ترجمة: أ. سما خالد
المقدمة
في الطفولة، قد لا يمتلك الأطفال القدرة اللفظية أو المعرفية الكافية للتعبير عن مشاعر القلق، الغضب، أو التوتر، خاصة أولئك المشخصين باضطرابات نمائية مثل اضطراب طيف التوحد، اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، أو اضطرابات اللغة والتواصل. في هذه الحالات، كثيرًا ما يلجأ الجسد للتعبير عمّا يعجز عنه اللسان، فتظهر أعراض جسدية متكررة دون سبب عضوي واضح، فيما يُعرف بالاضطرابات النفسجسدية. يخلط البعض بين هذه الأعراض وبين أمراض عضوية بحتة، مما يؤدي إلى تأخر التشخيص والتدخل.
تهدف هذه المقالة إلى تسليط الضوء على العلاقة بين الصحة النفسية والجسدية لدى الأطفال ذوي الاضطرابات النمائية، مع توضيح طبيعة الاضطرابات النفسجسدية، وطرق تمييزها، وآليات التدخل الفعالة، ودور الأسرة والمدرسة في تقديم الدعم.
ما المقصود بالاضطرابات النفسجسدية؟ تشير الاضطرابات النفسجسدية إلى الأعراض الجسدية التي تنشأ نتيجة عوامل نفسية أو انفعالية، دون وجود سبب عضوي مباشر يمكن إثباته عبر الفحوصات الطبية. تشمل هذه الأعراض: آلام المعدة، الصداع المتكرر، الغثيان، الإرهاق المزمن، اضطرابات النوم، التبول اللاإرادي، وفقدان الشهية. تظهر هذه الأعراض بشكل خاص عند الأطفال الذين يواجهون صعوبات في تنظيم مشاعرهم أو التعبير عنها بالكلام، وهو ما ينطبق على نسبة كبيرة من الأطفال ذوي الاضطرابات النمائية.
في هذه الحالات، لا يكون الطفل متصنعًا أو متوهمًا، بل يعاني فعليًا من انزعاج جسدي حقيقي، ناتج عن حالة توتر أو قلق أو صراع داخلي لم يجد له منفذًا سوى الجسد.
لماذا الأطفال ذوي الاضطرابات النمائية أكثر عرضة؟ تشير الأبحاث إلى أن الأطفال مشخصين باضطرابات نمائية يكونون أكثر عرضة لتطور أعراض نفسجسدية مقارنة بأقرانهم، وذلك لعدة أسباب متداخلة. أولًا، يعاني العديد من هؤلاء الأطفال من صعوبات في التعرف على مشاعرهم أو تسميتها، وهي مهارة تُعرف بـ”الوعي الانفعالي” أو “الألكسيثيميا”، وهي شائعة خاصة لدى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد. ثانيًا، تميل بعض أنماط التنشئة إلى التركيز على السلوك الظاهري دون الانتباه لما يخفيه من انفعالات، مما يؤدي إلى كبت المشاعر وتحولها إلى أعراض جسدية. ثالثًا، قد تتسبب البيئة المدرسية أو الاجتماعية في ضغط إضافي، مثل التنمر، أو الفشل الأكاديمي، أو صعوبة تكوين الصداقات، ما يؤدي إلى تراكم التوتر الداخلي.
أمثلة شائعة على التفاعل النفسجسدي في كثير من الحالات، تظهر الأعراض النفسجسدية في مواقف متكررة، ما يتيح للمهنيين تمييزها عن الأمراض العضوية. على سبيل المثال، قد يعاني الطفل من ألم في المعدة صباح كل يوم دراسي، لكنه يختفي في الإجازات. أو قد يعاني من الصداع قبل الذهاب إلى مكان جديد أو أثناء المناسبات الاجتماعية. في حالات أخرى، تظهر مشاكل النوم قبل الذهاب للطبيب أو التفاعل مع غرباء.
قد يُفسَّر هذا الألم على أنه مرض عضوي، لكن غياب نتائج طبية واضحة يجب أن يدفع الفريق التربوي والأسري إلى التفكير في الأسباب النفسية المحتملة، خصوصًا في حال كان الطفل غير قادر على التعبير بالكلمات.
العلاقة مع اضطرابات نمائية محددة يظهر التفاعل النفسجسدي بأشكال متنوعة تبعًا لنوع الاضطراب النمائي. فمثلًا:
- الأطفال ذوو اضطراب طيف التوحد قد يعبرون عن التوتر من خلال التقيؤ المتكرر، أو الإمساك، أو الامتناع عن الطعام، بسبب حساسية زائدة تجاه التغيرات أو المثيرات الحسية.
