ترجمة: أ. سما خالد
تُعدّ الثقة بالنفس من الركائز الأساسية في النمو النفسي والاجتماعي السليم لدى الأطفال، إذ ترتبط بإحساسهم بالكفاءة، وقدرتهم على المبادرة، واستعدادهم لخوض التجارب الجديدة، ومثابرتهم عند مواجهة التحديات. وعند الحديث عن الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، فإن تنمية الثقة بالنفس تأخذ بعدًا أكثر عمقًا؛ نظرًا لما قد يواجهه هؤلاء الأطفال من صعوبات في التواصل الاجتماعي، وفهم الإشارات غير اللفظية، والمرونة السلوكية، وتنظيم المدخلات الحسية. هذه التحديات قد تعرّضهم لخبرات متكررة من الإحباط أو سوء الفهم، مما قد ينعكس سلبًا على تقديرهم لذواتهم إن لم يتم التدخل بصورة واعية ومنهجية.
إن الثقة بالنفس لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد لا تعني تجاهل الصعوبات النمائية أو التقليل من شأنها، بل تعني بناء إدراك واقعي ومتوازن للقدرات، وتعزيز الشعور بالقيمة الذاتية بغضّ النظر عن الفروق الفردية. فهؤلاء الأطفال، كغيرهم، يحتاجون إلى أن يشعروا بأنهم مقبولون، مفهومون، وقادرون على النجاح بطريقتهم الخاصة.
أولًا، يبدأ بناء الثقة بالنفس من بيئة آمنة نفسيًا. فالاستجابات الوالدية المتفهمة، التي تفسّر السلوك ضمن إطار نمائي بدلاً من اعتباره تقصيرًا أو تحديًا متعمدًا، تُرسّخ لدى الأطفال شعورًا بالأمان. وعندما يشعر الأطفال بأن احتياجاتهم الحسية أو الاجتماعية تُحترم، تقلّ لديهم مستويات القلق الدفاعي، ويزداد استعدادهم للمبادرة. إن الأمان النفسي يشكّل الأرضية التي تُبنى عليها جميع مكونات الثقة بالنفس.
ثانيًا، يُعدّ التركيز على نقاط القوة عنصرًا محوريًا. فكثير من الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد يمتلكون قدرات نوعية في مجالات محددة، مثل الذاكرة البصرية، أو التفكير المنطقي، أو الاهتمام بالتفاصيل الدقيقة، أو المهارات التقنية والفنية. وعندما يتم استثمار هذه القدرات عبر أنشطة منظمة تتيح لهم إظهار كفاءتهم، يتعزّز لديهم مفهوم الكفاءة الذاتية. وتشير الأدبيات النفسية إلى أن الشعور بالإنجاز المتكرر—even في مجالات محددة—يسهم في تكوين صورة إيجابية عن الذات تمتد تدريجيًا إلى مجالات أخرى.
ثالثًا، إن التعليم المنهجي للمهارات الاجتماعية يُقلّل من احتمالية تعرّض الأطفال لخبرات الرفض أو العزلة، مما يدعم ثقتهم بأنفسهم. فعبر التدريب على مهارات بدء الحوار، وتبادل الأدوار، وفهم تعابير الوجه، والتعرّف إلى قواعد اللعب الجماعي، يكتسب الأطفال أدوات عملية تمكّنهم من التفاعل الناجح. وكل تجربة اجتماعية إيجابية تُعزّز لديهم الشعور بالقدرة والانتماء. والانتماء الاجتماعي، من منظور علم النفس الإيجابي، يُعدّ أحد العوامل الأساسية في بناء تقدير الذات.
رابعًا، يُسهم تعزيز الاستقلالية في ترسيخ الثقة بالنفس. فإتاحة الفرصة للأطفال لاتخاذ قرارات يومية مناسبة لأعمارهم، مثل اختيار الأنشطة أو تنظيم أدواتهم أو المشاركة في التخطيط لروتينهم، يمنحهم إحساسًا بالتحكم والسيطرة الإيجابية. في المقابل، قد تؤدي الحماية الزائدة أو التدخل المستمر إلى ترسيخ شعور ضمني بالعجز. إن التوازن بين الدعم وإتاحة الفرص للاستقلال يُعدّ من أدق المهارات التربوية التي تؤثر مباشرة في صورة الذات.
خامسًا، ينبغي إعادة صياغة مفهوم الخطأ داخل البيئة الأسرية والمدرسية. فالأطفال المشخّصون باضطراب طيف التوحد قد يكونون أكثر حساسية للنقد، خاصة إذا تراكمت لديهم تجارب فشل سابقة. لذلك، فإن تقديم تغذية راجعة تركز على الجهد المبذول، واستخدام لغة داعمة غير مقارنة بالآخرين، يساعد في ترسيخ عقلية النمو. وعندما يدرك الأطفال أن الخطأ جزء طبيعي من عملية التعلم، تتعزز لديهم الجرأة على المحاولة دون خوف مفرط من الفشل.
