ترجمة: أ. سوار الماجري
مقدمة
لطالما أدرك محللو السلوك ضرورة تعزيز سلوك بديل واحد على الأقل عندما يكون الهدف هو خفض سلوك آخر غير مرغوب فيه، حيث ينصب التركيز أساساً على زيادة تنوع الحصيلة السلوكية للفرد. ومع ذلك، فإن تقوية سلوك ما مقارنة بآخر ليست عملية بسيطة دائماً، وغالباً ما تُفسَّر خيارات التدخل المدعومة تجريبياً بشكل مفرط في السطحية.
يأتي هذا المقال المرجعي ليربط بين خيارات التدخل المتنوعة عبر مبدأ مشترك واحد: إن مستويات سلوك ما تميل إلى الارتفاع بينما تميل مستويات سلوك آخر إلى الانخفاض عندما يتم جعل السلوك الأول أكثر معدل من السلوك الثاني. إن الهدف الرئيس هو توضيح الأبعاد المتغيرة المتاحة لمحللي السلوك، والمعلمين، والمختصين؛ ففي البيئات المعقدة توجد عوامل كثيرة خارجة عن السيطرة، وكلما اتسعت “حقيبة أدوات الأخصائي”، زادت فرص العثور على تدخلات قابلة للتطبيق بمرونة.
ما وراء الوظيفة السلوكية والتحديات الميدانية
تُعد استراتيجيات التقييم الوظيفي ركيزة أساسية في الميدان، لكن التدخلات البسيطة القائمة على التعزيز التفاضلي للسلوك البديل (DRA) لا تلبي دائماً الشروط الكافية للتغيير المستدام. فعلى سبيل المثال، قد يبدو استبدال سلوك الاندفاع أو إيذاء الذات بمهارة الطلب (Mand) أمراً يسيراً، لكن الممارسة العملية تواجه تحديات عدة:
قد يقاوم الأفراد بعض أشكال التلقين (Prompts) إذا جاءت بعد تصعيد سلوكي وصُنِّفت كإعادة توجيه.
قد يتعذر توفير المعزز المطلوب في كل مرة يتم فيها الطلب، مما يقلل من معدل مهارة الطلب.
قد يكون تطبيق “الإطفاء الخام أو الصارم” (Blunt Extinction) لقطع المعزز تماماً غير آمن، أو غير أخلاقي، أو يفتقر إلى المقبولية الاجتماعية.
لذلك، يكمن الحل في السماح للأفراد بممارسة السلوكيات مع تغيير كفاءتها النسبية. ومن خلال هذا التنظيم، يمكن خفض معدل السلوك غير المرغوب فيه مع تقليل الآثار الجانبية السلبية للإطفاء. وبدلاً من قول “لا”، يمكن استبدالها بعبارة: “نعم، ولكن وفق هذه الشروط”، بحيث تقلل الشروط تدريجياً من معدل السلوك غير المرغوب فيه ليصبح السلوك البديل هو الخيار الأكثر معدل وسهولة للأفراد.
قانون المطابقة وأبعاد المعدل
ينص قانون المطابقة (Matching Law) على أن السلوكيات في جداول التعزيز المتزامنة تحدث بنسبة مباشرة مع التعزيز المتاح لكل منها، مع الأخذ بالاعتبار أن الجهد النسبي المطلوب لكل سلوك يعد متغيراً حاسماً؛ فالكتابة مثلاً قد تكون أكثر مشقة من التحدث للأفراد. وبناءً على ذلك، يمكن للمختصين تعديل أبعاد المعدل عبر ثلاثة محاور رئيسة:
أولاً: متغيرات العواقب (تعديل جداول التعزيز)
يمكن جعل السلوك المستهدف أكثر معدل (أو العكس) من خلال التلاعب بأربعة متغيرات أساسية:
الكمية (Quantity): تقديم حجم أكبر من المعزز عند استجابة الأفراد بشكل مستقل مقارنة بالاستجابة المعتمدة على التلقين.
الجودة (Quality): توفير معززات ذات جودة عالية جداً (مثل جهاز لوحي متصل بالإنترنت) عند إتمام المهمة، ومعززات أقل جودة عند طلب فترات الراحة.
المدة (Duration): منح فترات زمنية أطول للوصول إلى المعزز بناءً على السلوك الإيجابي.
الزمن الممتد أو التأخير (Delay): تقليل وقت الانتظار للحصول على التعزيز عقب السلوك المرغوب، وزيادته عقب السلوك غير المرغوب.
جداول التعزيز المترافقة (Conjugate Schedules): يتضمن ذلك جعل شدة أو حجم المعزز متناسباً طردياً مع جودة الاستجابة (مثل أرجحة الطفل بقوة أكبر عندما ينظر في عين الأخصائي بشكل تلقائي).
ثانياً: متغيرات الاستجابة والجهد
إضافة متطلبات استجابة إضافية: لخفض معدل سلوك ما دون اللجوء للمنع، يمكن إضافة خطوات تسبق المعزز (مثل السماح بالانتقال بين الأنشطة بشرط تنظيف المكان أولاً، أو اشتراط الكتابة بدلاً من التحدث اللفظي لخفض نبرة الملحّين).
