ترجمة: أ.نورة الدوسري
لطالما أدرك الناس، أو على الأقل شعروا أن صحة الجسد ترتبط ارتباطًا وثيقًا بصحة العقل. وتعكس عبارات شائعة مثل “مات من قلب مكسور” أو “ذبل من شدة الحزن” هذا الترابط في صوره القصوى. اليوم، تؤكد الأبحاث الحديثة هذه الفكرة القديمة، حيث تُظهر أن المشاعر الصحية يجب أن تُعاش وتُعبَّر عنها بطريقة صحية لتعزيز كلٍ من الصحة النفسية والجسدية.
في المقابل، فإن المشاعر غير الصحية، أو حتى المشاعر الطبيعية التي لا يُسمح لها بالتعبير، قد تستنزف طاقة الحياة لدى الأفراد، وتزيد من احتمالية اللجوء إلى أساليب تكيف غير صحية، أو الإصابة بالأمراض المزمنة، أو حتى اضطرابات المناعة الذاتية. ومن هنا، يصبح فهم طبيعة المشاعر وتأثيرها أمرًا أساسيًا للحفاظ على الصحة العامة.
تصنيف المشاعر وتأثيرها
اعتاد الباحثون تصنيف المشاعر إلى إيجابية وسلبية، لكن هذا التصنيف قد يكون تبسيطيًا إلى حد ما. فالأدق هو تقييم تأثير المشاعر على نظرة الفرد للحياة في سياق معين. على سبيل المثال، قد يكون الغضب أو الخوف استجابة مناسبة ومفيدة في بعض المواقف، بينما يكونان غير مبررين أو ضارين في مواقف أخرى.
تشير عالمة النفس Barbara L. Fredrickson إلى أن جميع المشاعر، سواء كانت إيجابية أو سلبية، تُعد تكيفية إذا ظهرت في السياق المناسب. أي أن المشكلة لا تكمن في نوع الشعور بحد ذاته، بل في توقيته وشدته وطريقة التعامل معه.
المشاعر السلبية وتأثيرها على الصحة الجسدية
تظهر المشكلات الصحية غالبًا عندما تكون المشاعر السلبية ناتجة عن اجترار الماضي أو القلق المستمر بشأن المستقبل، بدلًا من كونها استجابة آنية لموقف حالي. ويُعد “العُصابية” (Neuroticism)، أي الميل إلى تجربة مشاعر سلبية متكررة مع سلوكيات عدوانية أو غاضبة، عامل خطر معروف للعديد من المشكلات الصحية، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية، والربو، وارتفاع ضغط الدم.
كما أظهرت الدراسات أن المزاج الاكتئابي يرتبط بتغيرات كبيرة في الجهاز المناعي على مستوى الخلايا، وبطريقة تعتمد على شدة الحالة. وتشمل هذه التغيرات انخفاض استجابة الخلايا اللمفاوية للمستضدات، وتراجع نشاط الخلايا القاتلة الطبيعية، وانخفاض عدد خلايا الدم البيضاء.
وقد يكون اختلال تنظيم الجهاز المناعي الناتج عن العوامل النفسية، مثل المشاعر غير الصحية، هو الآلية الكامنة وراء العديد من الحالات الصحية، مثل الشيخوخة المبكرة، وأمراض القلب، وهشاشة العظام، والسكري من النوع الثاني، والتهاب المفاصل، وبعض أنواع السرطان، وحتى الضعف العام. ويرتبط ذلك بإفراز مواد التهابية في الجسم كرد فعل للحالات العاطفية السلبية.
بالإضافة إلى ذلك، يُعد كل من التوتر الحاد والمزمن، والعدائية، والاكتئاب، عوامل خطر مستقلة للإصابة بأمراض القلب.
المشاعر الإيجابية وتأثيرها الوقائي
في المقابل، يرتبط تبني نظرة إيجابية للحياة بانخفاض ضغط الدم، وتقليل مخاطر الإصابة بأمراض القلب، وتحسين التحكم في الوزن، واستقرار مستويات السكر في الدم، وزيادة متوسط العمر المتوقع.
وتلعب عدة أنظمة في الجسم دورًا في هذه العلاقة، منها الجهاز العصبي، والجهاز القلبي الوعائي، والجهاز المناعي، والجهاز الهرموني. ومع ذلك، لا يزال العلماء يدرسون طبيعة العلاقة بين هذه الأنظمة، خاصةً أنها قد تكون علاقة ثنائية الاتجاه، حيث تؤثر الصحة الجسدية أيضًا في الحالة العاطفية.
المشاعر وسلوك الأكل
تشير بعض الدراسات إلى أن المشاعر تؤثر بشكل مباشر على سلوك الأكل. فقد تدفع بعض المشاعر الأفراد إلى اختيار أنواع معينة من الطعام، أو تؤدي إلى فقدان الشهية. كما أن المشاعر قد تقلل من سيطرة مراكز التفكير العليا في الدماغ على عملية الأكل.
يلجأ بعض الأفراد إلى “الأكل العاطفي” كوسيلة لتخفيف حدة المشاعر السلبية. ومع ذلك، فإن الإفراط في تناول الطعام أو الامتناع عنه كلاهما ضار بالصحة الجسدية. وقد تكون هذه التغيرات في سلوك الأكل نتيجة مباشرة للمشاعر، أو وسيلة لتنظيمها، أو عرضًا مصاحبًا لها.
