ترجمة: أ. سوار الماجري
تُعدّ مواجهة مواقف العدوانية أو العنف في البيئات الصحية، والتربوية، والاجتماعية من التحديات اليومية الإكلينيكية التي تؤثر عميقاً في سلامة الأطقم المهنية والمستفيدين على حدّ سواء. وبيّنت الإحصاءات الرسمية المقلقة لـ “المرصد الوطني للعنف في القطاع الصحي” (ONVS) تصاعداً مستمراً في الاعتداءات الجسدية واللفظية، حيث ترتبط نسبة 20% منها باضطرابات نفسية أو عصبية ونفسية تُفقد الشخص القدرة على التمييز أو التحكم في أفعاله. بناءً على توصيات الهيئة العليا للصحة (HAS)، نقدّم هذا المقال المهني القائم على الأدلة العلمية، لتمكين الممارسين من ركائز إدارة الأزمات السلوكية، والانتقال من مواجهة العنف الجسدي إلى تفعيل أدوات التواصل الوقائي.
أولاً: التفكيك المفاهيمي والدوافع السلوكية للعدوانية
تخلط الكثير من الدوارج اللغوية بين مسميات السلوك المضطرب؛ لذا يتطلب العمل الإكلينيكي الرشيد التمييز الدقيق بين المصطلحات التالية:
العدوانية (Agressivité): غريزة حيوية أولية ونزوع نحو الهجوم أو توجيه كلمات عدائية، دجّنتها الثقافة المجتمعية لتأخذ أشكالاً مقبولة، وهي لا تعني بالضرورة العنف التدميري.
الاعتداء (Agression): التعبير السلوكي المباشر والمفاجئ للعدوانية في إطار تفاعلي، ويتضمن وجود ضحية تعرضت سلامتها الجسدية أو النفسية للانتهاك.
السلوك العنيف (Acte violent): شكل عارٍ ومmanifeste من الغريزة المدمرة التي تفلت من آليات الضبط، ويهدف إلى تدمير الرابط مع الآخر ولا يسعى للمواجهة العلاجية بل للإلغاء. وتعوّل (HAS) على تعريف جامع للعنف بأنه: “أي تعبير أو سلوك لفظي، غير لفظي، أو جسدي يحمل تهديداً أو استخداماً للقوة يفضي إلى إلحاق الضرر بالأشخاص أو الممتلكات”.
الخطورة (Dangerosité): قدرة الفرد أو المجموعة على تشكيل خطر أو إحداث انتهاك عنيف وسلوكي في سياق محدد. وتؤكد الممارسات الإكلينيكية أن رصد السوابق السلوكية والسياقات التي حدثت فيها يُعدّ المؤشر التنبؤي الأكثر موثوقية لتقييم الخطورة.
ملاحظة إكلينيكية هامة: تؤكد الدراسات العلمية الموثوقة أن الأشخاص المشخصين باضطرابات عقلية ونفسية هم في الغالب ضحايا للعنف بنسب مضاعفة عن غيرهم، ولا يتسببون إلا في نسبة ضئيلة جداً تتراوح بين 3% إلى 5% من أعمال العنف الإجمالية في المجتمع.
ثانياً: ركائز هندسة التواصل التكيفي (اللفظي وغير اللفظي)
تتعطل المهارات التواصلية المعتادة للممارس تلقائياً أثناء الأزمات الحادة؛ مما يوجب التدرب المستمر على مكوّنات “اللغة الشمولية” التي قسّمها عالم النفس “ألبير مهرابيان” إلى ثلاثة سجلات أساسية تؤثر في إدراك الآخر وفك تشنجه:
1. التواصل اللفظي (7% من الأثر)
ويعتمد على اختيار التعبيرات الدقيقة وبناء الحجج المنطقية، وممارسة تقنيات التساؤل الذكي وفقاً لمحور “كينتيليان” (من، ماذا، أين، متى، كيف، كم).
إعادة الصياغة الاستفهامية والمرآتية: تُعدّ الأداة الأقوى لإشعار الشخص الإيجابي بالاهتمام وفهم دوافعه، شريطة عدم الإفراط فيها لتجنب إثارة حنقه.
استراتيجية الحوار الإيجابي: تجنب النفي القاطع والصدمات اللفظية المباشرة، مع تبني الأطر المرجعية للطرف الآخر لتوجيهه برفق نحو مساحات الاهتمام المشترك.
2. التواصل الشبه لفظي (38% من الأثر)
ويشمل نبرة الصوت، والإيقاع، والتحكم في التنفس:
يجب الحفاظ على نبرة صوت منخفضة، رصينة، ودافئة؛ فالنبرة الحادة والعالية تعكس الغضب وتغذي التصعيد.
