الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

تدخل قائم على الصوت للأطفال الذين يعانون من اضطرابات المعالجة الحسية

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

يُعد اضطراب المعالجة الحسية (Sensory Processing Disorder – SPD) مجموعة من الاضطرابات التي تظهر عندما يواجه الفرد صعوبات في تنظيم المدخلات الحسية ودمجها وتصنيفها والتمييز بينها، إلى درجة تؤثر في استجابته للمثيرات البيئية بشكل ملحوظ. نتيجة لذلك، قد لا يستجيب الطفل للمثيرات الحسية بطريقة مناسبة، مما يؤدي إلى اضطرابات في أدائه اليومي وأنماط سلوكه الانفعالي والاجتماعي. هذه الصعوبات لا تقتصر على جانب واحد من الحياة، بل تمتد لتؤثر في التفاعل الأسري، والأداء المدرسي، والاستقرار العاطفي.

ترتكز الخلفية النظرية لهذا الاضطراب على ما طرحته الباحثة جين آيرز (Ayres)، التي افترضت أن الخلل في استقبال المدخلات الحسية أو معالجتها داخل الجهاز العصبي قد يعيق تطور الجهاز العصبي بطريقة منظمة وصحية. فالجهاز العصبي السليم يعتمد على تنسيق المدخلات القادمة من الأنظمة الحسية المختلفة، مثل الجهاز الدهليزي المسؤول عن التوازن، والجهاز السمعي، والإحساس العميق (proprioception)، من أجل تكوين استجابات متكاملة تساعد الدماغ على توجيه عمليات التعلم، وتنظيم الانفعالات، والتحكم الحركي.

وقد أظهرت أبحاث في علم الأعصاب أن الحرمان الحسي أو الخلل في استقبال المثيرات يمكن أن يؤدي إلى تغيّرات في وظائف الدماغ. كما أشارت دراسات أخرى إلى أن أنماط الحساسية الحسية الشديدة، سواء كانت فرط حساسية أو نقص حساسية، قد ترتبط بسمات ثابتة لدى بعض الأفراد الذين يعانون من اضطرابات وجدانية كبرى. ومن هنا، فإن أنماط المعالجة الحسية قد تؤثر بشكل مباشر في جودة الحياة، خاصة إذا ترافقت مع تجارب طفولية ضاغطة أو صادمة.

في السنوات الأخيرة، أصبح اضطراب المعالجة الحسية تشخيصًا متداولًا في مجال العلاج الوظيفي، حيث يستخدمه الأخصائيون لتفسير سلوكيات الأطفال ووضع خطط تدخل مناسبة لهم. كما يعمل العديد من مقدمي الرعاية في المدارس والعيادات والمنازل على تصميم برامج حسية فردية، تُعرف أحيانًا بـ”الحمية الحسية”، بهدف تلبية احتياجات كل طفل بشكل مخصص.

برنامج الاستماع العلاجي

يُعد برنامج الاستماع العلاجي (Therapeutic Listening – TL) أحد التدخلات المعتمدة على الصوت. يقوم هذا البرنامج على الاستماع إلى موسيقى معدّلة إلكترونيًا، إلى جانب أداء أنشطة حسية مرافقة تهدف إلى تحفيز الأنظمة الحسية المختلفة. تتنوع أنماط الموسيقى المستخدمة من حيث الأسلوب الموسيقي، والترددات الصوتية، وجودة الصوت، ومستوى التعديل، بحيث تُصمم لتوفير مدخلات سمعية موجهة.

يعتمد تصميم الموسيقى في هذا البرنامج على مفاهيم وتقنيات مستمدة من برامج تدخل صوتية أخرى، مثل طريقة توماتيس، والتدريب على التكامل السمعي، وبرنامج ساموناس. ويُعد البرنامج فرديًا بالكامل، حيث يتم اختيار نوع الموسيقى والأنشطة الحسية وفق احتياجات الطفل وأهدافه العلاجية.

تكمن فكرة البرنامج في دمج التحفيز السمعي مع أنشطة حسية حركية مثل أنشطة التوازن، والضغط العميق، وتمارين الإحساس العميق. تشير بعض الدراسات إلى أن الجمع بين التحفيز السمعي والأنشطة الحسية قد يسرّع الوصول إلى الأهداف العلاجية مقارنة بالاكتفاء بالأنشطة الحسية فقط. وقد أظهرت نتائج بعض الأبحاث تحسنًا في الإدراك البصري، ومهارات الكتابة، والمهارات الحركية الدقيقة، واللغة، والتفاعل الاجتماعي لدى الأطفال الذين خضعوا للبرنامج.

ومن مميزات برنامج الاستماع العلاجي أنه يُنفذ في المنزل، بخلاف بعض البرامج الصوتية الأخرى التي تتطلب مراكز متخصصة. وهذا يمنح الأهل دورًا فاعلًا في التطبيق، ويتيح تكرار الجلسات ضمن الروتين اليومي، بإشراف أخصائي مدرَّب.

