الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

المرشدون الذين تتجاهلهم: قيمة خفية في علاقات الأقران داخل تطورك المهني والشخصي

 

ترجمة: أ. نوره الدوسري

 

النقاط الرئيسية

  • مفهوم الإرشاد غالبًا ما يُفهم بشكل ضيق على أنه علاقة هرمية فقط، مما يؤدي إلى تجاهل مصادر نمو مهمة وقريبة.

  • علاقات الأقران توفر تغذية راجعة مباشرة وواقعية مبنية على السلوك اليومي الفعلي.

  • التطور الشخصي لا يحدث من خلال النصائح المتقطعة فقط، بل من خلال التفاعل المستمر.

  • أكثر المرشدين قيمة قد يكونون بالفعل حولك، لكن يتم تجاهلهم وعدم الاستفادة منهم بالشكل الكافي.

غالبًا ما يمتلك الإرشاد (Mentoring) القدرة على تغيير حياة الأشخاص، وتسريع التطور المهني بشكل كبير، وإزالة العديد من العوائق المعقدة في المسار الوظيفي. لكن ماذا لو كنا ننظر في الاتجاه الخطأ عندما نبحث عن الأشخاص الذين يمكنهم إرشادنا؟ ماذا لو كانت أشكال الدعم التي نحتاجها موجودة بالفعل حولنا، لكننا لا ننتبه لها؟

عندما نفكر في الإرشاد، فإن أول صورة تتبادر إلى الذهن هي النموذج الهرمي التقليدي: شخص مبتدئ أو في بداية مساره المهني، يتوجه إلى شخص أكثر خبرة أو أعلى منصبًا، سبق له أن مر بالطريق الذي يسعى المبتدئ لاتباعه.

وبالتالي، فإننا نميل إلى “النظر إلى الأعلى”.

لكن التركيز على اتجاه واحد فقط يجعلنا نفوّت فرصًا كثيرة للحصول على دعم مهم وفعّال.

حدود النظر إلى الأعلى فقط

من الطبيعي أن يبحث الإنسان عن مرشد أكثر خبرة. فالإرشاد غالبًا يقوم على نقل الخبرة من شخص سبق أن خاض التجربة إلى شخص يسير في الطريق نفسه. لكن هذا ليس الشكل الوحيد الممكن للإرشاد.

في كثير من الأحيان يمكننا أن نحصل على قيمة كبيرة من أشخاص لا يمتلكون بالضرورة خبرة أكبر، لكنهم يقدمون منظورًا مختلفًا، أو يعملون كمرآة تعكس لنا سلوكنا وأفكارنا. أحيانًا يكون هذا النوع من الفهم أكثر فائدة لأنه يأتي من أشخاص قريبين من التجربة اليومية، ومتواجدين في اللحظة نفسها.

توضح أليكسيس ريدينغ، وهي عالمة نفس نمائية ومحاضرة في كلية الدراسات العليا للتربية بجامعة هارفارد، أن علاقات الإرشاد مع القادة أو الأشخاص الأعلى منصبًا غالبًا ما تكون محدودة ومتباعدة زمنيًا.

قد تكون اللقاءات رسمية ومتباعدة، وتعتمد على محادثات محددة ومخطط لها مسبقًا. لكن هذا النوع من العلاقات يبتعد عن الواقع اليومي الفعلي الذي نعيشه في العمل.

هذه المسافة الزمنية والمهنية مهمة جدًا، لأنها تعني أن النقاشات تعتمد بشكل كبير على ما نختار نحن أن نشاركه فقط. وهنا تظهر التحيزات المعرفية، مثل التركيز على مشكلة واحدة وترك غيرها، أو نسيان أحداث مهمة حدثت بين اللقاءات، أو إعادة صياغة الواقع بطريقة غير دقيقة.

كما أن المرشدين الرسميين غالبًا لا يكونون على تواصل مباشر مع سلوكنا اليومي الفعلي، مما يجعل رؤيتهم لنا غير مكتملة، لأنها تعتمد على روايتنا نحن للأحداث، وليس على ملاحظتهم المباشرة لكيفية تصرفنا في الواقع.

“مرشدات المرآة”

هنا تظهر فكرة مختلفة تمامًا قدمتها أليكسيس، وهي مفهوم “مرشدات المرآة”.

يقصد بهذا المفهوم الأشخاص الموجودين حولنا يوميًا والذين يعكسون لنا ما لا نستطيع رؤيته في أنفسنا.

مرشدات المرآة ليسوا أشخاصًا رسميين، ولا يتم تعيينهم في هذا الدور، وغالبًا لا يحملون لقب “مرشد”. بل هم في الغالب زملاء العمل أو الأقران الذين نتفاعل معهم بشكل مستمر.