تنظيم التنفس: التحدث حصراً أثناء زفير الهواء يساعد الممارس على الاحتفاظ بهدوئه وحماية وظائفه الإدراكية من التدفق الفجائي للأدرينالين.
الصمت الوظيفي: استخدام “الصمت الممتلئ” يمنح الشخص المضطرب وقتاً لإعادة ترتيب أفكاره، ويحفزه على إخراج الشحنات الانفعالية بالحديث.
3. التواصل غير اللفظي ولغة الجسد (55% من الأثر)
المسافة الآمنة (Proxémie): الحفاظ الصارم على “مسافة الراحة” التي تتراوح بين 1.20 إلى 3 أمتار. إن اختراق هذه المسافة والدخول في مسافة الخطر (أقل من متر) يُنشط “الدماغ الزواحي” لدى الطرفين، مما يلغي مهارات التفكير العقلاني ويفعل استجابة الكر أو الفر.
العين والوجه: تبني “المنظور البانورامي” للعين ($180^\circ$) دون التحديق المركّز والمستمر الذي يفسره الدماغ كإشارة تهديد أو “شيئية” عدائية. كما يُنصح بإظهار كفي اليدين مفتوحتين لإرسال إشارات تهدئة غير واعية للجهاز العصبي اللمبي للشخص المضطرب.
مؤشرات الجسد السفلية: مراقبة حركة القدمين والساقين؛ فالأقدام المتباعدة بقوة تشير إلى استعداد لحركة انفعالية حادة، بينما تجمّد الحركة الفجائي يعكس استجابة دفاعية غريزية للتهديد.
ثالثاً: مهارات الاستماع النشط واستيعاب الاحتياجات
ينطلق الاستماع النشط من مبدأ الكف عن إطلاق الأحكام والابتعاد عن التوجيه الفوري نحو الحلول قبل انخفاض الشحنة العاطفية. وتُعلّم مدرسة “كارل روجرز” أن كل انفعال حاد (خوف، غضب، حزن) هو بمثابة مؤشر ضوئي يعكس حاجة نفسية أو بيولوجية غير ملباة، أو يعبر عن تجربة “فقدان” واجهها الشخص (فقدان السيطرة، فقدان الهوية، فقدان الإطار والTerritoire).
تتحدد آليات التدخل لضبط الانفعالات وفق المصفوفة التالية:
استراتيجية التنظيم المعرفي | آلياتها التطبيقية والعملية |
إعادة التقييم المعرفي (Changement cognitif) | تفتيت التشويه المعرفي (مثل تفكير “الكل أو لا شيء”، أو الفلترة السلبية للأحداث)، ومساعدة الشخص على رؤية زوايا بديلة للموقف. |
توجيه الانتباه (Ré-orientation de l’attention) | كسر حلقة التفكير الاسترسالي السوداوي عبر تفعيل مشتتات انتباه خارجية أو داخلية إيجابية. |
التعبير التوضيحي البنّاء (Expression clarificatrice) | تسمية الانفعالات بدقة وبشكل مرن (مثل: “يبدو لي أنك تشعر بالاحباط بسبب…”)، مما يساهم في خفض التوتر بشكل فوري. |
رابعاً: نماذج واستراتيجيات التفاوض وخفض التصعيد
عند الوصول إلى مرحلة التفاوض، يتعين تطبيق بروتوكولات علمية منظمة تتسق مع الإيقاع السلوكي المرصود للشخص المضطرب، ومن أبرزها:
1. بروتوكول الخطوات الهيكلية للتفاعل التكتيكي (Modèle STEPS)
ينظر هذا النموذج إلى الأزمة السلوكية كاضطراب مؤقت يتطلب بناء دوافع تدريجية للوصول إلى حل سلمي، ويمر بأربع محطات رئيسية:
المرحلة (0) – ما قبل الوعي: يكون الشخص غير مدرك لخطورة سلوكه، ويرفض الاقتراحات السلمية بعدائية. هنا، يكون التدخل اللفظي المباشر لحل المشكلة عديم الجدوى، ويجب التركيز فقط على التهدئة واحتواء الانفعال.
المرحلة (1) – الإدراك الأولي: يبدأ الشخص في استيعاب أن إنهاء الموقف يتطلب التعاون مع الطاقم المهني، لكنه يفتقر إلى الآليات والوجل الداخلي للقيام بذلك. ينصب دور الممارس هنا على الطمأنة وبث الأمل.
المرحلة (2) – استكشاف البدائل: يقر الشخص بوجود المشكلة، ويبحث عن مخرج مرضي “يحفظ ماء وجهه”. يصبح الممارس في هذه المرحلة توجيهياً ومقترحاً لخيارات تعاونية مقبولة.
