ترجمة: أ. نوره الدوسري
تناولت دراسة حديثة نُشرت في مجلة علمية متخصصة في أبحاث اضطراب طيف التوحد موضوعًا دقيقًا يرتبط بطريقة التعبير عن المشاعر من خلال تعابير الوجه لدى المشخّصين باضطراب طيف التوحد مقارنة بغير المشخّصين. تسعى هذه الدراسة إلى الإجابة عن سؤال مهم يشغل كثيرًا من الأهالي والمهتمين: هل يختلف المشخّصون باضطراب طيف التوحد في مشاعرهم ذاتها، أم أن الاختلاف يكمن في طريقة التعبير عنها فقط؟
كثيرًا ما ترتبط باضطراب طيف التوحد تصورات نمطية تشير إلى أن الأفراد المشخّصين قد يبدون أقل تعبيرًا عن مشاعرهم، أو أن وجوههم تبدو “محايدة” أو “غير منفعلة”. غير أن هذه الدراسة حاولت الابتعاد عن الأحكام النمطية , والانتقال إلى تحليل علمي دقيق للحركة والزمن المرتبطين بتعابير الوجه. فقد استخدم الباحثون أدوات رقمية متقدمة تقيس التغيرات الدقيقة في عضلات الوجه، مما يسمح بفهم أعمق لكيفية تشكّل التعبير الوجهي لحظة بلحظة.
اعتمدت الدراسة على مجموعتين من المشاركين: مجموعة من المشخّصين باضطراب طيف التوحد، ومجموعة من غير المشخّصين. طُلب من جميع المشاركين التعبير عن مشاعر أساسية مثل الفرح، والحزن، والغضب، والمفاجأة، في مواقف منظمة ومضبوطة. ثم جرى تسجيل تعابير وجوههم باستخدام تقنيات تصوير دقيقة، وتحليلها من حيث عدة أبعاد، منها سرعة بدء التعبير، والزمن الذي يستغرقه للوصول إلى ذروته، ومدته الكلية، وشدة الحركة العضلية، ومدى التناسق بين جانبي الوجه.
أظهرت النتائج أن المشخّصين باضطراب طيف التوحد يعبرون بالفعل عن المشاعر المطلوبة، إلا أن نمط التعبير يختلف في بعض الجوانب الزمنية والحركية. فعلى سبيل المثال، قد يستغرق التعبير لديهم وقتًا أطول قليلًا ليبدأ أو ليصل إلى أقصى درجة له. كما قد تكون الحركة أقل سلاسة أو أكثر تقطعًا مقارنة بغير المشخّصين. وفي بعض الحالات، لوحظ اختلاف بسيط في درجة التناسق بين جانبي الوجه، وهو عامل يؤثر في كيفية إدراك الآخرين للتعبير.
من المهم التأكيد على أن هذه الفروق لا تعني غياب المشاعر أو ضعفها. فالدراسة لم تجد دليلاً على أن المشخّصين باضطراب طيف التوحد يشعرون بمشاعر أقل أو أضعف، بل تشير النتائج إلى أن الاختلاف يكمن في “كيفية” ظهور المشاعر على الوجه، وليس في وجودها. هذا التمييز أساسي، لأنه يساعد على تصحيح كثير من المفاهيم الخاطئة المرتبطة باضطراب طيف التوحد.
تفسر الدراسة هذه الفروق المحتملة بوجود اختلافات عصبية في معالجة المعلومات الحسية والاجتماعية والحركية. فإنتاج التعبير الوجهي عملية معقدة تتطلب تنسيقًا بين مناطق متعددة في الدماغ مسؤولة عن فهم الموقف الاجتماعي، واستحضار الشعور المناسب، وتحريك العضلات الوجهية بدقة وسرعة. أي اختلاف طفيف في هذا النظام قد يؤدي إلى نمط تعبيري مختلف، دون أن يعني ذلك وجود خلل في العاطفة نفسها.
