الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

ما المهارات اللازمة للتمتع بتقرير المصير؟

 

ترجمة: أ. فاطمة الزهراني

 

نظرة متعمقة على ثماني مهارات قابلة للتعليم تساعد الطلاب على التحكم في مستقبلهم

جلستُ مؤخرًا في اجتماع تخطيط للمرحلة الانتقالية مع طالبة دعمتُها لعدة سنوات، سنسميها «جولي». عندما بدأنا العمل معًا لأول مرة، كانت تعاني من قلق شديد جعلها غير قادرة على تسمية أي أهداف تتعلق بمستقبلها في مرحلة الرشد. وحتى قبل عام واحد فقط، حين بدأنا التخطيط لبرنامجها القائم على التوجيه الذاتي لما بعد التعليم الخاص، كانت مترددة في الالتزام بأي جزء من برنامجها.

لكن في اجتماع التخطيط الانتقالي اليوم، أدركت أن شيئًا مهمًا قد تغير. بينما كنا نراجع بنود جدول الأعمال، سألت والدة جولي عن طلب السكن، وأرادت معرفة ما إذا كان بإمكانها الحصول على معلومات الدخول لمتابعة الطلب بعد خروج جولي من البرنامج المدرسي. وقبل أن يرد أي شخص، بادرت جولي بالكلام. أوضحت أنها سألت المرشدة الطلابية في المدرسة عن الطلب في وقت سابق من ذلك اليوم، وذكرت أنها أكملت نسخة من طلب السكن لكنها لم تكن راضية عنها، وترغب في إكمال نسخة أخرى. ثم التفتت إلى منسقة الانتقال في المدرسة وسألتها إن كان بإمكانهما تحديد موعد اجتماع الأسبوع القادم لإنهاء النسخة الثانية من الطلب.

جلستُ هناك وأنا في حالة من الإعجاب بمدى النمو الذي حققته جولي—ليس فقط خلال السنوات الماضية، بل بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة. ما شاهدته في ذلك الاجتماع كان تقرير المصير في صورته العملية. فقد فكرت جولي مسبقًا، وتأملت احتياجاتها قبل مغادرتها برنامج المرحلة الثانوية، وحددت أهدافها، وتحدثت بثقة، ودافعت عن احتياجاتها، وطلبت الدعم، ووضعت خطة واضحة للحصول على ما تحتاجه. وبينما كنت أراقب استخدامها لهذه المهارات الجوهرية في تقرير المصير، شعرت بثقة عميقة بأنها ستنجح في انتقالها من برنامج التعليم الخاص.

عندما تتخصص في التخطيط للمراحل الانتقالية للطلاب ذوي الإعاقة، فإنك تقضي وقتًا طويلًا في التركيز على تقرير المصير. وسرعان ما تدرك أن الطلاب الذين يتعلمون كيفية تحديد أهدافهم والسيطرة على حياتهم يكونون أكثر نجاحًا. وهذا ليس مجرد حدس مهني؛ فالأبحاث تؤكد باستمرار أن ممارسة مهارات تقرير المصير ترتبط بنتائج أفضل ورضا أعلى في مرحلة الرشد. وكما رأيت مع جولي، يمكن لعملية إعداد الخطة التربوية الفردية (IEP) والتخطيط الانتقالي أن تكون من أقوى الوسائل لتعليم هذه المهارات.

ومع ذلك، يشعر بعض المعلمين وأولياء الأمور والمدافعين بالقلق من أن الطلاب قد لا يكونون واقعيين، أو قد لا يمتلكون القدرة الانفعالية لقيادة فريق التخطيط. لكن الحقيقة هي أنه إذا لم نمكّن الطلاب من تولي القيادة، فإننا لا نعدّهم فعليًا للحياة الراشدة. ولا يهم مدى «جودة» أو «اكتمال» الخطة التربوية الفردية إذا لم يكن الطالب في صميم العملية، وإذا لم يشعر بالتمكين في حياته.