سادسًا، يُعدّ التنظيم الانفعالي مكوّنًا جوهريًا في بناء الثقة بالنفس. فالعجز عن إدارة المشاعر القوية قد يولّد شعورًا بفقدان السيطرة، مما ينعكس سلبًا على صورة الذات. ويمكن تعليم مهارات التنظيم الانفعالي عبر استراتيجيات عملية مثل تمارين التنفّس، والجداول البصرية لتصنيف المشاعر، واستخدام زوايا هادئة للتهدئة الذاتية. ومع تراكم الخبرات التي ينجح فيها الأطفال في ضبط انفعالاتهم، يتعزز لديهم الإحساس بالقدرة الداخلية.
سابعًا، يلعب الدمج المدرسي الداعم دورًا حاسمًا في تشكيل صورة الذات. فالبيئة التعليمية التي تتبنى مفهوم التنوع العصبي، وتوفر تعديلات مناسبة، وتعمل على توعية الطلبة بالفروق الفردية، تخلق سياقًا يشعر فيه الأطفال بالأمان والانتماء. إن شعور الأطفال بأنهم جزء مقبول من الجماعة المدرسية يقلل من احتمالية تشكّل صورة ذاتية سلبية قائمة على المقارنة المستمرة.
ثامنًا، يُعدّ استخدام التعزيز الإيجابي المنظّم من الاستراتيجيات الفعّالة في دعم الثقة بالنفس. فعندما يتم تعزيز السلوكيات المرغوبة فور حدوثها، وربطها بعبارات محددة توضّح السلوك الذي تم تقديره، يصبح لدى الأطفال وعي أوضح بقدراتهم. هذا النوع من التعزيز يختلف عن المديح العام؛ إذ يركّز على سلوك محدد وقابل للتكرار، مما يعزز الشعور بالكفاءة الواقعية.
تاسعًا، إن تعريف الأطفال بمفهوم الاختلاف بوصفه تنوعًا وليس نقصًا يُعدّ خطوة معرفية مهمة. فحين يتم توعيتهم بأسلوب مبسّط حول طبيعة اضطراب طيف التوحد، وشرح نقاط القوة المرتبطة به، تتكوّن لديهم رواية داخلية أكثر إيجابية عن ذواتهم. هذه الرواية المعرفية تسهم في تقليل الوصمة الذاتية، وتدعم التقبّل الداخلي.
عاشرًا، لا يمكن إغفال دور النماذج الإيجابية. فعندما يتعرّف الأطفال على قصص لأشخاص بالغين يشاركونهم التشخيص وحققوا نجاحات أكاديمية أو مهنية أو إبداعية، فإنهم يوسّعون تصورهم لإمكاناتهم المستقبلية. رؤية هذه النماذج تساعدهم على إدراك أن الاختلاف لا يحدّد سقف الطموح.
وأخيرًا، فإن تنمية الثقة بالنفس لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد هي عملية تراكمية تتطلب صبرًا واستمرارية وتنسيقًا بين الأسرة والمدرسة والمتخصصين. فهي لا تتحقق عبر عبارات تشجيعية عابرة، بل عبر خبرات يومية متكررة من النجاح، والتقبّل غير المشروط، والدعم المنهجي. إن الهدف ليس إزالة جميع التحديات، بل تمكين الأطفال من مواجهتها وهم يشعرون بقيمتهم وقدرتهم على التعلّم والنمو.
إن الاستثمار في بناء الثقة بالنفس لدى هؤلاء الأطفال ينعكس على صحتهم النفسية طويلة المدى، ويقلّل من مخاطر القلق والاكتئاب المرتبطين بالشعور بالدونية أو العزلة. وعندما نوفّر لهم بيئات داعمة تعترف بقدراتهم وتحتفي بتنوعهم، فإننا نُسهم في إعداد أفراد واثقين بأنفسهم، قادرين على المشاركة الفاعلة في مجتمعاتهم، ومؤمنين بأن اختلافهم جزء من ثرائهم الإنساني وليس عائقًا أمام نجاحهم.
American Psychiatric Association. (2022). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed., text rev.; DSM-5-TR). American Psychiatric Publishing.
Bandura, A. (1997). Self-efficacy: The exercise of control. W. H. Freeman.
Bauminger, N., Shulman, C., & Agam, G. (2003). Peer interaction and loneliness in high-functioning children with autism. Journal of Autism and Developmental Disorders, 33(5), 489–507. https://doi.org/10.1023/A:1025827427901
Koegel, R. L., Vernon, T. W., & Koegel, L. K. (2009). Improving social initiations in young children with autism using reinforcers with embedded social interactions. Journal of Autism and Developmental Disorders, 39(9), 1240–1251. https://doi.org/10.1007/s10803-009-0732-5
Leaf, J. B., McEachin, J., Taubman, M., & Leaf, R. (2016). Applied behavior analysis is a science and, therefore, progressive. Springer.
White, S. W., Ollendick, T., & Bray, B. C. (2011). College students on the autism spectrum: Prevalence and associated problems. Autism, 15(6), 683–701. https://doi.org/10.1177/1362361310393363
Denham, S. A., Bassett, H. H., & Wyatt, T. (2007). The socialization of emotional competence. Developmental Psychology, 43(2), 238–256. https://doi.org/10.1037/0012-1649.43.2.238





