الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

أنماط التعلّق لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد وكيفية تعويض النقص العاطفي

أنماط التعلّق لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد وكيفية تعويض النقص العاطفي 

ترجمة: أ. سما خالد

تُعدّ العلاقة العاطفية المبكرة بين الأطفال ومقدّمي الرعاية من أهم الأسس التي يقوم عليها النمو النفسي والاجتماعي، حيث تشكّل هذه العلاقة الإطار الذي يتعلّم من خلاله الأطفال فهم ذواتهم والتفاعل مع الآخرين. وقد تناول علم النفس هذا الجانب من خلال نظرية التعلّق التي وضع أسسها جون بولبي، ووسّعتها ماري اينسورث، حيث تشير هذه النظرية إلى أن استجابة مقدّمي الرعاية لاحتياجات الأطفال بشكل متّسق وحسّاس تسهم في بناء شعور بالأمان الداخلي، ينعكس لاحقًا على جودة العلاقات والقدرة على تنظيم الانفعالات.

عند النظر إلى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، تظهر طبيعة خاصة لأنماط التعلّق لديهم نتيجة الفروق النمائية المرتبطة بالتواصل الاجتماعي والمعالجة الحسية. هذه الفروق لا تعني غياب التعلّق، بل تشير إلى اختلاف في طرق التعبير عنه. فقد لا يستخدم الأطفال نفس الإشارات الاجتماعية المعتادة، مثل التواصل البصري أو الإيماءات، لكنهم قد يعبّرون عن التعلّق بطرق أخرى، مثل الاقتراب الجسدي، أو التفاعل ضمن أنشطة مفضلة، أو الالتزام بروتين معيّن يمنحهم الشعور بالأمان.

تتنوّع أنماط التعلّق إلى التعلّق الآمن، والتعلّق القلق، والتعلّق التجنّبي، والتعلّق غير المنظّم، ويمكن ملاحظة هذه الأنماط لدى الأطفال المشخّصين بطيف التوحد، ولكن بصور قد تكون غير تقليدية. يظهر التعلّق الآمن عندما يتمكّن مقدّمو الرعاية من فهم إشارات الأطفال—even وإن كانت غير مباشرة—والاستجابة لها بطريقة ثابتة وداعمة، مما يعزّز شعور الأطفال بالأمان ويشجّعهم على الاستكشاف والتفاعل. في هذا السياق، قد يُظهر الأطفال ارتباطهم من خلال البحث عن القرب أو الهدوء عند وجود مقدم الرعاية.

أما التعلّق القلق فقد يظهر في حالات عدم الاتساق في الاستجابة، حيث قد يُظهر الأطفال اعتمادًا مفرطًا أو صعوبة في الانفصال، مع حساسية عالية للتغيّرات في البيئة أو في سلوك مقدّمي الرعاية. وقد تتجلّى هذه الحالة في نوبات انفعالية أو توتر واضح عند الابتعاد عن الأشخاص المألوفين. في المقابل، قد يبدو التعلّق التجنّبي على شكل انسحاب أو قلة تفاعل، إلا أن هذا النمط يجب تفسيره بحذر، إذ قد يكون مرتبطًا بحساسية حسية أو إرهاق اجتماعي، وليس برفض للعلاقة بحد ذاتها. أما التعلّق غير المنظّم، فقد يرتبط بخبرات غير مستقرة أو ضاغطة، ويظهر في سلوكيات متناقضة أو صعوبة في التنبؤ بردود الفعل.

إن فهم هذه الأنماط يتطلب وعيًا عميقًا بطبيعة اضطراب طيف التوحد، والابتعاد عن التفسيرات السطحية التي قد تؤدي إلى سوء تقدير احتياجات الأطفال. فالكثير من السلوكيات التي قد تُفسَّر على أنها تجاهل أو انسحاب، هي في الحقيقة محاولات للتكيّف مع بيئة قد تكون مرهقة أو غير مفهومة. لذلك، فإن التعامل مع هذه السلوكيات يجب أن يكون من منطلق فهمها كوسائل تواصل تعبّر عن احتياجات داخلية.

فيما يتعلّق بتعويض النقص العاطفي، فإن الأمر يتطلب تدخلًا واعيًا قائمًا على الاستجابة الحساسة والمتّسقة. تبدأ هذه العملية من قدرة مقدّمي الرعاية على ملاحظة الإشارات الدقيقة التي يصدرها الأطفال، حتى وإن كانت غير تقليدية، والعمل على تفسيرها والتفاعل معها بطريقة تعزّز الشعور بالأمان. هذا النوع من التفاعل يساعد الأطفال على بناء نموذج داخلي إيجابي للعلاقات، ويعزّز ثقتهم في الآخرين.

كما يُعدّ تنظيم البيئة عاملًا مهمًا في دعم التفاعل العاطفي، خاصة لدى الأطفال الذين يعانون من حساسية مفرطة تجاه المثيرات. فتهيئة بيئة هادئة ومنظمة تقلّل من التوتر وتزيد من قدرة الأطفال على الانخراط في التفاعل الاجتماعي. وعند تقليل العوامل المزعجة، يصبح الأطفال أكثر استعدادًا للتواصل، مما يفتح المجال لبناء علاقات أكثر استقرارًا.

