ترجمة: أ. جنا الدوسري
الأطفال الذين يعانون من اضطرابات النمو العصبي غالبًا ما يظهرون أنماطًا غير تقليدية في معالجة الحواس، وهو ما يمكن أن يؤثر بشكل مباشر على قدراتهم الإدراكية، وعواطفهم، وسلوكياتهم، وكذلك مشاركتهم الاجتماعية اليومية. يمثل هذا الجانب الحسي أحد العناصر الأساسية التي تحدد كيف يتفاعل الطفل مع بيئته، وكيف يتعلم، وكيف ينظم مشاعره. لذلك، أصبح من الضروري تطوير فهم شامل للتجارب الحسية لدى هؤلاء الأطفال، يتجاوز الأساليب التقليدية المعزولة ويركّز على تكامل المعرفة من مجالات متعددة.
تتناول هذه الدراسة إطارًا متكاملًا يجمع بين علوم الأعصاب وعلم النفس والتربية والتقنيات الرقمية الحديثة لتقديم تدخلات شخصية قابلة للتوسع، أي يمكن تكييفها لتلائم احتياجات كل طفل على حدة مع إمكانية تطبيقها على نطاق واسع. الفكرة الأساسية هنا هي الجمع بين الاستراتيجيات العلاجية التقليدية مثل العلاج الحسي، وبرامج التربية الخاصة، مع ابتكارات تكنولوجية حديثة مثل المستشعرات القابلة للارتداء، والذكاء الاصطناعي، والبيئات الافتراضية التفاعلية. هذه المقاربة لا تهدف فقط إلى تحسين نتائج العلاج الفردي، بل تهدف أيضًا إلى خلق حلول شاملة تدعم دمج الأطفال في البيئات التعليمية والمجتمعية بطريقة عادلة وفعّالة.
اضطرابات النمو العصبي، مثل التوحد، واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، وصعوبات التعلم، والإعاقات الفكرية، تشكّل تحديًا كبيرًا على مستوى الصحة العامة والتعليم. فهي تتسم باضطرابات مبكرة في الوظائف الإدراكية والعاطفية والسلوكية، بالإضافة إلى صعوبات في التكيف مع الحياة اليومية. ومن أبرز هذه الاضطرابات هي الصعوبات الحسية، التي تظهر على شكل حساسية مفرطة، أو نقص استجابة للمثيرات، أو سلوكيات بحث مستمر عن محفزات حسية معينة. هذه الأنماط غير التقليدية يمكن أن تؤدي إلى مشكلات ثانوية، مثل القلق، واضطرابات السلوك، والتحصيل الدراسي الضعيف، وتقليل جودة الحياة بشكل عام.
رغم أن التجارب الحسية تشكّل جزءًا كبيرًا من حياة الطفل اليومية، فإنها غالبًا ما تُعالج بشكل منفصل، أو من خلال نهج محدود لكل تخصص على حدة، مما يقلل من إمكانية تخصيص التدخلات لتلبية احتياجات كل طفل، ويحد من قدرة توسيع هذه البرامج على نطاق أوسع. لهذا السبب، فإن دمج المعرفة من تخصصات متعددة أصبح ضرورة، خصوصًا مع التقدم الحديث في علوم الأعصاب وتقنيات الصحة الرقمية، التي تتيح فرصًا جديدة لفهم أفضل لكيفية معالجة الأطفال للحواس، ولتقديم دعم أكثر دقة وفعالية.
التجربة الحسية ليست مجرد إدراك بسيط للمؤثرات الخارجية؛ بل هي أساس لتفاعل الإنسان الكامل مع بيئته. فالقدرة على تنظيم الحواس واستخدام المعلومات الحسية بشكل فعّال تمكّن الطفل من الانخراط في الأنشطة اليومية بنجاح. على سبيل المثال، القدرة على التمييز بين الأصوات المختلفة، أو معرفة مكان الجسم في الفضاء، أو ضبط الحركة الدقيقة أثناء الكتابة أو الأكل، كلها تعتمد على تنظيم حسي متكامل. لذلك، أي خلل في معالجة الحواس يمكن أن يؤثر على تعلم الطفل ومهاراته اللغوية، وعلى قدرته على التعبير عن المشاعر، وعلى تطوير المهارات الاجتماعية الأساسية.
