ترجمة: أ. فاطمة الزهراني
يُعد تحليل السلوك التطبيقي (Applied Behavior Analysis – ABA) المعيار الذهبي في علاج اضطراب طيف التوحد. فمن خلال استخدام نظام منظم يعتمد على التعزيز والعواقب، والمبني على أسس علمية تجريبية واضحة، يستطيع المعالجون السلوكيون تعليم السلوكيات المرغوبة للمتعلمين، والحد من السلوكيات الإشكالية. ويجب أن يتضمن أي برنامج عالي الجودة في تحليل السلوك التطبيقي الأبعاد السبعة لـ ABA التي تُعد إطارًا مرجعيًا أساسيًا للممارسة المهنية.
وقد قام باير، وولف، وريزلي (Baer, Wolf, & Risley, 1968) بتحديد الأبعاد السبعة لتحليل السلوك التطبيقي لتكون دليلًا إرشاديًا لمحللي السلوك في تصميم وتنفيذ البرامج التدخلية. وأكدوا أن برامج تحليل السلوك التطبيقي، لكي تكون مكتملة وناجحة، يجب أن تتسم بأنها: تطبيقية، سلوكية، تحليلية، تقنية، منظمة مفاهيميًا، فعالة، وقابلة للتعميم عبر البيئات المختلفة.
وسواء كنتَ أحد الوالدين، أو مقدم خدمة، أو معلمًا، أو مهتمًا بمعرفة هذا المجال، فإن فهم هذه الأبعاد السبعة يُعد أمرًا جوهريًا لفهم تحليل السلوك التطبيقي وتطبيقه بصورة صحيحة وأخلاقية. وربما تجد نفسك مع الوقت شغوفًا بهذا المجال، كما هو حال كثيرين غيرك.
أولًا: البعد التطبيقي (Applied)
يشير البعد التطبيقي في تحليل السلوك إلى التزام تحليل السلوك التطبيقي بإحداث تحسينات في السلوكيات التي تعزز حياة الأفراد وتطورها (Cooper et al., 2019, ص. 16). وعند اختيار محللي السلوك المعتمدين (BCBAs) للأهداف والتدخلات، يجب أن تكون السلوكيات المستهدفة ذات أهمية اجتماعية حقيقية للمتعلم.
ويختلف كل متعلم عن الآخر؛ لذا يجب أن تكون الأهداف المختارة فردية بطبيعتها وملائمة لخصائص المتعلم المحدد. وقد تشمل الأهداف ذات الأهمية الاجتماعية تنمية المهارات التكيفية، أو الأكاديمية، أو الاجتماعية، أو التواصلية، أو الترفيهية.
وأيًا كان الهدف المستهدف، يجب أن يسهم في تحسين الحياة اليومية للمتعلم، وكذلك حياة المحيطين به مثل الوالدين، والأشقاء، والمعلمين، والأصدقاء.
فعلى سبيل المثال، قد يشعر أحد المتعلمين بالإحباط أو الانزعاج عند خسارة لعبة، مما يؤدي إلى سلوكيات إشكالية كالصراخ أو رمي الأشياء. في هذه الحالة، قد يختار محلل السلوك إدخال تدخل يركز على تعليم مهارات التكيف، لمساعدة المتعلم على التعبير عن إحباطه بطريقة مناسبة عند الخسارة. ويسهم هذا الهدف في تحسين الحياة اليومية للمتعلم ويفتح أمامه فرصًا اجتماعية أوسع في المستقبل.
ثانيًا: البعد السلوكي (Behavioral)
يجب أن يكون السلوك المستهدف في تدخلات تحليل السلوك التطبيقي سلوكًا قابلًا للملاحظة والقياس. وبما أن تحليل السلوك التطبيقي علم قائم على الأسس العلمية، فإن من الضروري التركيز على السلوكيات الظاهرة التي يمكن ملاحظتها وقياسها من قبل طرف آخر.
وتشمل السلوكيات الظاهرة أفعالًا مثل: التحدث، والبكاء، والضرب، والجري، والقفز. وجميع هذه السلوكيات يمكن قياسها وتحويلها إلى بيانات تحليلية. وتُستخدم هذه البيانات لاحقًا لعرض تقدم المتعلم، وتطوير خطط التدخل، وقياس مدى تحقيق الأهداف المحددة.
ثالثًا: البعد التحليلي (Analytic)
تُطور جميع التدخلات التي يختارها محلل السلوك المعتمد استنادًا إلى أبحاث علمية قائمة على الأدلة. ويعني ذلك أن الخطة التدخلية تُبنى على البحث العلمي والبيانات والمعلومات الموضوعية.
