ترجمة: أ. سوار الماجري
تشهد المنظومة التعليمية المعاصرة تحولاً جوهرياً نحو ترسيخ مبادئ المدرسة الشاملة وتكافؤ الفرص، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع ملحوظ في أعداد التلاميذ ذوي الاحتياجات التربوية الخاصة المدمجين في الفصول العادية. وتضع هذه التحولات الطواقم التعليمية والتربوية أمام تحديات ميدانية يومية تتطلب الانتقال من الحلول العفوية إلى ممارسات مهنية منظمة ومبنية على الأدلة العلمية.
بناءً على الدراسة المسحية الحديثة الشاملة التي أعدها الباحثان “ساراي فيغيروا” (Sarai Figueroa) والبروفيسور “كورنتين غونتييه” (Corentin Gonthier) من مختبر علم النفس في (Pays de la Loire UR 4638) بالتعاون مع الجمعية الفرنسية لعلم النفس (SFP)، نقدّم هذا الدليل المهني الذي يعيد صياغة “التكييفات التربوية” ضمن إطار تصنيفي شامل للممارسات التدريسية.
أولاً: السياق العام والتحديات الميدانية
أظهرت الإحصاءات الرسمية لوزارة التربية الوطنية (MENESR) طفرة تصاعدية مستمرة في أعداد التلاميذ ذوي الاحتياجات التربوية الخاصة المدمجين بالتعليم العادي. ففي مرحلة التعليم الابتدائي (Premier degré)، قفز العدد من $104,824$ تلميذاً في عام 2004 إلى $235,416$ تلميذاً في عام 2023. وبالمثل، شهد التعليم الثانوي (Second degré) ارتفاعاً حاداً من $46,699$ تلميذاً إلى $232,858$ تلميذاً خلال نفس الفترة.
هذا الواقع الديموغرافي فرض واقعاً صفياً معقداً؛ حيث تشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE) إلى أن:
74% من المعلمين يضمون في فصولهم أكثر من 10% من التلاميذ ذوي الاحتياجات التربوية الخاصة، وهي نسبة تتجاوز بكثير متوسط دول المنظمة البالغ 46%.
تشكل اضطرابات النمو العصبي (مثل عسر القراءة “Dyslexia”، عسر الحركة “Dyspraxia”، اضطراب اللغة “Dysphasia”، عسر الحساب “Dyscalculia”، وعسر الكتابة “Dysgraphia”، بالإضافة إلى اضطراب تشتت الانتباه مع فرط الحركة”TDAH”) ما بين 5% إلى 7% من مجموع التلاميذ في سن الدراسة.
ورغم هذا العبء المهني، تواجه المنظومة فجوة حادة في التأهيل؛ إذ تفيد تقارير مديرية التقييم والتنبؤ والأداء (DEPP) وبيانات دراسة (TALIS) بأن 27% فقط من المعلمين يرون أنهم تلقوا تأهيلاً كافياً. كما يعاني 33% من المعلمين من احتياجات تدريبية هامة للتدريس لهذه الفئات، في حين يرى 59% منهم أن غياب ملاءمة العروض التدريبية ومحتواها يمثل العائق الأساسي أمام تطورهم المهني.
ثانياً: التأطير المفاهيمي للتكييف التربوي
لتفادي التداخل في الأدوار بين الأخصائيين والمعلمين، يعرّف الباحثان (Figueroa & Gonthier) التكييف التربوي (Aménagement pédagogique) بأنه:
“إجراء مهني فردي، يستهدف دعم المسارات التعليمية للتلاميذ ذوي الاحتياجات الخاصة من خلال تعديل وضعية التعلم بمعناها الواسع (المحتوى البيداغوجي، السند التعليمي، الوضعية الصفية، والمسار أو المعيش المدرسي). يمكن تقديم هذه التكيفات لجميع التلاميذ، لكنها لا تشمل تقنيات التدريس الاعتيادية إلا إذا كانت تحقق فائدة نوعية ومباشرة لدعم تعلمات التلاميذ ذوي الاحتياجات الخاصة. ولا يهدف التكيف التربوي بأي حال من الأحوال إلى تقديم علاج إكلينيكي أو تحسين وظيفة معرفية متضررة بشكل مباشر”.
بناءً على هذا التعريف، تقع التكييفات في النطاق المشترك بين علم النفس المعرفي وعلوم التربية، دون أن يحل المعلم محل الأخصائي الطبي أو النفسي.
ثالثا: شبكة الفئات الـ 23 للتكيفات التربوية
تتوزع التكيفات التي رصدتها الدراسة على المجالات السلوكية، المعرفية، المادية، والتنظيمية كالتالي:
تعديل وتكييف المسار الدراسي للتلميذ.
العمل الميتامعرفي (ما وراء المعرفة) حول الاضطراب مع التلميذ.
التنظيم الهندسي والمكاني للكلّاس (الصف الدراسي).
توفير الشروط والظروف المادية والأدوات الملائمة للعمل.
تطوير قنوات التواصل اللفظي وغير اللفظي المباشر مع التلميذ.
هندسة وتصميم المتتاليات والوحدات الدراسية.
إدارة وتنشيط الدرس والتفاعل الصفّي.