إضافة إلى ذلك، يُعتبر اللعب التفاعلي من أهم الوسائل لتعزيز التعلّق، حيث يوفّر سياقًا طبيعيًا للتواصل والتعبير عن المشاعر. من خلال اللعب، يمكن لمقدّمي الرعاية مشاركة الأطفال اهتماماتهم، والتفاعل معهم بطريقة ممتعة وغير ضاغطة، مما يعزّز الشعور بالقرب والانتماء. كما أن استخدام الأنشطة المفضلة لدى الأطفال يسهم في زيادة دافعيتهم للتفاعل.

ومن الجوانب الأساسية أيضًا دعم مهارات التنظيم الانفعالي، حيث إن الأطفال الذين يواجهون صعوبة في فهم مشاعرهم أو التعبير عنها قد يظهرون سلوكيات تُفسَّر بشكل خاطئ. يمكن تدريبهم على التعرف على المشاعر من خلال وسائل بصرية أو مواقف حياتية، إلى جانب نمذجة استجابات انفعالية مناسبة من قبل الكبار. هذا الدعم يساعد الأطفال على تطوير القدرة على التعامل مع مشاعرهم بطريقة أكثر توازنًا.

كما أن تعزيز مهارات التواصل، سواء كان لفظيًا أو باستخدام وسائل بديلة، يُعدّ عنصرًا مهمًا في تقليل الإحباط وزيادة فرص التفاعل الإيجابي. عندما يتمكّن الأطفال من التعبير عن احتياجاتهم بوضوح، تقلّ احتمالية ظهور سلوكيات ناتجة عن الإحباط، ويزداد شعورهم بالكفاءة والقدرة على التأثير في بيئتهم.

ولا يمكن إغفال دور العلاقة العلاجية، حيث إن وجود مختصين قادرين على بناء علاقة قائمة على الثقة والاتساق يُعدّ عنصرًا مهمًا في تعويض النقص العاطفي. فالعلاقة العلاجية لا تقتصر على تقديم الدعم، بل تشكّل نموذجًا لعلاقة آمنة يمكن للأطفال من خلالها تعلّم أنماط تفاعل جديدة. عندما يشعر الأطفال بالقبول والفهم، فإن ذلك ينعكس بشكل إيجابي على صورتهم الذاتية وعلى قدرتهم على بناء علاقات صحية.

إلى جانب ذلك، يلعب الوالدان دورًا محوريًا في هذا السياق، حيث إن تدريبهم على استراتيجيات التفاعل الفعّال يسهم بشكل كبير في تحسين جودة العلاقة مع الأطفال. فكلما كان مقدّمو الرعاية أكثر وعيًا باحتياجات الأطفال وأكثر قدرة على الاستجابة لها، زادت فرص بناء تعلّق آمن. كما أن الدعم النفسي للوالدين أنفسهم يُعدّ عاملًا مهمًا، إذ يساعدهم على التعامل مع الضغوط وتقديم رعاية أكثر اتزانًا.

وفي ضوء ما سبق، يتبيّن أن أنماط التعلّق لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد تتأثر بعوامل متعددة، منها طبيعة الاضطراب، وجودة التفاعل مع البيئة، ومستوى الوعي لدى مقدّمي الرعاية. ورغم التحديات، فإن الأطفال يمتلكون القدرة على بناء روابط عاطفية ذات معنى، إذا توفرت لهم بيئة داعمة واستجابات حساسة.

في الختام، فإن تعويض النقص العاطفي لدى الأطفال المشخّصين بطيف التوحد هو عملية مستمرة تتطلب فهمًا عميقًا وصبرًا وتعاونًا بين الأسرة والمختصين. ومن خلال تبنّي استراتيجيات قائمة على التفاعل الإيجابي، وتنظيم البيئة، وتعزيز مهارات التواصل والتنظيم الانفعالي، يمكن دعم الأطفال في بناء علاقات آمنة ومستقرة. هذا الدعم لا يسهم فقط في تحسين التفاعل الاجتماعي، بل ينعكس أيضًا على الصحة النفسية العامة، ويمنح الأطفال أساسًا قويًا للنمو والتكيّف مع متطلبات الحياة المختلفة.

 

المصادر (APA 7):

Ainsworth, M. D. S., Blehar, M. C., Waters, E., & Wall, S. (1978). Patterns of attachment: A psychological study of the strange situation. Hillsdale, NJ: Erlbaum.

Bowlby, J. (1969). Attachment and loss: Vol. 1. Attachment. New York, NY: Basic Books.

Main, M., & Solomon, J. (1990). Procedures for identifying infants as disorganized/disoriented during the Ainsworth Strange Situation. Attachment in the preschool years: Theory, research, and intervention, 121–160.

Rutgers, A. H., van IJzendoorn, M. H., Bakermans-Kranenburg, M. J., Swinkels, S. H., van Daalen, E., Dietz, C., … & van Engeland, H. (2004). Autism and attachment: A meta-analytic review. Journal of Child Psychology and Psychiatry, 45(6), 1123–1134. https://doi.org/10.1111/j.1469-7610.2004.00314. x

Siller, M., & Sigman, M. (2002). The behaviors of parents of children with autism predict the subsequent development of their children’s communication. Journal of Autism and Developmental Disorders, 32(2), 77–89.  https://doi.org/10.1023/A:1014893104627