الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

الفروق في المعالجة الحسية لدى الأطفال ذوي الإعاقة السمعية مقارنة بذوي السمع الطبيعي

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

تهدف هذه الدراسة إلى تعميق الفهم حول الفروق في أنماط المعالجة الحسية بين الأطفال الذين يعانون من ضعف سمعي وأقرانهم من ذوي السمع الطبيعي، إضافة إلى استكشاف العوامل التي قد تسهم في ظهور اضطراب المعالجة الحسية لديهم. ويكتسب هذا الموضوع أهمية خاصة نظرًا للدور المحوري الذي تلعبه الحواس في نمو الطفل وقدرته على التفاعل مع البيئة المحيطة، حيث إن أي خلل في معالجة المعلومات الحسية قد ينعكس سلبًا على السلوك والتعلم والتكيف الاجتماعي.

اعتمدت الدراسة على مقارنة منهجية بين ثلاث فئات من الأطفال تماثلت في العمر، لكنها اختلفت من حيث الحالة السمعية. شملت الفئة الأولى أطفالًا يستخدمون زراعة القوقعة، وهي تقنية طبية متقدمة تساعد على استعادة السمع لدى من يعانون من فقدان سمعي شديد. أما الفئة الثانية فضمت أطفالًا يستخدمون المعينات السمعية التقليدية، في حين تمثلت الفئة الثالثة في أطفال يتمتعون بسمع طبيعي. وقد استخدمت أداة تقييم معيارية متمثلة في النسخة العربية من مقياس الملف الحسي، والذي يقيس استجابات الأطفال لأنواع مختلفة من المدخلات الحسية في الحياة اليومية.

أظهرت النتائج أن الأطفال ذوي السمع الطبيعي كانوا عمومًا أكثر كفاءة في التعامل مع المدخلات الحسية مقارنة بأقرانهم من ذوي الإعاقات السمعية، خاصة أولئك الذين يستخدمون زراعة القوقعة. فقد تفوقوا في نسبة ملحوظة من مجالات التقييم، ما يشير إلى أن القدرة السمعية الطبيعية تسهم في تنظيم أفضل للمدخلات الحسية وتكاملها. أما عند مقارنة الأطفال المستخدمين للمعينات السمعية مع نظرائهم من مستخدمي زراعة القوقعة، فقد تبين أن الفئة الأخيرة أظهرت مؤشرات أعلى لوجود صعوبات في المعالجة الحسية، خصوصًا في مجالات مثل المعالجة الدهليزية المرتبطة بالتوازن، والمعالجة متعددة الحواس التي تتطلب دمج معلومات من أكثر من حاسة في الوقت ذاته، بالإضافة إلى الاستجابات الانفعالية والاجتماعية.

هذه النتائج تعكس أن فقدان السمع لا يقتصر تأثيره على القدرة السمعية فقط، بل يمتد ليشمل أنظمة حسية أخرى، مما يخلق تحديات إضافية أمام الطفل في فهم العالم من حوله. فالأطفال الذين يعانون من ضعف سمعي قد يواجهون صعوبة في تفسير الإشارات الحسية المختلفة، مما يؤدي إلى استجابات غير متوقعة أو غير مناسبة في بعض المواقف اليومية.

وعند تحليل النتائج على مستوى العوامل العامة للمعالجة الحسية، تبين أن الأطفال ذوي السمع الطبيعي يختلفون بشكل واضح عن الأطفال مستخدمي زراعة القوقعة في جميع العوامل التي أظهرت دلالة إحصائية. كما وُجدت فروق بينهم وبين الأطفال المستخدمين للمعينات السمعية، خصوصًا في جوانب مثل تشتت الانتباه وضعف القدرة على تسجيل المدخلات الحسية. وتشير هذه الفروق إلى أن الأطفال الذين يعانون من ضعف سمعي قد يكونون أكثر عرضة لمشكلات تتعلق بالانتباه والتركيز، وهو ما قد يؤثر بدوره على أدائهم الأكاديمي وتفاعلهم الاجتماعي.

أما عند المقارنة بين الأطفال الذين يستخدمون زراعة القوقعة وأولئك الذين يعتمدون على المعينات السمعية، فقد ظهرت فروق ملحوظة في معظم عوامل المعالجة الحسية، باستثناء بعض الجوانب المحدودة مثل ضعف التسجيل الحسي والمهارات الحركية الدقيقة والإدراكية. ويعني ذلك أن نوع الجهاز المستخدم قد يلعب دورًا في طبيعة التحديات الحسية التي يواجهها الطفل، حيث يبدو أن زراعة القوقعة، رغم فوائدها الكبيرة في تحسين السمع، قد ترتبط بزيادة احتمالية ظهور بعض الصعوبات الحسية مقارنة بالمعينات السمعية.

