوكيات المكتومة الناتجة عن ذلك التفاعل، مجالاً على نفس القدر من الأهمية. ومن الأهمية بمكان إدراك أن خبرة الطفل السابقة مع العالم ستستمر في توجيه خياراته السلوكية وتفاعلاته المستقبلية حتى بعد بدء العلاج الفعال بالمنشطات.
يستهدف علاج تحليل السلوك التطبيقي الجانب السلوكي من خلال تقييم مستويات الأداء الفردية للطفل عبر مختلف المجالات. ويبدأ العلاج السليم دائماً بتقييم أو أكثر يجريه محلل السلوك المعتمد. يبدأ المحلل غالباً بمقابلة الآباء والمعلمين ومقدمي الرعاية الآخرين لفهم التاريخ السلوكي للطفل، ثم يقوم بملاحظة الطفل مباشرة لمرة أو أكثر. وبالنسبة للطفل المصاب باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، فإن التقييم الحاسم هو “تقييم السلوك الوظيفي”، والذي يقيس دافع الطفل وراء الانخراط في سلوكيات معينة، أي تقييم وظيفة السلوك المعني. وقد يقوم المحلل أيضاً بتقييم مستويات مهارات الطفل. وبمجرد معالجة كل هذه المعلومات، يمكن لمحلل السلوك كتابة خطة أو سلسلة من البرامج للمعالجين ومقدمي الرعاية لتطبيقها مع الطفل في المنزل والمجتمع والمدرسة. وبموجب أي خطة جيدة، سيتفاعل المعالج مع الطفل بهدف تعزيز نقاط قوته، وتعليمه سلوكيات بديلة، وتقليل أو إطفاء السلوكيات المزعجة من خلال تعليمه أنها لم تعد تجدي نفعاً. ومع مرور الوقت، يصبح المعالج أكثر فهماً لوظيفة سلوكيات الطفل التي تتطور غالباً، ويمكنه استخدام هذه المعلومات لمساعدة الآباء على تلبية احتياجات طفلهم وبالتالي منع السلوكيات المزعجة من الظهور في المقام الأول.
باختصار، يمكن أن يكون علاج تحليل السلوك التطبيقي مع محلل سلوك معتمد جزءاً مهماً وفعالاً من بروتوكول العلاج للأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. وإذا كان لديك شخص عزيز يعاني من هذا الاضطراب وتعتقد أنه يمكن أن يستفيد من هذا العلاج، فإن محللي السلوك المعتمدين في مجموعة مانهاتن لعلم النفس يسعدهم تقديم المساعدة.
المرجع:
Applied Behavioral Analysis (ABA) as a Treatment for ADHD