وانطلاقًا من ذلك، أود في هذا المقال أن أستعرض المكونات الثمانية لتقرير المصير كما حددتها الأبحاث:
الوعي بالذات (self-awareness)، والتنظيم الذاتي (self-regulation)، والكفاءة الذاتية (self-efficacy)، والدفاع عن الذات (self-advocacy)، واتخاذ الاختيارات (choice-making)، واتخاذ القرارات (decision-making)، وحل المشكلات (problem-solving)، وتحديد الأهداف وتحقيقها (goal-setting and attainment).

  1. الوعي بالذات (self-awareness)

لا يمكن للفرد أن يتحكم في حياته إذا لم يعرف من هو. ولهذا يبدأ تقرير المصير بالوعي بالذات. قد يشير تعريف الوعي بالذات في القواميس إلى الفردية والشخصية، لكنه أعمق من ذلك بكثير. إذا لم يفهم الطلاب ذواتهم، نقاط قوتهم، وما يستمتعون به، واهتماماتهم ودوافعهم، وما يشكل تحديًا لهم، وما يحتاجونه لتجاوز هذه التحديات،  يتمكنوا من وضع أهداف ذات معنى، أو الحفاظ على الدافعية لتحقيقها، أو الدفاع عن أنفسهم عند الحاجة.

وبالنسبة للطلاب ذوي الإعاقة، يشمل الوعي بالذات أيضًا فهم التشخيص (أو مسمى الإعاقة)، والاحتياجات المرتبطة بها، والدعم الذي يساعدهم على النجاح. إن رؤية الذات بوصفها منظومة متكاملة من نقاط القوة والتحديات والتسميات، والإدراك بأن الشخص قد يتصرف أو يشعر بشكل مختلف تبعًا للمواقف، يُعد جزءًا جوهريًا من الوعي بالذات.

  1. التنظيم الذاتي (self-regulation)

يتعلق التنظيم الذاتي بإدارة المشاعر والطاقة والانتباه والسلوك، خاصةً عندما لا تسير الأمور على ما يرام. وغالبًا ما نناقش هذه المهارة في سياق الصحة النفسية أو التكامل الحسي أو التحديات التنفيذية. وفي إطار تقرير المصير، يعني التنظيم الذاتي أيضًا مساعدة الطلاب على إدراك ما يمكّنهم من الانخراط في السلوك الموجّه نحو الهدف والاستمرار فيه.

يحتاج الطلاب إلى معرفة ما الذي يحفزهم، وما الذي يشتت انتباههم، وما الذي يساعدهم على العودة إلى المسار الصحيح. فالطالب الذي يتمتع بتنظيم ذاتي ا لا يكتفي بإدراك شعوره بالملل أو الإحباط أو التشتت، بل يعرف كيف يستجيب لهذه المشاعر بطريقة تساعده على مواصلة التقدم نحو أهدافه.

  1. الكفاءة الذاتية  (self-efficacy)

إذا كان الوعي بالذات هو نقطة الانطلاق في تقرير المصير، فإن الكفاءة الذاتية أو غيابها غالبًا ما تكون نقطة الانهيار. يكتسب العديد من الطلاب ذوي الإعاقة الشعور بالعجز في وقت مبكر من حياتهم. وقد نكون، نحن كآباء ومعلمين ومختصين، حين نوفر الدعم باستمرار، نبعث دون قصد رسالة مفادها أن الطالب غير قادر.

تعني الكفاءة الذاتية أن يؤمن الطالب بأن له قدرًا من التحكم في حياته، وبأن له الحق في تحديد أهدافه والقدرة على تحقيقها. وتنمو هذه الكفاءة عندما يدرك الطلاب نقاط قوتهم، ويُتاح لهم استخدام هذه القوة فعليًا، والمثابرة رغم التحديات. وهي تُبنى عندما نساعد الطلاب على المحاولة، والفشل، والتكيّف، ثم المحاولة مجددًا، مع التأكيد على أن الصعوبة لا تعني العجز، بل تعني التعلم.