ومن الجوانب المهمة التي تناولتها الدراسة أيضًا تأثير بعض المتغيرات المرتبطة بفقدان السمع على نتائج المعالجة الحسية. فقد تبين أن العمر الذي يتلقى فيه الطفل الجهاز السمعي يُعد عاملًا حاسمًا، حيث أن التأخر في الحصول على التدخل المناسب يرتبط بزيادة احتمالية ظهور اضطرابات في المعالجة الحسية. كما أن طبيعة فقدان السمع، سواء كان منذ الولادة أو مكتسبًا لاحقًا، تؤثر كذلك في كيفية تطور النظام الحسي لدى الطفل.

تشير هذه النتائج إلى أن الأطفال الذين يعانون من ضعف سمعي لا يواجهون فقط تحديات في اللغة والكلام، بل هم أيضًا أكثر عرضة لاضطرابات المعالجة الحسية، وهو ما قد يفسر بعض السلوكيات التي قد تُفهم بشكل خاطئ على أنها مشكلات سلوكية بحتة. في الواقع، قد تكون هذه السلوكيات انعكاسًا لصعوبة الطفل في تفسير وتنظيم المدخلات الحسية التي يتعرض لها.

كما أظهرت الدراسة أن الأطفال الذين يستخدمون زراعة القوقعة معرضون بشكل أكبر لمشكلات تتعلق بالتوازن، والتكامل بين الحواس المختلفة، والاستجابات الاجتماعية والانفعالية، إضافة إلى المهارات الحركية الدقيقة. وهذا يتطلب اهتمامًا خاصًا من قبل المختصين، حيث ينبغي تصميم برامج تدخل تراعي هذه الجوانب إلى جانب التدريب السمعي واللغوي.

ومن النتائج اللافتة أيضًا أن زيادة العمر عند إجراء زراعة القوقعة ارتبطت بارتفاع احتمالية ظهور اضطرابات في المعالجة الحسية، مما يؤكد أهمية التدخل المبكر. فكلما تم اكتشاف فقدان السمع والتعامل معه في وقت مبكر، زادت فرص الطفل في تطوير أنماط معالجة حسية أكثر تكيفًا، مما ينعكس إيجابًا على نموه العام.

في ضوء هذه المعطيات، تؤكد الدراسة على ضرورة تبني نهج متعدد التخصصات في التعامل مع الأطفال ذوي الإعاقات السمعية. فلا يكفي التركيز على الجانب السمعي أو اللغوي فقط، بل يجب إشراك مختصين في العلاج الوظيفي، وعلم النفس، والتربية الخاصة، لضمان تقديم دعم شامل يلبي احتياجات الطفل المختلفة. كما ينبغي توعية الأسر بأهمية ملاحظة أي مؤشرات على وجود صعوبات حسية، والعمل على طلب التقييم والتدخل المناسب في وقت مبكر.

ختامًا، تسلط هذه الدراسة الضوء على العلاقة الوثيقة بين السمع والمعالجة الحسية، وتبرز الحاجة إلى فهم أعمق لكيفية تأثير فقدان السمع على مختلف جوانب نمو الطفل. ومن خلال هذا الفهم، يمكن تطوير استراتيجيات تدخل أكثر فعالية تسهم في تحسين جودة حياة الأطفال وتمكينهم من التفاعل بشكل أفضل مع بيئتهم، مما يعزز من فرص نجاحهم على المستويين الأكاديمي والاجتماعي.

يمكن كذلك النظر إلى نتائج هذه الدراسة من زاوية تطبيقية، حيث تفتح المجال أمام تطوير برامج تدريبية موجهة تستهدف تحسين التكامل الحسي لدى الأطفال ذوي الإعاقات السمعية. فمثل هذه البرامج قد تركز على أنشطة تعزز التوازن، وتنمّي القدرة على دمج المعلومات الحسية المختلفة، وتدعم التنظيم الانفعالي. كما أن إدماج التقنيات الحديثة، مثل الألعاب التفاعلية والتدريب القائم على المحاكاة، قد يسهم في تحسين استجابة الأطفال وتحفيزهم للمشاركة. ومن المهم أيضًا تدريب المعلمين في المدارس على التعرف على مؤشرات اضطراب المعالجة الحسية، بحيث يتمكنون من تكييف البيئة الصفية بما يتناسب مع احتياجات هؤلاء الأطفال، مما يعزز فرص تعلمهم واندماجهم

 

المرجع:

Sensory processing disorders in children with hearing impairment: Implications for multidisciplinary approach and early intervention

https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/32521420/