المرحلة (3) – إنهاء الأزمة: يوافق الشخص تماماً على العودة إلى حالة الاستقرار السلمي، ويقوده الممارس بخطوات واضحة وثابتة نحو بر الأمان.
2. بروتوكول التدخل السلوكي المتزامن (Modèle SINCRO)
يُحذر هذا النموذج من الوقوع في خطأ مهني شائع، وهو القفز السريع نحو “طرح الحلول” أو طلب “الاستسلام والهدوء” في الوقت الذي لا يزال فيه الشخص في ذروة الانفعال الحاد (المرحلة الحمراء). يعتمد نظام (SINCRO) على احترام الإيقاع الداخلي للمستفيد، ورصد المؤشرات الانتقالية الفسيولوجية واللفظية التي تؤكد نضجه وجاهزيته الفكرية للانتقال من مساحة الانفعال إلى مساحة الحل العقلاني.
خامساً: محددات وتوصيات عملية للممارس في الميدان
الالتزام الصارم بالوعود: كل ما يتم الاتفاق عليه وتفاوضه مع الشخص أثناء الأزمة يجب أن يُنفذ بحذافيره؛ فالصدق الإكلينيكي هو الركيزة الوحيدة لبناء جسور الثقة المستدامة.
تبادل الأدوار الإيجابي: إذا رصدتَ علامات الإرهاق أو التشنج على زميلك الذي يقود الحوار الأولي مع الشخص المضطرب، يتعين عليك التدخل الفوري اللبق لاستلام دفة التواصل الإيجابي ومنع انهيار الموقف.
تجنب الكلمات الكاذبة المطمئنة: لا تقل للشخص “كل شيء سيكون على ما يرام وبلا عواقب” إذا كان قد أحدث تخريباً فعلياً؛ واجه الموقف بالحقائق والواقعية مع تقديم دعم إنساني غير مشروط.
الحذر من هدوء ما قبل العاصفة (Paradoxe de comportement): انتبه بشدة للمظهر الفجائي المبتهج أو السكون المتجمد الذي يتبع حالة الهياج؛ إذ يشير هذا التناقض السلوكي في كثير من الأحيان إلى اتخاذ الشخص قراراً داخلياً قاطعاً بالانتقال إلى الفعل السلوكي العنيف أو الاعتداء الجسدي.
خاتمة: نحو بيئة آمنة وممارسات إكلينيكية مستدامة
في الختام، يظهر جلياً أن إدارة الأزمات السلوكية وخفض حدة التوتر في البيئات العلاجية والتعليمية لا تعتمد على ردود الأفعال اللحظية، بل هي نتاج هندسة تواصلية دقيقة وبناء مستمر لمهارات الاستماع النشط والتفاوض التكتيكي. إن الانتقال من منهجية “مواجهة العنف” إلى استراتيجية “الاحتواء الوقائي” يحمي سلامة الممارسين ويصون كرامة المستفيدين على حد سواء.
ولتحقيق الاستدامة في ضبط هذه البيئات وحماية الأطقم المهنية من الاحتراق النفسي، يُنصح بتبني المقترحات المؤسسية التالية:
تفعيل أيام تبادل المعرفة (Knowledge Exchange Days): تنظيم لقاءات دورية بين العاملين لتبادل الخبرات، ومناقشة الحالات السلوكية المعقدة، ومشاركة الحلول المبتكرة المبنية على الأدلة العلمية.
تأسيس جلسات الدعم الفردي والجمعي (Peer Support): تخصيص مساحات شهرية آمنة لتقديم الدعم النفسي والمهني للأطقم الطبية والتعليمية، مما يساهم في تفريغ الضغوط المتراكمة الناتجة عن التعامل مع السلوكيات الحادة.
الالتزام بالتحديث المصطلحي المعتمد: الالتزام الصارم في التقارير الإكلينيكية والخطط العلاجية باستخدام لغة مهنية حديثة ومحايدة تحترم كرامة الإنسان، والابتعاد تماماً عن الألفاظ الوصمية؛ فالتوصيف العلمي الدقيق هو الخطوة الأولى نحو التدخل السلوكي الناجح.
إن الاستثمار في تطوير الكفايات التواصلية للممارسين، وتوفير بيئة داعمة لهم، هو الضمانة الحقيقية لتحويل الأزمات السلوكية الطارئة إلى فرص علاجية وتعليمية ناجحة.
المرجع:
Communication, prévention de l’agressivité et gestion de la violence
https://www.ethicalformation.com/wp-content/uploads/2023/11/Support-ISA-V4_0123.pdf