- الأطفال مشخصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه قد يعانون من اضطرابات النوم المزمنة، أو آلام الرأس الناتجة عن فرط النشاط العقلي، أو الاستثارة المفرطة للجهاز العصبي.
- الأطفال ذوو اضطرابات اللغة قد يظهرون أعراضًا جسدية قبل المواقف التي تتطلب حديثًا أمام الآخرين، مثل الغثيان، أو التعرق الزائد، أو ارتجاف الأطراف.
هذه الأعراض لا تدل على ضعف أو خلل سلوكي، بل على معاناة داخلية غير مُعبر عنها لفظيًا.
التقييم والتشخيص يبدأ التقييم من خلال استبعاد الأسباب الطبية، عبر الفحوصات التي يجريها طبيب الأطفال. وعند غياب السبب العضوي، يُحال الطفل إلى أخصائي نفسي لإجراء تقييم يشمل الملاحظة السلوكية، والمقابلة مع الأسرة، وتحليل السياقات التي تظهر فيها الأعراض. يُراعى في هذا التقييم الخلفية النمائية للطفل، ومستوى اللغة، وقدراته التعبيرية، لتحديد ما إذا كان الطفل يستخدم جسده كوسيلة للتعبير عن الانفعال.
في بعض الحالات، قد يُستخدم مقياس الأعراض الجسدية للأطفال، أو أدوات تقيس صعوبات تنظيم الانفعالات لدى الأطفال ذوي الاضطرابات النمائية.
التدخل العلاجي والدعم النفسي يعتمد العلاج على الفهم المشترك بين الفريق العلاجي والأسرة بأن الأعراض الجسدية حقيقية، لكنها ذات منشأ نفسي. ويشمل التدخل:
- العلاج النفسي الفردي، مع التركيز على التدريب على التعبير الانفعالي، وتعليم الطفل تسمية مشاعره واستخدام أدوات بديلة مثل الرسم أو اللعب.
- العلاج السلوكي المعرفي لتعديل أنماط التفكير المرتبطة بالألم أو الخوف.
- برامج تنظيم الانفعالات التي تساعد الطفل على تهدئة الجهاز العصبي الذاتي بوسائل آمنة مثل التنفس العميق أو الضغط الحسي.
- دعم الأسرة في فهم إشارات الطفل، وعدم نفي تجربته الجسدية، بل احتواؤها وتفسيرها.
- التنسيق مع المدرسة لتقليل الضغوط الخارجية، وتوفير بيئة داعمة آمنة.
الخاتمة
تُعد الاضطرابات النفسجسدية أحد أكثر أشكال المعاناة غير المفهومة لدى الأطفال ذوي الاضطرابات النمائية، فهي لا تُرى في الأشعة، ولا تُحل بالأدوية فقط. عندما يتحدث الجسد بلغة الألم، علينا أن نصغي إليه لا أن نكذّبه. إن إدراك أن هذه الأعراض هي صرخة من الداخل، يتطلب تحولًا في طريقة تفكيرنا، وتعاملنا، وتشخيصنا. ومع التدخل المبكر، والدعم النفسي، والفهم المتكامل بين الأسرة والمختصين، يمكن للأطفال أن يجدوا طرقًا صحية للتعبير، ويستعيدوا حقهم في الراحة النفسية والجسدية.
المراجع (APA 7):
Achenbach, T. M., & Rescorla, L. A. (2001). Manual for the ASEBA School-Age Forms & Profiles. University of Vermont, Research Center for Children, Youth, & Families.
DSM-5-TR. (2022). Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders (5th ed., text rev.). American Psychiatric Association.
Porges, S. W. (2011). The polyvagal theory: Neurophysiological foundations of emotions, attachment, communication, and self-regulation. W. W. Norton & Company.
Lydon, S., Healy, O., Reed, P., & Mulhern, T. (2015). A systematic review of physiological reactivity to stimuli in autism. Developmental Neurorehabilitation, 18(6), 335–344.
Thapar, A., Pine, D. S., Leckman, J. F., Scott, S., Snowling, M. J., & Taylor, E. A. (Eds.). (2015). Rutter’s Child and Adolescent Psychiatry (6th ed.). Wiley-Blackwell.