  1. الدفاع عن الذات (self-advocacy)

في بداياتي المهنية، تلقيت تدريبًا في منهج «التفكير الاجتماعي» لميشيل غارسيا وينر، ولا تزال إحدى عباراتها عالقة في ذهني: “لا يمكنك أن تعيش في هذا العالم دون أن يكون للآخرين أفكار عنك”. حتى لو اختبأت داخل صندوق، سيظل للناس أفكار عنك وأنت داخل الصندوق. المغزى بسيط لكنه عميق: نحن كائنات اجتماعية، ويقوم الآخرون بتفسير سلوكنا سواء قصدنا ذلك أم لا.

عندما تكون احتياجاتنا غير معروفة أو غير متوقعة، غالبًا ما يُساء فهمنا. لذلك لا يمكننا الاعتماد على الآخرين لتخمين أفكارنا أو احتياجاتنا؛ علينا أن ندافع عن أنفسنا. ويبنى الدفاع عن الذات على الوعي بالذات، إذ يجب على الطلاب معرفة نقاط قوتهم وتحدياتهم واحتياجاتهم من الدعم، إلى جانب فهم حقوقهم، ومعرفة الموارد المتاحة، والقدرة على التواصل بوضوح وثقة حول ما يساعدهم على النجاح في المدرسة والعمل والعلاقات والمجتمع.

  1. اتخاذ الاختيارات (choice-making)

بينما تركز المهارات الأربع الأولى على معرفة الطلاب بذواتهم والتعبير عنها، يمثل اتخاذ الاختيارات بداية الفعل. وغالبًا ما يكون أول فرصة حقيقية للفرد  لممارسة الاستقلالية. ويتضمن ذلك الاختيار من بين عدد محدود من البدائل، مثل اختيار الملابس، أو تحديد الأصدقاء المدعوين، أو اختيار كتاب، أو تحديد أي واجب يبدأ به.

قد تبدو هذه الخيارات بسيطة، لكنها تضع الأساس لاتخاذ قرارات أكبر وأكثر تعقيدًا في المستقبل. ومع ذلك، يمر العديد من الطلاب أيامًا أو أسابيع دون اتخاذ أي خيار ذي معنى. ومن خلال توفير فرص منتظمة للاختيار في المنزل والمدرسة والمجتمع، نساعد الطلاب على بناء الثقة والشعور بالسيطرة وتطوير صوت أقوى في حياتهم.

  1. اتخاذ القرارات (decision-making)

إذا كان اتخاذ الاختيارات يعني الاختيار من قائمة جاهزة، فإن اتخاذ القرارات يعني تحديد عناصر هذه القائمة أصلًا. فهو أكثر انفتاحًا وتعقيدًا، ويتطلب تحديد البدائل الممكنة، وموازنة الإيجابيات والسلبيات، والتفكير في النتائج، ثم اختيار المسار الأنسب.

قد يظهر ذلك لدى الطلاب في قرارات مثل كيفية قضاء وقت الفسحة، أو طريقة الاستعداد للاختبار، أو اختيار وظيفة صيفية. وهذه مهارات لا تتطور تلقائيًا لدى الجميع، خاصة لدى من يعانون من صعوبات في الوظائف التنفيذية، ولذلك يحتاجون إلى تدريب منظم وأدوات بسيطة، مثل جداول الإيجابيات والسلبيات أو مقاييس التقييم، ويزود ذلك الطلاب بالأدوات التي تمكّنهم من اتخاذ اختيارات مدروسة. كما أن البدء بقرارات منخفضة المخاطر مثل اختيار الفيلم الذي سيشاهدونه أو كيفية إنفاق مبلغ بسيط كعشرة دولارات في محل لبيع المثلجات يساعدهم على بناء الثقة اللازمة لاتخاذ القرارات الأكبر المرتبطة بالمرحلة الانتقالية.

