الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

العلاقة البسيطة بين قوة العضلات الأساسية وصحة الدماغ

 

ترجمة: أ. نورة الدوسري

 

أفاد العلماء اليوم (27 أبريل 2026) بأن الدماغ يرتبط ميكانيكيًا بالجسم بدرجة أكبر مما كان يُعتقد سابقًا، وذلك وفقًا لدراسة نُشرت في مجلة Nature Neuroscience. ومن خلال بحث أُجري باستخدام الفئران إلى جانب نماذج محاكاة حاسوبية، توصّل الفريق إلى آلية بيولوجية محتملة تفسّر سبب الاعتقاد السائد بأن التمارين الرياضية تعود بالنفع على صحة الدماغ. إذ تبيّن أن انقباضات عضلات البطن تؤدي إلى ضغط الأوعية الدموية المرتبطة بالحبل الشوكي والدماغ، مما يسمح للدماغ بالحركة بشكل طفيف داخل الجمجمة.

وتُسهم هذه الحركة اللطيفة في تسهيل تدفّق السائل الدماغي الشوكي حول الدماغ، وهو ما قد يساعد في إزالة الفضلات العصبية التي قد تتراكم وتؤثر سلبًا في وظائف الدماغ. وتُعد هذه النتائج امتدادًا لأبحاث سابقة تناولت كيفية تأثير النوم وفقدان الخلايا العصبية على توقيت وآلية تدفّق السائل الدماغي الشوكي داخل الدماغ.

وأوضح الباحث الرئيسي في الدراسة، وهو أستاذ في علوم وهندسة الميكانيكا، وجراحة الأعصاب، وعلم الأحياء، والهندسة الطبية الحيوية في جامعة ولاية بنسلفانيا، أن هذه النتائج تسهم في توضيح كيف يمكن للحركة اليومية البسيطة أن تمثّل آلية فسيولوجية مهمة تدعم صحة الدماغ. وأضاف أن الدراسة أظهرت أن انقباض عضلات البطن يدفع الدم من منطقة البطن نحو الحبل الشوكي بطريقة تشبه النظام الهيدروليكي، مما يخلق ضغطًا ينتقل إلى الدماغ ويؤدي إلى تحريكه.

وبيّنت المحاكاة الحاسوبية أن هذه الحركة الطفيفة للدماغ تُسهم في تحفيز تدفّق السوائل داخله وحوله. ويُعتقد أن حركة السوائل في الدماغ تلعب دورًا أساسيًا في إزالة الفضلات ومنع الإصابة بالاضطرابات التنكسية العصبية. وتشير هذه النتائج إلى أن قدرًا بسيطًا من الحركة الجسدية قد يكون مفيدًا لصحة الدماغ، وهو ما يضيف سببًا آخر يفسّر أهمية النشاط البدني.

ولشرح الآلية بشكل أوضح، شبّه الباحثون هذه العملية بالنظام الهيدروليكي، حيث تقوم المضخة بخلق ضغط يدفع السوائل. وفي هذه الحالة، تمثّل انقباضات عضلات البطن تلك “المضخة”، حتى وإن كانت هذه الانقباضات بسيطة جدًا، مثل الشد الخفيف الذي يحدث قبل الوقوف أو عند بدء المشي. إذ يؤدي هذا الانقباض إلى الضغط على شبكة من الأوردة تُعرف بالضفيرة الوريدية الفقرية، وهي شبكة تربط بين التجويف البطني والتجويف الشوكي، مما يؤدي في النهاية إلى تحريك الدماغ.

ولمراقبة هذه العملية، استخدم الباحثون تقنيتين متقدمتين في التصوير الحيوي أثناء دراسة فئران متحركة. تمثّلت التقنية الأولى في المجهر ثنائي الفوتون، الذي يتيح تصوير الأنسجة الحية بدقة عالية، بينما تمثّلت التقنية الثانية في التصوير المقطعي الدقيق، الذي يوفر صورًا ثلاثية الأبعاد عالية الدقة للأعضاء كاملة. وقد لاحظ الفريق أن الدماغ يبدأ في التحرك قبل لحظات من حركة الفأر، مباشرة بعد انقباض عضلات البطن اللازمة لبدء الحركة.

