ترجمة: أ. نوره الدوسري
تُظهر الأبحاث أن معظم الأشخاص يمكنهم التعافي من فقدان أحد أحبائهم بشكل تدريجي مع مرور الوقت، وذلك في حال توفر الدعم الاجتماعي والعادات الصحية السليمة. إن التعامل مع فقدان صديق مقرّب أو أحد أفراد العائلة قد يُعد من أصعب التحديات التي قد يواجهها الإنسان خلال حياته. فعندما نفقد الزوج أو الشقيق أو أحد الوالدين، قد يكون الحزن شديدًا وعميقًا بشكل خاص.
يُفهم الفقدان باعتباره جزءًا طبيعيًا من الحياة، ومع ذلك يمكن أن يسبب صدمة وارتباكًا شديدين قد يؤديان إلى فترات طويلة من الحزن أو حتى الاكتئاب. وغالبًا ما تبدأ شدة الحزن في التراجع تدريجيًا مع مرور الوقت، إلا أن عملية الحداد تُعد خطوة مهمة وأساسية للتعامل مع هذه المشاعر واستيعابها، ومن ثم الاستمرار في تقدير الذكريات الجميلة التي جمعتنا بالشخص الراحل.
يختلف الأشخاص في طريقة استجابتهم للموت، حيث يستخدم كل فرد آليات وأساليب خاصة به للتكيف مع الحزن. وتشير الدراسات إلى أن أغلب الناس قادرون على التعافي من الفقدان بشكل طبيعي مع مرور الوقت، خصوصًا إذا توفرت لهم شبكة دعم اجتماعي جيدة وعادات صحية مثل النوم الجيد والتغذية السليمة والنشاط البدني.
قد يستغرق الأمر عدة أشهر أو حتى سنة أو أكثر حتى يتمكن الشخص من التكيف مع الفقدان بشكل كامل. ولا يوجد إطار زمني “طبيعي” موحّد للحزن، فكل شخص يمر بهذه التجربة بطريقة مختلفة. كذلك، لا ينبغي توقع المرور بمراحل الحزن بشكل ثابت أو متسلسل، إذ تشير الأبحاث الحديثة إلى أن معظم الناس لا يمرون بهذه المراحل كخطوات متتابعة كما كان يُعتقد سابقًا.
في حال كانت العلاقة مع الشخص المتوفى معقدة أو تحمل بعض الصراعات، فقد يضيف ذلك بُعدًا إضافيًا وصعوبة أكبر لعملية الحزن. وقد يحتاج الفرد إلى وقت أطول للتفكير في طبيعة العلاقة السابقة، وفهم مشاعره تجاهها، ثم التكيف مع فقدانها.
إن الإنسان بطبيعته يمتلك قدرة عالية على التكيّف والصمود، إذ يستطيع معظم الأشخاص تحمّل فقدان شخص عزيز ثم الاستمرار في حياتهم. ومع ذلك، قد يواجه بعض الأفراد صعوبة شديدة في تجاوز الحزن لفترات طويلة، وقد يجدون أنفسهم غير قادرين على ممارسة أنشطتهم اليومية بشكل طبيعي. وفي مثل هذه الحالات، قد يكون من المفيد طلب المساعدة من طبيب نفسي أو أخصائي صحة نفسية مرخص ومتخصص في التعامل مع الحزن والفقدان.
التعايش مع الحياة بعد الفقدان
إن الحداد على فقدان شخص مقرّب يحتاج إلى وقت، لكن الأبحاث تشير إلى أنه قد يكون أيضًا نقطة تحول إيجابية تؤدي إلى إعادة اكتشاف معنى جديد للحياة، يمنح الشخص هدفًا واتجاهًا مختلفًا. ويمكن للأشخاص الذين يمرون بمرحلة الحزن الاستفادة من مجموعة من الاستراتيجيات التي تساعدهم على التعامل مع هذه المرحلة، ومن أهمها:
1. التحدث عن الفقدان
من المهم التحدث عن وفاة الشخص العزيز مع الأصدقاء أو الزملاء، لأن ذلك يساعد على فهم ما حدث بشكل أفضل، ويساهم في استرجاع الذكريات والتعبير عن المشاعر. إن تجنب الحديث عن الفقدان قد يؤدي إلى العزلة ويُبطئ عملية التعافي، بينما التواصل مع الآخرين يدعم عملية الشفاء النفسي.
2. تقبّل المشاعر
يمر الشخص خلال الحزن بمجموعة واسعة من المشاعر مثل الحزن، الغضب، القلق، أو حتى الإرهاق الجسدي والنفسي. جميع هذه المشاعر طبيعية ومتوقعة في هذه المرحلة. من المهم الاعتراف بها وعدم إنكارها. وإذا شعر الشخص بأنه عالق في هذه المشاعر أو غير قادر على التعامل معها، فإن التحدث مع مختص نفسي يمكن أن يساعد في فهمها وإدارتها بطريقة صحية.