تعديل وملاءمة الدعامات والوسائط التعليمية المستعملة.
تكييف وتنظيم عملية تدوين وأخذ الملاحظات.
تعديل مستويات صعوبة المهام والأنشطة التعليمية.
ملاءمة بنية وهيكلة المهام التدريسية.
صياغة وتبليغ التعليمات الخاصة بالمهام بوضوح.
تكييف وملاءمة المضامين والمحتويات المعرفية للمهام.
هيكلة وتنظيم خطوات تنفيذ المهمة من طرف التلميذ.
ملاءمة نظم وآليات التقويم والاختبارات.
مراعاة الجوانب الوجدانية، العاطفية والنفسية للتلاميذ.
دعم التلميذ ومساعدته على الحفاظ على سلوك تكيفي مستقر.
تحفيز وتفعيل آليات التعاون والمساعدة بين الأقران داخل الصف.
مرافقة وتنظيم العمل والواجبات المنزلية.
تعزيز ودعم آليات الذاكرة والاشتغال المعرفي.
مرافقة ودعم التلميذ في محطات الحياة المدرسية (خارج الفصل).
مواكبة وتوجيه المسار الدراسي والمهني للتلميذ.
استخدام تقنيات ديداكتيكية نوعية وخاصة بالاضطراب.
خامساً: نماذج تطبيقية من واقع الممارسات المهنية
لتوضيح كيفية تنزيل هذه الفئات إجرائياً داخل الفصول، يعرض الجدول التالي أمثلة لبعض التكيفات المسجلة في الدليل مع رموزها التصنيفية:
رمز التكيف | الفئة الفرعية المستهدفة | النموذج التطبيقي الإجرائي داخل الصف |
1/1.1 | تكييف المواد التي يتابعها التلميذ. | إعفاء التلميذ مؤقتاً أو جزئياً من بعض المواد الحركية أو الشاقة (كالتربية البدنية) عند تعارضها الحاد مع قدراته الفسيولوجية. |
4/4.5 | أدوات ومستلزمات القراءة. | استخدام مسطرة القراءة (يفضل أن تكون على شكل حرف L وشفافة) أو استخدام الأحزمة الملونة المضافة على السطور لتسهيل التتبع البصري. |
8/8.1 | توحيد ومعيرة الدعامات التعليمية. | تقديم وثائق وسندات تعليمية مبنية ومطورة بنفس الهيكلة البصرية دائماً، المساعدة التلميذ على بناء علامات مكانية واضحة ومستقرة. |
13/13.4 | الحد من الصعوبات اللغوية والمعجمية. | تزويد التلميذ بقائمة المفردات الأساسية وشرحها مسبقاً قبل الشروع في قراءة النصوص المركبة لمنع استنزاف طاقته المعرفية في الفك. |
15/15.5 | تكييف معايير التنقيط والتقييم. | عدم محاسبة التلميذ أو خصم نقاط على الأخطاء الإملائية في الاختبارات التي لا تستهدف قياس المهارة اللغوية مباشرة (كالاختبارات العلمية والحسابية). |
19/19.1 | التحقق من ضبط قائمة الواجبات. | التأكد التام من امتلاك التلميذ للمفكرة المنزلية من خلال طباعتها، أو إرسالها بريدياً، أو تكليف أحد الأقران بالمساعدة في تدوينها. |
21/21.2 | مرافقة التلميذ في الأوقات اللّاصفية. | مراقبة قدرات التلميذ التكيفية أثناء فترة الغداء أو الاستراحة، والتدخل لمساعدته إذا كان يعاني من صعوبات حركية في استخدام أدوات المائدة. |
سادساً: آفاق تطوير الأداة المرجعية
رغم الشمولية الكمية لهذا الدليل، يشدد الباحثون على ضرورة التعامل مع هذه التكيفات بمرونة ومراقبة علمية؛ نظراً لأنها تستند في مرحلتها الحالية إلى “إجماع الخبراء والممارسين” بدلاً من التحقق الإمبراطوري المعزول لكل إجراء، كما أنها لا تزال تفتقر لتصنيف صارم يربط التكيف بالدرجة السنوية أو مستوى الفئة العمرية بدقة.
وتتجه الخطوات المستقبلية للمشروع نحو:
إطلاق دراسات استقصائية واسعة لتقييم مدى “واقعية وقابلية تطبيق” هذه التكيفات من وجهة نظر المعلمين والمرافقين (AESH) والأخصائيين النفسيين المدرسيين.
استطلاع آراء التلاميذ أنفسهم حول التكييفات المقدمة لهم لمعرفة مدى جدواها الفعلية من منظورهم الذاتي.
بناء نظام رقمي تفاعلي للدعم واتخاذ القرار، يهدف إلى توجيه الطاقم التربوي في الخطوط الأمامية لتحديد وتطبيق حزم التكيفات الأكثر فاعلية لكل تلميذ بناءً على بروفايله المعرفي والسلوكي.
المرجع:
Quelles recommandations donner pour l’accompagnement en classe des élèves qui présentent un Trouble Spécifique des Apprentissages ou du Neurodéveloppement ? Une typologie des gestes professionnels
https://hal.science/hal-05438346v1/file/Figueroa%26Gonthier2025_SFP.pdf