وللتأكد من أن العامل الأساسي في هذه العملية هو انقباض عضلات البطن وليس الحركة العامة للجسم، قام الباحثون بتطبيق ضغط لطيف ومتحكّم فيه على بطون فئران كانت تحت تأثير تخدير خفيف. ورغم عدم وجود أي حركة أخرى، فإن هذا الضغط الموضعي البسيط—والذي يُعد أقل من الضغط الذي قد يتعرض له الإنسان أثناء قياس ضغط الدم—كان كافيًا لتحريك الدماغ.

وأشار الباحث إلى أن الدماغ عاد فورًا إلى وضعه الطبيعي بمجرد إزالة الضغط عن منطقة البطن، مما يدل على أن الضغط البطني يمكن أن يُحدث تغيرات سريعة وملحوظة في موضع الدماغ داخل الجمجمة.

وبعد التأكد من العلاقة بين انقباضات البطن وحركة الدماغ، انتقل الباحثون إلى دراسة كيفية تأثير هذه الحركة على تدفّق السوائل داخل الدماغ. غير أن هذا الجانب من البحث شكّل تحديًا، نظرًا لعدم توفر تقنيات تصوير قادرة على رصد الديناميكيات الدقيقة والسريعة لحركة السوائل داخل الدماغ.

إلا أن الفريق البحثي، الذي ضم خبراء من تخصصات متعددة، تمكّن من تطوير تقنيات جديدة سمحت لهم بدراسة هذه الظاهرة. وقد شملت هذه التقنيات إجراء تجارب تصوير على فئران حية، إلى جانب تطوير نماذج حاسوبية لمحاكاة حركة السوائل. وأكد الباحثون أن هذا التكامل بين الخبرات المختلفة كان ضروريًا لفهم هذه الأنظمة المعقدة وتأثيرها في الصحة.

وقاد فريق النمذجة الحاسوبية أحد الأساتذة المتخصصين في الهندسة الميكانيكية والرياضيات والهندسة الطبية الحيوية، حيث أشار إلى أن نمذجة تدفّق السوائل داخل الدماغ تُعد من التحديات المعقدة، بسبب وجود حركات متعددة ومتزامنة، بعضها مستقل وبعضها مترابط زمنيًا. كما أن حركة السوائل تتأثر بالخصائص الفيزيائية الخاصة التي تظهر عند انتقالها عبر الأغشية المختلفة داخل الدماغ.

ولتبسيط هذا التعقيد، شبّه الباحثون بنية الدماغ بالإسفنج، حيث يتكوّن من هيكل ناعم يسمح بمرور السوائل خلاله. ومن خلال هذا التشبيه، تمكّن الفريق من دراسة كيفية تدفّق السوائل عبر بنية تحتوي على مساحات مختلفة، مثل التلافيف الدماغية التي تشبه المسام في الإسفنج.

وفي هذا السياق، طرح الباحثون تشبيهًا إضافيًا، حيث اعتبروا الدماغ بمثابة “إسفنجة متسخة”، وتساءلوا: كيف يمكن تنظيف الإسفنجة؟ والإجابة هي تمرير الماء عليها مع عصرها. وبالمثل، أظهرت المحاكاة أن حركة الدماغ الناتجة عن انقباضات البطن يمكن أن تسهم في تحفيز تدفّق السوائل، مما يساعد في إزالة الفضلات المتراكمة.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج، رغم أهميتها، لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسات لفهم تأثيرها الكامل على البشر. ومع ذلك، فإنها تشير إلى أن الحركة الجسدية اليومية—حتى البسيطة منها—قد تلعب دورًا مهمًا في تعزيز دوران السائل الدماغي الشوكي داخل الدماغ، وبالتالي دعم عملية التخلص من الفضلات وحماية الدماغ من الاضطرابات التنكسية العصبية المرتبطة بتراكم هذه الفضلات.

وفي ختام الدراسة، شدّد الباحث على أن هذه الحركات صغيرة جدًا بطبيعتها، إذ تحدث أثناء المشي أو عند شد عضلات البطن خلال أي نشاط جسدي. ومع ذلك، فإن تأثيرها المحتمل على صحة الدماغ قد يكون كبيرًا، مما يعزز أهمية الحفاظ على النشاط البدني كجزء من نمط حياة صحي يدعم وظائف الدماغ على المدى الطويل.

المرجع

The simple link between core strength and brain health  https://www.news-medical.net/news/20260428/The-simple-link-between-core-strength-and-brain-health.aspx