3. العناية بالصحة الجسدية والنفسية
إن الاهتمام بالنفس يُعد عنصرًا أساسيًا خلال فترة الحزن. تناول الطعام الصحي، وممارسة النشاط البدني، والحصول على قسط كافٍ من النوم، كلها عوامل تساعد في تحسين الحالة النفسية والجسدية. فعملية الحزن قد تُجهد الجسم بشكل كبير، لذلك من الضروري مراقبة الصحة العامة.
كما يُنصح بالاهتمام بأفراد العائلة والتأكد من أنهم أيضًا يتبعون أساليب صحية للتكيف مع الفقدان، لأن الدعم المتبادل داخل الأسرة يلعب دورًا مهمًا في التعافي.
4. تقديم الدعم للآخرين
مساعدة الآخرين الذين يمرون بنفس تجربة الفقدان يمكن أن يكون لها تأثير إيجابي على جميع الأطراف. فعند قضاء الوقت مع أفراد العائلة أو الأصدقاء الذين فقدوا الشخص نفسه، يمكن مشاركة الذكريات، أو الاستماع إلى الموسيقى المفضلة للشخص المتوفى، أو القيام بأنشطة رمزية بسيطة. هذه الممارسات تعزز الترابط وتخفف من الشعور بالوحدة، كما أنها تساعد الشخص نفسه على الشعور بالراحة النفسية.
5. تذكّر الشخص الراحل وتكريمه
تُعد ذكرى الشخص المتوفى جزءًا مهمًا من عملية الحزن. قد تكون المناسبات السنوية أو الأعياد أوقاتًا صعبة، لكنها أيضًا تمثل فرصة للتأمل والتذكر وتكريم حياة الشخص الراحل. يمكن القيام بعدة طرق رمزية مثل التبرع باسم المتوفى لجمعية خيرية كان يحبها، أو زراعة شجرة باسمه، أو الحفاظ على تقاليد عائلية مرتبطة به.
إن اختيار طريقة التكريم يعتمد على ما يشعر به الفرد بأنه مناسب له، والأهم هو أن تكون وسيلة للتعبير عن الحب والامتنان للعلاقة التي كانت موجودة.
كيف يمكن لعلماء النفس المساعدة
يمتلك علماء النفس تدريبًا متخصصًا يساعدهم على دعم الأشخاص الذين يعانون من مشاعر مثل الخوف أو الذنب أو القلق المرتبط بفقدان شخص عزيز. وإذا كان الشخص يجد صعوبة في التعامل مع الحزن، أو يشعر بأنه غير قادر على تجاوز هذه المرحلة، فإن استشارة أخصائي نفسي مرخّص يمكن أن تكون خطوة مهمة نحو التعافي.
يعمل علماء النفس على تعزيز القدرة على التكيّف النفسي، ومساعدة الأفراد على تطوير استراتيجيات فعالة للتعامل مع الألم العاطفي. كما يستخدمون أساليب علاجية مبنية على الأدلة العلمية، وأكثرها شيوعًا العلاج النفسي (Psychotherapy)، والذي يساعد الأفراد على فهم مشاعرهم والتعامل معها بشكل صحي.
يحمل علماء النفس درجة الدكتوراه، ويُعدون من بين أعلى المتخصصين من حيث مستوى التعليم في مجال الرعاية الصحية، مما يجعلهم مؤهلين لتقديم دعم مهني عالي الجودة للأشخاص الذين يمرون بمرحلة الحزن.
خلاصة وتوجيهات عملية للتعامل مع الفقدان
التعامل مع فقدان شخص عزيز ليس عملية سهلة، لكنه مسار طبيعي يمر به الإنسان. من المهم إدراك أن الحزن ليس حالة يجب التخلص منها بسرعة، بل هو عملية تحتاج إلى وقت وصبر. يمكن تلخيص أسس التكيف الفعّال مع الفقدان فيما يلي:
السماح للنفس بالشعور بالحزن دون إنكار.
طلب الدعم من الأسرة والأصدقاء وعدم العزلة.
الحفاظ على الروتين اليومي قدر الإمكان.
الاهتمام بالصحة الجسدية لأنها تؤثر مباشرة على الحالة النفسية.
البحث عن معنى جديد للحياة بعد الفقدان.
عدم التردد في طلب المساعدة المهنية عند الحاجة.
في النهاية، رغم أن الفقدان تجربة مؤلمة، إلا أنه يمكن أن يصبح مع الوقت جزءًا من رحلة إنسانية أعمق نحو الفهم والنضج النفسي، ومع الدعم المناسب والعادات الصحية يمكن للشخص أن يستعيد توازنه ويواصل حياته بشكل أكثر استقرارًا ووعيًا.
المرجع
Grief: Coping with the loss of your loved one Research shows that most people can recover from loss on their own through the passage of time if they have social support and healthy habits. https://www.apa.org/topics/families/grief