ولا يتم اختيار الأهداف أو التدخلات بشكل عشوائي أو بناءً على الآراء الشخصية. ومن خلال الاعتماد على البيانات العلمية، يتمكن المختصون من اتخاذ قرارات مدروسة حول التدخلات الأنسب للمتعلمين، وتحديد التدخلات التي ينبغي تعميمها والمحافظة عليها.
وتُعد مجلة تحليل السلوك التطبيقي (Journal of Applied Behavior Analysis – JABA) من أبرز المجلات العلمية المتخصصة التي تنشر أبحاثًا تتعلق بتحليل السلوك التطبيقي، وتُعد مصدرًا رئيسًا للممارسين في هذا المجال.
رابعًا: البعد التقني (Technological)
يجب أن تكون جميع الإجراءات المستخدمة في خطط التدخل مكتوبة بطريقة تقنية واضحة ومحددة، بحيث يمكن لأي مختص تنفيذها كما هو موصوف. وإذا كانت الإجراءات غامضة أو قابلة لتفسيرات متعددة، فإنها لا تُعد تقنية.
ويجب أن تكون الإجراءات التقنية موضوعية بطبيعتها، وقابلة للتطبيق بنفس الطريقة من قبل عدة مختصين، لضمان حصول المتعلم على نفس التدخل بغض النظر عن الشخص الذي ينفذه. ويسهم ذلك في تجنب إرباك المتعلم أو شعوره بالإحباط، من خلال تقليل التعليمات الذاتية أو التفسيرات الشخصية.
خامسًا: البعد المنهجي والمفاهيمي (Conceptually Systematic)
يشير البعد المنهجي المفاهيمي إلى أن جميع الممارسات والتقنيات التعليمية المستخدمة تستند إلى مبادئ تحليل السلوك التطبيقي وأطره النظرية. وكما هو الحال في البعد التحليلي، تُعد مجلة تحليل السلوك التطبيقي (JABA) مصدرًا أساسيًا للتقنيات التعليمية القائمة على الأدلة.
ومن أبرز التقنيات المستخدمة بشكل شائع في الجلسات والتدخلات: التعزيز الإيجابي، والتلقين، والنمذجة، والإطفاء.
سادسًا: البعد الفعال (Effective)
يُقصد بالتدخل الفعال ذلك التدخل الذي يؤدي إلى تحسين سلوك المتعلم والحد من السلوكيات التحدية بطريقة عملية ووظيفية. وإذا لم يحقق المتعلم الأهداف المحددة، فلا يُلام المتعلم مطلقًا.
بل يشير ذلك إلى أن التدخل المستخدم غير فعال، ويجب إعادة تقييمه وتعديله. وإذا ثبت أن التدخل غير فعال، ينبغي إيقافه وتجربة تدخل آخر. ويتمكن محلل السلوك المعتمد من تحديد فعالية التدخل أو عدمها من خلال تحليل البيانات.
سابعًا: بعد التعميم (Generality)
يُقال إن السلوك يتمتع بخاصية التعميم عندما يستمر مع مرور الوقت، ويظهر في بيئات وإعدادات مختلفة، ويمتد ليشمل سلوكيات مرتبطة لم تكن مستهدفة في البداية.
ولا يُراد للسلوكيات المستهدفة أن تكون مؤقتة، بل يُفترض أن تستمر بعد انتهاء التدخل. كما ينبغي أن تظهر السلوكيات المكتسبة خارج البيئة التي تم تعليمها فيها. فعلى سبيل المثال، إذا تمكن المتعلم من خفض السلوكيات التحدّية في البيئة العلاجية، فيجب أن ينتقل هذا التحسن إلى المنزل والمدرسة. كما ينبغي أن يمتد التغيير السلوكي ليشمل سلوكيات أخرى ذات صلة.
وأخيرًا
يُعد تحليل السلوك التطبيقي علمًا قائمًا على أسس منهجية وبحثية دقيقة، لكنه في جوهره يهدف قبل كل شيء إلى تحسين حياة المتعلم، ودعم استقلاليته الوظيفية، وبناء برامج تعليمية وعلاجية تلبي احتياجاته الفردية في بيئته الطبيعية وبيئاته المستقبلية، مع التركيز على تنمية مهاراته الوظيفية والاجتماعية بشكل مستمر بما يعزز جودة حياته اليومية. ومن خلال الالتزام بجميع الأبعاد السبعة لتحليل السلوك التطبيقي، وتطبيقها بصورة متكاملة ومنظمة، وفق معايير مهنية واضحة، يمكن تحقيق تقدم فعلي ونجاح مستدام لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد.
المراجع:
What are the 7 Dimensions of Applied Behavior Analysis ABA





