ترجمة: أ. جنا الدوسري
هدفت هذه الدراسة إلى تطوير برنامج تعليمي يعتمد على مبدأ التكامل الحسي بهدف معالجة وتقليل الصعوبات المرتبطة بالإدراك البصري لدى الأطفال الذين يعانون من صعوبات التعلم النمائي. تُعتبر الصعوبات في الإدراك البصري من أبرز المشكلات التي تؤثر على قدرة الطفل على التفاعل مع البيئة المحيطة به، وفهم العلاقات بين الأشياء، وتنفيذ المهام اليومية البسيطة والمعقدة، سواء في السياق التعليمي أو الاجتماعي. ومن هنا، برزت أهمية البحث عن أساليب تعليمية وعلاجية مبتكرة، ترتكز على تعزيز الحواس وتنمية مهارات الدماغ الحسية، بما يساعد على تحسين قدرات الطفل الإدراكية بشكل شامل.
اختارت الباحثة عينة صغيرة مركزة لتجربة البرنامج بشكل دقيق، حيث شملت خمسة أطفال من مرحلة الروضة الثانية، تتراوح أعمارهم بين ست وسبعة سنوات تقريبًا، من إحدى المدارس الرسمية في محافظة القاهرة. جاء اختيار هذه الفئة العمرية بهدف استغلال المرونة النمائية في هذه المرحلة، إذ أن الأطفال في سن الروضة يكون لديهم استعداد كبير لتلقي البرامج العلاجية والتعليمية المرتبطة بالحواس والتعلم الحسي، كما أنهم أكثر قابلية للاستجابة للتدخلات المبكرة التي قد تترك أثرًا طويل الأمد على قدراتهم الإدراكية.
اعتمدت الباحثة في منهجيتها على الأسلوب شبه التجريبي، وهو أسلوب مناسب لدراسة أثر البرامج التعليمية على مجموعة محددة من المشاركين مع مراقبة تأثيرات البرنامج قبل وبعد تطبيقه. وقد ركزت الدراسة على قياس تأثير البرنامج على أبعاد صعوبات الإدراك البصري، من خلال تقييم قدرات الأطفال قبل بدء البرنامج، أثناء التطبيق، وبعد انتهاء البرنامج بفترة زمنية محددة لمراقبة ثبات النتائج واستمراريتها.
أظهرت نتائج الدراسة وجود فرق واضح وملحوظ بعد تطبيق البرنامج، حيث لاحظت الباحثة تحسنًا كبيرًا في مستويات الأطفال على مقياس الإدراك البصري. هذا التحسن لم يقتصر على مستوى المهارات البصرية فقط، بل شمل أيضًا القدرة على معالجة المعلومات البصرية، تمييز الأشكال، الربط بين الأشياء والرموز، وفهم العلاقات المكانية، وهي مهارات أساسية تؤثر على التعلم اليومي للطفل، بما في ذلك القراءة والكتابة وحل المشكلات البسيطة والمعقدة. ومن اللافت أن الدراسة أظهرت أيضًا استمرارية هذا التحسن لفترة بعد انتهاء البرنامج، مما يدل على أن البرنامج ليس مجرد تأثير مؤقت، بل يترك أثرًا ملموسًا يمتد لأسابيع بعد التطبيق المباشر.
واستند البرنامج إلى فلسفة التكامل الحسي، التي تؤكد أن تطوير القدرات الحسية للطفل يعزز من مهاراته الإدراكية بشكل عام. يتضمن البرنامج سلسلة من الأنشطة والتمارين التي تستهدف الحواس المختلفة، مثل البصر، اللمس، الحركة، والتوازن، مع التركيز على كيفية معالجة الدماغ لهذه المحفزات الحسية وربطها بالمهارات الإدراكية والمعرفية. وقد أظهرت نتائج التطبيق أن الأطفال المشاركين أصبحوا أكثر قدرة على الانتباه للتفاصيل البصرية، والتعرف على الأنماط، وتمييز الألوان والأشكال المختلفة بشكل أسرع وأكثر دقة مقارنة بالفترة التي سبقت البرنامج. كما لوحظ تحسن في مستوى التركيز لدى الأطفال أثناء أداء المهام المرتبطة بالإدراك البصري، بالإضافة إلى انخفاض مشاعر الإحباط أو القلق المرتبطة بعدم القدرة على فهم أو معالجة المعلومات البصرية.