  1. حل المشكلات (problem-solving)

حتى مع اتخاذ قرارات جيدة، تظهر التحديات خصوصًا عندما يكون الآخرون طرفًا في الموقف. وهنا تأتي مهارة حل المشكلات، التي تبدأ بإدراك أن هناك مشكلة، وتحليل أسبابها، والتفكير في طرق معالجتها.

ومن أهم جوانب حل المشكلات القدرة على اقتراح أكثر من حل واحد، والتحلي بالمرونة، وطلب المساعدة عند الحاجة، وتعديل الخطة دون الاستسلام. وتمنح مواقف الحياة اليومية كالاستيقاظ متأخرًا، أو نسيان وجبة الغداء، أو التغيب عن حصة دراسية فرصًا متكررة لممارسة هذه المهارة وتعزيزها. ومثل اتخاذ القرار، تُعد مهارة حل المشكلات مهارة معقدة، إلا أنها قابلة للتعليم والتطوير من خلال مواقف الحياة الواقعية (تقريبًا بشكل يومي). فعندما نساعد الطلاب على تحليل المشكلة، وتوليد حلول محتملة، والنظر في عواقب كل حل، وتجربة أحدها، ثم التأمل فيما نجح أو لم ينجح، فإننا نزوّدهم بأدوات سيستخدمونها طوال حياتهم، ولا سيما في المواقف التي لا تسير فيها الأمور كما هو مخطط لها.

  1. تحديد الأهداف وتحقيقها (goal-setting and attainment)

يمثل جوهر تقرير المصير قدرة الطلاب على تحديد أهدافهم بناءً على معرفتهم بذواتهم، ووضع خطة لتحقيقها، واتخاذ خطوات حقيقية نحو التنفيذ. ولا يقتصر الأمر على تسمية الهدف، بل يشمل تقسيمه إلى خطوات قابلة للتنفيذ، والمثابرة، والتكيف عند الحاجة.

غالبًا ما يبدأ الطلاب بأهداف صغيرة وملموسة مثل ادخر المال لشراء شيء ما أو التخطيط لفعالية اجتماعية، أو إنجاز مشروع متعدد الخطوات، أو تحسين روتين يومي. ومع مرور الوقت، ينتقل الطلاب تدريجيًا إلى أهداف أكبر وطويلة المدى مثل تعلم القيادة، أو الادخار لشراء سيارة، أو الاستعداد للالتحاق ببرنامج صيفي يتضمن المبيت، أو التقدم للالتحاق بالجامعة. ومع كل هدف يسعون إليه سواء تم تحقيقه أم لا يكتسبون مزيدًا من الثقة، والفهم الذاتي، وشعورًا أعمق بالتحكم في مستقبلهم

ختامًا

تُعد مهارات تقرير المصير محورية لكل طالب ينتقل من التعليم الأساسي إلى الحياة الراشدة. وتشير الأدلة إلى أن الطلاب الأكثر تمتعًا بتقرير المصير يكونون أكثر عرضة لخوض تجربة تعليمية إيجابية، وأكثر احتمالًا لتحقيق النجاح والرضا في مرحلة الرشد. وما يميز هذه المهارات أنها قابلة للتعليم بشكل صريح ومباشر؛ إذ يستطيع الطلاب اكتشاف الاستراتيجيات والأدوات التي تناسبهم، ومع الممارسة المستمرة، يتمكنون تدريجيًا من تولي زمام حياتهم بأنفسهم. غير أن تعليم تقرير المصير بفاعلية يتطلب فهمًا دقيقًا لمكوناته، وهو ما يسعى هذا المقال إلى توضيحه.

المراجع: 

What Skills Does it Take to Be Self-Determined?

https://kelleychallentransitions.substack.com/p/what-does-it-mean-to-be-self-determined