كما تطرقت الدراسة إلى مفهوم “عدم التطابق التعبيري”، أي الحالة التي قد لا يتطابق فيها التعبير الظاهر على الوجه تمامًا مع الشعور الداخلي في توقيته أو شدته. هذا المفهوم لا يقتصر على المشخّصين باضطراب طيف التوحد، لكنه قد يكون أكثر وضوحًا لديهم بسبب الفروق العصبية المرتبطة بالتنظيم الحركي والاجتماعي. ونتيجة لذلك، قد يسيء الآخرون تفسير تعابيرهم، فيُنظر إليهم على أنهم غير مهتمين أو غير متفاعلين، بينما الواقع قد يكون مختلفًا تمامًا.
بالنسبة للأهالي، تقدم هذه النتائج رسالة تطمينية مهمة. فإذا بدا أن الطفل أو الشاب المشخّص باضطراب طيف التوحد لا يُظهر مشاعره بالطريقة المتوقعة اجتماعيًا، فهذا لا يعني أنه لا يشعر بها. قد يحتاج ببساطة إلى وقت أطول ليعبر، أو قد تكون تعابيره أقل وضوحًا في نظر الآخرين. لذلك من المفيد التركيز على إشارات متعددة لفهم مشاعره، مثل نبرة الصوت، أو الكلمات التي يستخدمها، أو سلوكه العام، بدل الاعتماد الحصري على تعبير الوجه.
أما في البيئة المدرسية أو العلاجية، فإن فهم هذه الفروق يساعد المعلمين والأخصائيين على تجنب التفسيرات الخاطئة. فقد يُساء تفسير بطء التعبير أو محدودية الحركة على أنه عدم اهتمام، بينما هو في الواقع نمط تعبيري مختلف. إن إدراك هذا الأمر يعزز بيئة أكثر تفهمًا، ويشجع على استخدام استراتيجيات دعم تراعي الفروق الفردية، مثل التدريب التدريجي على الوعي بالتعبير الوجهي، أو استخدام الفيديو والتغذية الراجعة المرئية بطريقة داعمة وغير ضاغطة.
تؤكد الدراسة كذلك أهمية استخدام أدوات قياس موضوعية عند دراسة التعبير الوجهي، بدلاً من الاعتماد فقط على الانطباعات الشخصية. فالانطباع قد يتأثر بتوقعات مسبقة أو تصورات نمطية، بينما تسمح التقنيات الرقمية بتحليل أدق للحركة والزمن، مما يوفر بيانات أكثر عدالة ودقة. هذا التوجه يعزز البحث العلمي القائم على الأدلة، ويدعم تطوير تدخلات مبنية على فهم حقيقي للفروق.
من الناحية الاجتماعية الأوسع، تسهم هذه النتائج في تعزيز مفهوم التنوع العصبي، الذي يدعو إلى تقبل الاختلافات العصبية بوصفها جزءًا من التنوع البشري الطبيعي. فبدلاً من اعتبار الاختلاف في نمط التعبير قصورًا يجب تصحيحه بالكامل، يمكن النظر إليه كنمط تواصل مختلف يحتاج إلى فهم متبادل. عندما يدرك المجتمع أن طريقة التعبير قد تختلف دون أن يعني ذلك غياب الشعور، يصبح التواصل أكثر إنصافًا وعمقًا.
ختامًا، توضح هذه الدراسة أن تعابير الوجه لدى المشخّصين باضطراب طيف التوحد تحمل مشاعر حقيقية وصادقة، لكنها قد تظهر بإيقاع زمني مختلف أو بحركة عضلية تختلف في بعض التفاصيل. إن فهم هذه الفروق يساعد على تقليل سوء الفهم الاجتماعي، ويدعم علاقات أكثر دفئًا وتفهّمًا داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع. فالمشاعر موجودة، لكن قراءتها قد تحتاج إلى وعي أعمق وعدسة أكثر حساسية. وعندما نتعلم أن نقرأ هذه الفروق دون أحكام مسبقة، نخطو خطوة مهمة نحو تواصل أكثر إنسانية وعدالة واحترامًا للتنوع.
المرجع
Mismatching Expressions: Spatiotemporal and Kinematic Differences in Autistic and Non-Autistic Facial Expressions
https://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1002/aur.70157