قنوات المخرجات (Output Channels): تشير إلى شكل الاستجابة (الكتابة، الإشارة، التحدث، أو التجميع). فالأفراد الذين يعانون من ضعف في الخط يمكن السماح لهم بالتحدث بالإجابات، في حين يمكن استخدام الكتابة لتبطين الاستجابة السلوكية لدى الأفراد المندفعين لتخفيف حدة الاستثارة لديهم.
بناء الطلاقة (Fluency): إن تخصيص وقت لبناء الطلاقة في المهارات المكونة يجعل أداء المهام الأكاديمية سهلاً وقليل الجهد، مما يزيد من معدل المشاركة مقارنة بانسحاب الأفراد من التعليم.
ثالثاً: متغيرات المثيرات القبلية والدافعية
تعديل قنوات المدخلات (Input Channels): تقديم التعليمات عبر الحاسة المفضلة للأفراد (كالمثيرات البصرية بدلاً من السمعية).
العمليات الدافعية (Motivating Operations): تقليل الدافعية وراء السلوكيات غير المرغوبة عبر “الروتينات المحايدة” (مثل تأخير وقت النوم لضمان نوم سلس، أو إطعام الطفل في وقت متأخر ليكون أكثر جوعاً وتقبلاً للأطعمة الجديدة).
العمليات الحرة (Free Operant): إتاحة الفرصة للأفراد للعمل بالسرعة والنمط الذي يناسبهم (مثل الفرز المستقل)، وهو ما يعد أكثر معدل وجذباً مقارنة بالعمليات المقيدة الموجهة بالكامل من المعلم.
شبكات الأبعاد (Dimensions Grids) وأثرها في الممارسة
تُعد شبكة الأبعاد أداة تحليلية متميزة تسرد المتغيرات التي تجعل أي هدف سلوكي “أسهل” أو “أصعب” (مثل خطوات تنظيف الأسنان: فرشاة عادية ضد كهربائية، أسنان أمامية ضد خلفية، مدة قصيرة ضد طويلة).
وعندما يتم إدخال مستوى “أصعب” في أحد الأبعاد، يمكن موازنته بجعل بُعد آخر “أسهل”. يساعد هذا التخطيط الممنهج في الحفاظ على موافقة وقبول الأفراد (Assent)، ويحقق طمأنينة لأولياء الأمور والمعلمين عبر رسم مسار واضح نحو الأهداف النهائية الواقعية دون التسبب في إحباط الأفراد أو نفورهم.
أطر تطبيقية عملية لتعديل المعدلات النسبية
يقدم الميدان نماذج مدمجة ومبتكرة لتطبيق مبدأ المعدل دون استخدام العقاب التقليدي أو المنع الصارم:
التعامل مع التنقل السريع بين الاستجابات (Scrolling): عندما يقوم الفرد بإصدار إشارات أو كلمات متعددة متتالية وبسرعة للحصول على المعزز دون تركيز، فإن منع الاستجابة قد يثير الغضب. و البديل الأكفأ هو سحب المثير البيئي (إخفاء المعزز وراء الظهر في حالة S-delta)، حيث يؤدي ذلك إلى معاقبة الاستجابة العشوائية المتسرعة بصورة طبيعية، ويعزز استراتيجية الهدوء الذاتي والانتظار حتى تقديم التلقين المناسب.
استكمال المثيرات القبلية المشروط بالانتباه: بدلاً من مناداة الفرد المندفع الذي يترك المقعد قبل اكتمال التعليمات، يمكن تركه يبحث في البيئة بشكل غير ناجح (وضع البحث المتسرع قيد الإطفاء). هذا الفشل الطبيعي يقلل من معدل الاندفاع ويجعل الفرد يعود طواعية للأخصائي لاستقاء المعلومات الكاملة.
جدولة النقاشات التكرارية والمطالب الشكوية: في حالات الشكاوى المستمرة والملحّة من الأفراد (بهدف الهروب من المهام)، يمكن للأخصائي قبول مناقشة الشكوى ولكن في وقت غير ملائم لمتعة الفرد (مثل بداية وقت اللعب الحر). هذا الإجراء يقلل معدل السلوك تكرارياً، حيث يفضل الأفراد غالباً الاستمتاع بوقتهم البديل.
خاتمة وتوصيات موجزة
إن النظر إلى التدخلات السلوكية من منظور المعدلات النسبية يمنح الأخصائيين مرونة فائقة بدلاً من الوقوع في فخ الثنائيات المتضادة (مثل: هل يجوز استخدام الإطفاء أم لا؟). وتتحول الأسئلة المهنية الموجهة للممارسة إلى: “إلى أي مدى يمكننا زيادة أو تقليل معدل هذا السلوك مقارنة بغيره؟”.
من خلال توظيف هذه الأبعاد المتنوعة، يستطيع ممارسو تحليل السلوك التطبيقي تصميم بيئات تعليمية مرنة وبناء علاقات قائمة على الثقة والقبول، والوصول بالأفراد المشخصين باضطرابات نمائية وسلوكية إلى أقصى درجات الاستقلالية والتكيف.
المرجع :
50 Practical Ways to Alter the Relative Efficiencies of Behaviors
https://www.davidpublisher.com/Public/uploads/Contribute/67d7c0d0526d1.pdf