الأطفال الذين يعانون من صعوبات التعلم غالبًا ما يواجهون تحديات كبيرة في الاندماج الحسي، وهذا بدوره يؤثر على أدائهم الأكاديمي وعلى قدرتهم على أداء الأنشطة اليومية بشكل سلس. على سبيل المثال، الطفل الذي يعاني من فرط الحساسية للضوء أو الصوت قد يجد صعوبة في التركيز داخل الصف الدراسي، وقد يتجنب التفاعل مع أقرانه، أو يظهر سلوكيات انفعالية كرد فعل للمنبهات التي يراها مزعجة. من جهة أخرى، الطفل الذي يعاني من نقص استجابة حسية قد يكون أقل انتباهًا للتفاصيل أو أقل قدرة على التفاعل مع البيئة، مما يضعف فرص التعلم والتكيف الاجتماعي.
تقدم هذه الدراسة إطارًا يركّز على التدخلات الشخصية، أي أن كل برنامج علاجي أو تعليمي يُصمم وفق خصائص الطفل الفردية، مع الأخذ في الاعتبار أن ليس كل طفل يتفاعل مع البيئة بنفس الطريقة. هذا النهج يتضمن تقييمًا شاملًا للحواس المختلفة، مثل حاسة اللمس، والسمع، والبصر، والتوازن، والحركة، ثم تصميم استراتيجيات علاجية أو تعليمية تستجيب لهذه الخصائص. على سبيل المثال، استخدام المستشعرات القابلة للارتداء يمكن أن يوفّر معلومات مباشرة عن استجابة الطفل للحواس المختلفة، في حين أن البيئات الافتراضية التفاعلية يمكن أن تخلق سيناريوهات تعليمية محاكاة تساعد الطفل على التدريب على المهارات الاجتماعية أو الحسية بطريقة آمنة وممتعة.
إضافة إلى ذلك، يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا محوريًا في تحليل البيانات الحسية للأطفال، مما يسمح بتطوير نماذج تنبؤية للتدخلات الأكثر فاعلية، وبناء برامج تعليمية مخصصة يمكن تعديلها بشكل مستمر استنادًا إلى تقدم الطفل واستجابته للعلاج. هذه الابتكارات التقنية تجعل من الممكن تطبيق التدخلات على نطاق أوسع، دون الحاجة لوجود أخصائي دائم طوال الوقت، مع الحفاظ على جودة عالية من الدعم الشخصي.
علاوة على ذلك، يسلط هذا الإطار الضوء على أهمية النظر في الاعتبارات الأخلاقية، وإتاحة الوصول، والسياسات التعليمية والصحية عند تصميم وتنفيذ هذه التدخلات. فالهدف ليس فقط تحسين تجربة الطفل الفردية، بل ضمان أن تكون هذه الحلول عادلة ومتاحة لجميع الأطفال، بغض النظر عن الخلفيات الاجتماعية أو الاقتصادية أو موقعهم الجغرافي. دمج هذه الاعتبارات يضمن أن البرامج تكون مستدامة، ومقبولة من قبل المجتمع، وقابلة للتطبيق في البيئات التعليمية والعيادات المتنوعة.
بالنهاية، يؤكد هذا البحث على أن التجارب الحسية ليست مجرد جانب فرعي في حياة الطفل، بل هي جوهرية لتطوره الإدراكي والاجتماعي والعاطفي. التعامل معها بشكل متعدد التخصصات، مع الاستفادة من الابتكارات التقنية الحديثة، يوفر فرصًا حقيقية لدعم الأطفال ذوي اضطرابات النمو العصبي بشكل شامل، وتحسين قدراتهم على التعلم، والتكيف الاجتماعي، وتنظيم المشاعر، والمشاركة الفعّالة في حياتهم اليومية. إن تطوير برامج شخصية قابلة للتوسع، ومستندة إلى الأدلة العلمية، يمثل خطوة مهمة نحو تعليم وعلاج أكثر شمولية وعدالة، حيث يمكن لكل طفل أن يحصل على الدعم المناسب لاحتياجاته الفردية مع إمكانية توسيع نطاق الاستفادة لجميع الأطفال في المجتمع.
باختصار، هذه الدراسة تقدم رؤية جديدة لفهم التجارب الحسية عند الأطفال ذوي اضطرابات النمو العصبي، مشددة على أهمية التكامل بين المعرفة العلمية التقليدية والابتكار التقني، مع الالتزام بالمعايير الأخلاقية والاجتماعية، بما يدعم تطوير برامج تدخل شخصية، فعالة، ومستدامة، تُحسّن نوعية حياة الأطفال على المدى الطويل.
المرجع:
Understanding sensory experiences in children with
neurodevelopmental disorders: A multidisciplinary
framework for personalized and scalable interventions
https://www.pediatricsjournal.net/archives/2026/vol8issue1/PartA/8-1-2-453.pdf





