ترجمة: أ. جنا الدوسري
يُعد الأداء الأكاديمي الضعيف أحد الظواهر المصاحبة الشائعة للأعراض المرتبطة باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، والتي تشمل قلة الانتباه، النشاط المفرط، والاندفاعية. وتثير هذه الظاهرة تساؤلات مهمة حول ما إذا كانت صعوبات التعلم لدى الأطفال المشخّصين بهذا الاضطراب تتشارك نفس الأصول المعرفية مع الأطفال الذين يعانون من صعوبات تعلم دون وجود ADHD. تهدف الدراسة الحالية إلى التحقيق في هذه العلاقة، وفهم ما إذا كانت أبعاد التفكير المعرفي والسلوك يمكن أن تميز بين الأطفال الذين يعانون من كليهما وبين أولئك الذين يواجهون صعوبات التعلم فقط.
شملت عينة الدراسة 163 طفلاً في سن المدرسة يعانون من صعوبات تعلم متنوعة، وُجد أن أكثر من ثلث هؤلاء الأطفال تم تشخيصهم أيضًا باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه. ركز البحث على تقييم قدرات الأطفال المعرفية، سلوكياتهم، ومستوى تحصيلهم الدراسي في مختلف المجالات. وقد تم تحديد ثلاثة أبعاد معرفية وثلاثة أبعاد سلوكية ميزت عينة الدراسة بشكل واضح.
أظهرت النتائج أن التعلم مرتبط بالأبعاد المعرفية بشكل متساوٍ للأطفال المشخّصين باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه وأولئك الذين لا يعانون منه. أي أن وجود ADHD لم يغير طبيعة العلاقة بين القدرات المعرفية والتحصيل الدراسي، بل ارتبط بشكل حصري بارتفاع مستويات أعراض ADHD ومشاكل التحكم في الانفعالات والسلوكيات الاندفاعية. هذا الاكتشاف يشير إلى أن الأبعاد المعرفية المسؤولة عن التعلم الأكاديمي تختلف عن الأبعاد السلوكية المرتبطة بالتحكم في الاندفاعات والانفعالات، وهو ما يُفسر طبيعة الصعوبات الأكاديمية والسلوكية بشكل منفصل لدى الأطفال المشخّصين بالاضطراب.
من الناحية المعرفية، ارتبطت الصعوبات الفونولوجية بالقصور في مجالات القراءة والرياضيات، في حين ارتبطت الضعف في القدرات غير اللفظية والوظائف التنفيذية بالمشكلات الرياضية بشكل أكثر تحديدًا. يمكن تفسير ذلك بأن الأطفال الذين يواجهون صعوبة في معالجة الأصوات والكلمات يواجهون تحديات مباشرة في مهارات القراءة والكتابة، بينما تؤثر محدودية قدراتهم في التفكير المكاني، الذاكرة العاملة غير اللفظية، والتحكم التنفيذي على قدرتهم على فهم وحل المسائل الرياضية. هذه العلاقة توضح أن صعوبات التعلم ليست حالة واحدة متجانسة، بل هي نتاج أبعاد معرفية متعددة ومتنوعة.
تأخذ صعوبات التعلم أشكالًا متعددة. فقد يعجز بعض الأطفال عن تعلم القراءة والكتابة بالسرعة المتوقعة، أو يفشلون في فهم النصوص المكتوبة بشكل صحيح، أو يجدون صعوبة في استيعاب المفاهيم العددية وتطوير مهارات كافية في الحساب والمجالات الرياضية الأكثر تعقيدًا. وعندما تترافق هذه الصعوبات مع ADHD، يظهر الأطفال مجموعة مزدوجة من التحديات: تحديات معرفية تتعلق بالتعلم، وتحديات سلوكية تتعلق بالتحكم في الانفعالات والاندفاع.
يُعرَّف اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه بأنه حالة نفسية قائمة على ملاحظة السلوكيات، والتي تتضمن قلة الانتباه، صعوبة انتظار الدور، ضعف التنظيم الشخصي، وفرط النشاط المفرط، بحيث تُعد هذه السلوكيات غير طبيعية وتظهر في أكثر من سياق أو بيئة. تشير الدراسات إلى وجود ارتباط مرتفع بين ADHD وصعوبات التعلم. ففي إحدى الدراسات على الأطفال في الولايات المتحدة، وجد أن نسبة كبيرة من الأطفال المشخّصين بـADHD يعانون أيضًا من صعوبات تعلم، والعكس صحيح أيضًا، حيث أن العديد من الأطفال الذين لديهم صعوبات تعلم محددة يستوفون معايير ADHD. هذا الارتباط يفوق بكثير ما يمكن توقعه بالصدفة، مما يؤكد وجود علاقة قوية بين الاضطرابين.