دور اللوزة الدماغية في الربط بين المشاعر والجسد
تشير دراسات تصوير الدماغ إلى أن المشاعر الإيجابية تنشط مناطق معينة في الدماغ مرتبطة بالمكافأة، مثل العقد القاعدية والمخطط البطني، لفترات أطول، مما يؤدي إلى شعور عام بالرفاهية. وعندما تكون هذه الحالة هي الحالة الأساسية، فإنها تُحدث تغييرات صحية في الجسم.
أما في حالات المشاعر السلبية، فتُنشَّط Amygdala، وهي منطقة مسؤولة عن معالجة المشاعر وتنظيم استجابات التوتر. وترتبط هذه المنطقة بمحور Hypothalamic–pituitary–adrenal axis، الذي يلعب دورًا رئيسيًا في استجابة الجسم للضغط.
إذا استغرقت اللوزة الدماغية وقتًا أطول للعودة إلى حالتها الطبيعية بعد التنشيط، فقد يكون الأفراد أكثر عرضة للإصابة بالأمراض. كما أن زيادة حجم المادة الرمادية في هذه المنطقة ترتبط بقدرة أفضل على تنظيم المشاعر، واستجابات عاطفية أكثر إيجابية، ونتائج صحية أفضل.
وترتبط هذه الاختلافات أيضًا بمستويات هرمون الكورتيزول خلال اليوم، وكذلك باستجابة الجسم للضغوط، مثل ارتفاع ضغط الدم أو التغيرات في الشرايين.
كيف نفسر العلاقة بين المشاعر والصحة؟
حاول العديد من علماء النفس تفسير العلاقة بين المشاعر والصحة الجسدية. ويقترح أحد النماذج، وهو النموذج التفاعلي، أن الصحة تتأثر جزئيًا بكيفية استجابة الفرد للضغوط. وتعتمد هذه الاستجابة على تقييم الفرد للموقف، وعلى استراتيجيات التكيف التي يستخدمها، والتي ترتبط بدورها بقدرته على تنظيم مشاعره.
بينما يرى نموذج آخر أن القدرة على تنظيم المشاعر تؤثر في تبني سلوكيات صحية أو غير صحية، والتي تنعكس بدورها على الصحة الجسدية. وهناك أيضًا من يرى أن المشاعر والصحة الجسدية قد تكونان ناتجتين عن عوامل مشتركة، مثل العوامل الوراثية.
ويتوافق النموذج التفاعلي مع نتائج دراسات الدماغ، حيث تُعد اللوزة الدماغية جزءًا أساسيًا من الشبكة العصبية التي تربط بين تنظيم المشاعر والاستجابات الجسدية. فالأفراد الذين يمتلكون مهارات جيدة في تنظيم مشاعرهم يكونون أكثر قدرة على تقييم المواقف الضاغطة بشكل إيجابي، والتعامل معها بفعالية، مما يحميهم من التأثيرات الضارة للتوتر المزمن.
تنظيم المشاعر كمهارة أساسية للصحة
تُعد القدرة على التحكم في المشاعر وتعزيز التفكير الإيجابي مهارة أساسية للتكيف مع البيئة المحيطة، وتحقيق التوازن بين الصحة النفسية والجسدية. وعندما تسود المشاعر الإيجابية، لا يعني ذلك أن الأفراد يعيشون في حالة سعادة دائمة، بل يعني أنهم أكثر قدرة على مواجهة التحديات واستعادة توازنهم بسرعة.
وتُعرف هذه القدرة باسم “المرونة النفسية”، وهي عامل مهم للعيش بحياة ذات معنى، حتى في ظل الظروف الصعبة.
والأهم من ذلك أن الاستجابات العاطفية يمكن تعلمها وتطويرها، تمامًا كأي مهارة أخرى. وتشمل طرق تعزيز تنظيم المشاعر تخصيص وقت للهدوء والتأمل، واستخدام العلاج المعرفي، والمشاركة في أنشطة تساعد الأفراد على إعادة ترتيب أولوياتهم.
فعلى سبيل المثال، عندما يركز الأفراد على ممارسة اللطف والتعاطف، ينعكس ذلك إيجابيًا على سلوكهم، كما يظهر في نشاط دوائر المكافأة في الدماغ، ويترافق مع مشاعر إيجابية وعلاقات اجتماعية أقوى، وتحسن في تنظيم ضربات القلب.
كما أن ممارسة “التوكيد الذاتي”، من خلال التفكير في القيم الشخصية، تساعد على تعزيز الدافعية لتبني سلوكيات صحية. ويسهم الامتنان في زيادة الشعور بالفرح، بينما يساعد تعلم مهارات التسامح على تقليل مشاعر الألم والغضب.
خلاصة
تُظهر الأدلة العلمية أن العلاقة بين المشاعر والصحة الجسدية علاقة عميقة ومعقدة. فالمشاعر لا تؤثر فقط على الحالة النفسية، بل تمتد آثارها إلى الجهاز المناعي، والقلب، والدماغ، والهرمونات.
ومن خلال تعلم مهارات تنظيم المشاعر، يمكن للأفراد تحسين جودة حياتهم، وتقليل مخاطر الإصابة بالأمراض، وتعزيز قدرتهم على التكيف مع الضغوط. إن الاستثمار في الصحة العاطفية ليس رفاهية، بل هو جزء أساسي من الحفاظ على الصحة الجسدية والعيش بحياة متوازنة ومليئة بالمعنى.
المرجع
How Do Your Emotions Affect Your Physical Health? https://www.news-medical.net/health/How-Do-Your-Emotions-Affect-Your-Physical-Health.aspx