تشرح أليكسيس أن هؤلاء الأشخاص يروننا في الوقت الحقيقي، ويلاحظون كيف نتصرف، وكيف نتواصل، وكيف نتعامل مع الضغوط. ليس كما نعتقد أننا نتصرف، بل كما نتصرف فعليًا.

وهنا تكمن الفجوة المهمة بين “النية” و”الأثر”. هذه الفجوة هي المكان الحقيقي الذي يحدث فيه النمو والتطور.

الميزة الأساسية في هذه العلاقات هي التكرار والاستمرارية. فبدلًا من لقاءات شهرية أو متباعدة مع مرشد رسمي، نجد أن التفاعل مع الزملاء يحدث بشكل يومي ومباشر. وهذا يخلق نوعًا مختلفًا من التعلم القائم على التجربة الفعلية.

كما أن التغذية الراجعة في هذه العلاقات تكون أكثر فورية ومرتبطة بالمواقف الحقيقية، مما يجعلها أكثر دقة وصدقًا في كثير من الأحيان.

أهمية الصدق والوضوح في العلاقات المهنية

تؤكد أليكسيس أن هذه التغذية الراجعة المباشرة غالبًا ما تكون أكثر صدقًا لأنها تأتي من أشخاص يشاهدوننا في سياق العمل الحقيقي، وليس في سياق رسمي معد مسبقًا.

كما أن غياب الهرمية في علاقات الأقران قد يشجع على مزيد من الانفتاح والشفافية في الاتجاهين. لكن هذا يتطلب بيئة آمنة نفسيًا تسمح بإعطاء واستقبال التغذية الراجعة بطريقة بناءة وداعمة.

نحن بحاجة إلى هذا النوع من الصدق إذا أردنا تحقيق أقصى إمكاناتنا. فالتطور لا يحدث في العزلة، بل يتشكل من خلال التفاعل مع الآخرين.

كما أن تصورنا عن أنفسنا يتأثر بشكل كبير بكيفية تفاعل الآخرين معنا يوميًا، وكيف يفسرون سلوكنا. هذه التفاعلات المتكررة تشكل جزءًا أساسيًا من تطورنا دون أن ندرك ذلك بشكل واعٍ.

إعادة التفكير في مفهوم الإرشاد

لكن السؤال المهم هو: لماذا نتجاهل هذا النوع من العلاقات؟

توضح أليكسيس أن السبب هو أننا لا ننظر إليها على أنها علاقات تطوير حقيقية. لأنها غير رسمية، فإننا لا نستثمر فيها بنفس القدر الذي نستثمر به في العلاقات الهرمية أو “الاستراتيجية”.

غالبًا ما نركز على بناء علاقات مع أشخاص نعتقد أنهم أكثر أهمية بسبب مناصبهم أو ألقابهم، ونقلل من قيمة العلاقات التي تحدث بشكل طبيعي ويومي.

ورغم أن العلاقات مع أصحاب الخبرة والمناصب العليا قد تكون مفيدة، إلا أن الإفراط في التركيز عليها قد يكون غير فعال من حيث الوقت والطاقة.

في المقابل، قد نهمل علاقات قريبة جدًا منا، وهي في الواقع تقدم لنا أكبر قدر من الفهم لسلوكنا وتأثيرنا الحقيقي على الآخرين.

خلاصة الفكرة

تقدم أليكسيس رؤية بسيطة ولكن عميقة: إذا وسّعنا فهمنا لمفهوم الإرشاد، فإنه يصبح أكثر مرونة وسهولة ووصولًا.

الإرشاد ليس فقط البحث عن شخص جديد يرشدك، بل هو أيضًا إدراك أن الإرشاد يحدث بالفعل من حولك في حياتك اليومية.

بدلًا من البحث المستمر عن مرشدين جدد، من المفيد أن تسأل نفسك:

  • من الأشخاص الذين أُعجب بطريقة تفكيرهم وعملهم؟

  • من يرى سلوكي بوضوح في حياتي اليومية؟

  • هل أتعلم فعليًا من هؤلاء الأشخاص؟

  • هل أجعل من السهل عليهم أن يكونوا صادقين وداعمين معي؟

يمكن أن نقضي سنوات طويلة في محاولة الوصول إلى أشخاص “مثاليين” للإرشاد، بينما نهمل الأشخاص الذين يمتلكون بالفعل أفضل فهم لسلوكنا اليومي.

وكما توضح هذه الرؤية، فإن أهم المرشدين في حياتك المهنية قد لا يكونون في الأعلى… بل بجانبك مباشرة.

المرجع

The Mentors You’re Ignoring https://www.psychologytoday.com/us/blog/connected-leadership/202604/the-mentors-youre-ignoring