واستخلصت الباحثة من هذه النتائج عددًا من التوصيات العملية التي تهدف إلى تعزيز أثر البرنامج وتوسيع استخدامه على نطاق أوسع. أول هذه التوصيات هو تدريب المعلمين والمشرفين والمختصين الاجتماعيين العاملين في رياض الأطفال على كيفية تطوير برامج تدريبية تعتمد على التكامل الحسي، وتكون مصممة خصيصًا للتعامل مع المشكلات المرتبطة بالإدراك البصري لدى الأطفال ذوي صعوبات التعلم النمائي. يشمل هذا التدريب فهم طبيعة الصعوبات الإدراكية المختلفة، طرق قياس الأداء والتقدم، واستخدام أنشطة حسية محفزة تساعد الأطفال على تنمية قدراتهم بشكل فعال وآمن.
كما أوصت الدراسة بعقد ورش عمل وندوات تثقيفية لأولياء الأمور، وخصوصًا للأمهات اللواتي لديهن أطفال يعانون من صعوبات في الإدراك البصري. تهدف هذه الندوات إلى توعية الأسر بحاجات أطفالهم، وتمكين الأمهات من تقديم الدعم اليومي المناسب في المنزل، سواء من خلال توفير بيئة غنية بالمحفزات البصرية أو عبر ممارسة أنشطة حسية بسيطة لكنها فعالة. فالمشاركة النشطة للأسرة تعتبر عنصرًا حيويًا في دعم نجاح البرامج العلاجية والتعليمية للأطفال، وتعزز من قدرة الطفل على التعلم خارج نطاق المدرسة.
بالإضافة إلى ذلك، أكدت الدراسة على أهمية إشراك المتخصصين النفسيين والمعلمين في تصميم برامج تدريبية مخصصة، بحيث تكون الأنشطة مرنة ومتدرجة، وتراعي الفروق الفردية بين الأطفال من حيث القدرات والاحتياجات. يمكن أن تتضمن هذه البرامج سلسلة من التمارين العملية التي تنمي مهارات التمييز البصري، الترتيب والتصنيف، وحل المشكلات البصرية البسيطة والمعقدة، بما يهيئ الطفل بشكل أفضل للمراحل التعليمية اللاحقة، ويقلل من المعوقات التي قد تواجهه في التعلم الأكاديمي أو التفاعل الاجتماعي.
وتشير الدراسة أيضًا إلى أن دمج الأساليب الحسية المتنوعة في التعليم المبكر له تأثير طويل الأمد، حيث يسهم في تعزيز الأداء الإدراكي بشكل عام، وليس فقط مهارات الإدراك البصري. فالأنشطة التي تعتمد على الحواس المختلفة تتيح للطفل فرصة التعلم من خلال التجربة، وتساعد الدماغ على معالجة المعلومات بطريقة متكاملة ومرنة، مما يدعم التطور الشامل للطفل ويزيد من ثقته بنفسه وقدرته على مواجهة تحديات التعلم اليومية.
في الختام، تؤكد هذه الدراسة على الدور الحاسم الذي تلعبه برامج التكامل الحسي في تحسين القدرات الإدراكية للأطفال ذوي صعوبات التعلم النمائي، وعلى أهمية توفير بيئة تعليمية متكاملة تشمل المعلم، الأسرة، والمتخصصين، بحيث يتم تصميم الأنشطة بما يتناسب مع احتياجات كل طفل. كما تؤكد على أن التدخل المبكر والمستمر، مع دعم الأسرة والمجتمع التعليمي، يمكن أن يحدث فرقًا كبيرًا في حياة الأطفال، ويسهم في تمكينهم من تحقيق إمكاناتهم الكاملة، سواء على الصعيد الأكاديمي أو الاجتماعي.
يمكن القول أن هذه الدراسة تمثل نموذجًا واضحًا لكيفية دمج العلاج التربوي والحسي في التعليم المبكر للأطفال ذوي صعوبات التعلم، مع تقديم توصيات عملية قابلة للتطبيق على مستوى المدارس والبرامج التعليمية المختلفة، بما يعزز من فرص هؤلاء الأطفال في التعلم والنمو بطريقة صحية ومتوازنة.
كما ركزت الدراسة على أهمية متابعة الأطفال بعد تطبيق البرنامج لفترات زمنية مختلفة للتأكد من استمرارية النتائج الإيجابية، إذ أن التدخلات المبكرة تصبح أكثر فعالية عندما يتم دعمها بمتابعة مستمرة، وتقييم دوري للمهارات المكتسبة، مما يتيح تعديل الأنشطة حسب الحاجة ويعزز من قدرة الطفل على تطبيق ما تعلمه في بيئات مختلفة، سواء في المدرسة أو المنزل، وبالتالي تحقيق تكامل حسي وإدراكي طويل الأمد يدعم التطور الشخصي والمعرفي للطفل.
المرجع:
Effectiveness of a program based on Sensory Integration to reduce some of the Visual Perception Difficulties |
https://journals.ekb.eg/article_201041.html