سعت الدراسة الحالية لتوضيح ما إذا كانت الأبعاد المعرفية والسلوكية يمكن أن تميز الأطفال الذين يعانون من كلا الحالتين، مقارنةً بالأطفال الذين يواجهون صعوبات التعلم فقط. وتفترض أربعة نماذج محتملة لهذه العلاقة. النموذج الأول يفترض أن ADHD يحمل معه قابلية للإصابة بالقصور المعرفية التي تشكل، كما هو الحال لدى الأطفال غير المشخّصين بالاضطراب، عوامل خطر لمشكلات تعلم محددة. على سبيل المثال، ارتبطت صعوبات القراءة بسرعة معالجة بطيئة، ضعف المهارات الفونولوجية، وضعف الذاكرة قصيرة المدى والذاكرة العاملة للمواد اللفظية. أما صعوبات الرياضيات، فقد ارتبطت أكثر بالقصور في الذاكرة العاملة المكانية-البصرية، بالإضافة إلى ضعف الوظائف التنفيذية مثل ضعف السيطرة على الاندفاعات والتخطيط. إذا كان هذا القصور المعرفي مستقلاً عن مستوى أعراض ADHD، فإن الأطفال المشخّصين بكليهما من المتوقع أن يشبهوا الأطفال غير المشخّصين بالاضطراب الذين يعانون من صعوبات تعلم من حيث الخصائص المعرفية، وأن يختلفوا فقط من حيث تكرار سلوكيات ADHD، والتي ستكون مستقلة عن نتائج التعلم.
يعكس هذا الاكتشاف أهمية النظر إلى صعوبات التعلم وADHD كحالتين متداخلتين ولكن مستقلتين في جوهرهما. فبينما تشترك بعض الأبعاد المعرفية في التأثير على التحصيل الأكاديمي بغض النظر عن وجود ADHD، ترتبط الأعراض السلوكية بشكل خاص بالتحكم في الانفعالات والسلوكيات الاندفاعية. هذا التمييز يفسر سبب وجود بعض الأطفال الذين يعانون من صعوبات التعلم الشديدة دون أي أعراض ملحوظة لفرط الحركة أو الاندفاعية، في حين أن البعض الآخر يظهران تحديات مزدوجة تشمل كلاً من التعلم والتحكم السلوكي.
من الناحية العملية، توفر نتائج الدراسة إطارًا لفهم أعمق لصعوبات التعلم المصاحبة لـADHD، وتوضح أن التدخلات يجب أن تكون متعددة الأبعاد. على سبيل المثال، تحسين المهارات الفونولوجية والذاكرة العاملة اللفظية قد يكون له تأثير مباشر على تحسين الأداء في القراءة والكتابة، بينما تطوير القدرات المكانية، التخطيط، والوظائف التنفيذية قد يدعم التحصيل الرياضي. في الوقت نفسه، ينبغي أن تتضمن برامج التدخل استراتيجيات لإدارة الاندفاع والتحكم العاطفي للأطفال المشخّصين بالاضطراب، لضمان دمج التعلم الأكاديمي مع تعزيز السلوكيات التنظيمية والانفعالية.
كما تسلط الدراسة الضوء على أهمية تقييم الأطفال بشكل شامل، بحيث لا يُختزل التقييم فقط في تحديد وجود ADHD أو صعوبات التعلم، بل يُؤخذ في الاعتبار نطاق القدرات المعرفية والسلوكيات المختلفة. هذا النهج يسمح بمقاربة فردية ومخصصة لكل طفل، مما يزيد من فرص نجاح التدخلات التعليمية والنفسية. علاوة على ذلك، فإن فهم العلاقة بين الأبعاد المعرفية والسلوكية يساعد في تطوير استراتيجيات دعم تعزز من المهارات الأكاديمية وتقلل من التحديات السلوكية المصاحبة.
باختصار، تظهر الدراسة أن صعوبات التعلم وADHD تتسمان بأبعاد مستقلة تؤثر على التحصيل الأكاديمي والتحكم في الانفعالات والسلوكيات الاندفاعية على التوالي. بينما ترتبط المشكلات الفونولوجية والوظائف التنفيذية المعرفية بالتعلم الأكاديمي، يرتبط ADHD بزيادة الأعراض السلوكية فقط. هذا التمييز مهم للتخطيط التعليمي والعلاجي، حيث يتيح وضع استراتيجيات متعددة الأبعاد تراعي كلا الجانبين: التعليمي والسلوكي. إن معالجة هذه الأبعاد بشكل منفصل ومتكامل تضمن دعم الأطفال المشخّصين بأقصى قدر من الفعالية، وتعزز من فرص تحقيق الأداء الأكاديمي الأمثل، مع إدارة التحديات السلوكية بشكل مناسب.
كخاتمة، تؤكد هذه الدراسة على أن فهم العلاقة بين صعوبات التعلم وADHD يتطلب التركيز على الأبعاد المعرفية والسلوكية بشكل مستقل، وأن التدخلات التعليمية والنفسية يجب أن تكون متكاملة ومخصصة لكل طفل. إن اعتماد هذا النهج يسهم في تحسين تحصيل الأطفال الأكاديمي، ويعزز من قدرتهم على التحكم في سلوكياتهم وانفعالاتهم، بما يتيح لهم التكيف بنجاح مع البيئة التعليمية والاجتماعية المحيطة.
المرجع:
Cognition and behaviour in learning difficulties and ADHD: A dimensional approach
https://www.biorxiv.org/content/10.1101/260265v1.full