أهمية الدراسة في السياق التايواني

يحتاج الأطفال المصابون باضطراب المعالجة الحسية في تايوان إلى خدمات مستمرة وطويلة الأمد. ومن هنا تبرز أهمية البرامج المنزلية التي يمكن دمجها في الحياة اليومية. إلا أن برنامج الاستماع العلاجي طُوّر في الولايات المتحدة، وقد يكون ملائمًا ثقافيًا للبيئة الأمريكية أكثر من غيرها. وعند تطبيقه في ثقافات مختلفة، مثل الثقافة التايوانية، قد تظهر تحديات تتعلق بالتقبّل الثقافي أو بطريقة التطبيق.

انطلاقًا من ذلك، هدفت هذه الدراسة الاستطلاعية إلى استكشاف تجارب أمهات تايوانيات استخدمن برنامج الاستماع العلاجي مع أطفالهن المصابين باضطراب المعالجة الحسية، بهدف فهم مدى ملاءمته للبيئة المحلية، وتحديد التحديات المرتبطة بتطبيقه.

منهجية الدراسة

اعتمدت الدراسة تصميمًا نوعيًا إثنوغرافيًا، حيث أُجريت مقابلات شبه منظمة مع ثلاث أمهات لأطفال في المرحلة الابتدائية. تم اختيار الأطفال وفق معايير محددة، أهمها الحصول على درجات مرتفعة جدًا في مقياس تقييم التكامل الحسي المعتمد في تايوان، وألا يكون لديهم تشخيص بإعاقة ذهنية أو اضطراب طيف التوحد.

بعد الموافقة المستنيرة، تم إعداد خطة البرنامج لكل طفل بناءً على استبيان الاستماع الوظيفي، وذلك لتحديد نوع الأقراص الموسيقية المعدلة المناسبة. استمر البرنامج المنزلي ستة أسابيع، حيث استمع كل طفل إلى جلستين يوميًا، مدة كل جلسة لا تقل عن ثلاثين دقيقة، مع ضرورة الفصل بين الجلستين بفاصل زمني مناسب.

إلى جانب الاستماع، طُلب من الأطفال أداء نشاطين حسيين يوميًا، مثل تمارين الضغط المفصلي، والمشي على أطراف الأصابع، وتمارين الدفع، وأنشطة النفخ والالتقاط. لم يُفرض وقت محدد للأنشطة، وأُتيح للأطفال تنفيذها بمفردهم أو بمشاركة الأسرة، سواء بالتزامن مع الاستماع أو بشكل منفصل.

النتائج: التحسن والتحديات

من خلال تحليل المقابلات، برز محوران رئيسيان:

أولًا: التحسن والتغيرات الإيجابية،

وثانيًا: التحديات المتعلقة بتطبيق البرنامج.

أشارت الأمهات إلى ملاحظة تحسن واضح في قدرة أطفالهن على ضبط السلوك والانفعالات، إضافة إلى تحسن في التحكم الحركي. كما أصبح الأطفال أكثر انتظامًا في أداء الأنشطة اليومية، وأقل اندفاعًا أو تقلبًا في المزاج. ولم تقتصر الفوائد على الأطفال فقط، بل امتدت إلى العلاقة بين الأم والطفل، حيث وصفت الأمهات تحسنًا في جودة التفاعل الأسري نتيجة مشاركتهن في البرنامج.

كما عبّرت الأمهات عن تقبّل أطفالهن للموسيقى المعدلة، وعدم وجود مقاومة ملحوظة للاستماع. وأكدن أن البرنامج قدم فائدة ملموسة، سواء على مستوى السلوك أو المشاركة في الأنشطة.

في المقابل، ظهرت بعض التحديات. فقد أشارت الأمهات إلى غياب إرشادات واضحة بشأن كيفية تنفيذ الأنشطة الحسية من حيث القواعد أو الضوابط، مما أدى أحيانًا إلى شعور بعدم اليقين حول التطبيق الأمثل. كما أبدين ملاحظات حول شكل سماعات الرأس المستخدمة، وحجمها، ومادة الوسائد المحيطة بالأذن، معتبرات أن هذه العوامل قد تحد من راحة الطفل أو تقبّله المستمر للاستخدام.

الخلاصة

تكشف هذه الدراسة أن برنامج الاستماع العلاجي قد يحمل فوائد محتملة للأطفال المصابين باضطراب المعالجة الحسية في السياق التايواني، خاصة من حيث تحسين التنظيم السلوكي والانفعالي، وتعزيز التفاعل الأسري. إلا أن تطبيقه في ثقافة مختلفة يتطلب مراعاة بعض التعديلات، مثل توفير إرشادات أكثر تحديدًا للأنشطة الحسية، وتكييف الأدوات المستخدمة بما يتناسب مع احتياجات الأطفال وبيئتهم.

وتؤكد النتائج أهمية مراعاة البعد الثقافي عند نقل البرامج العلاجية بين الدول، وضرورة تطويرها بما يتلاءم مع الخصائص الاجتماعية والعائلية المحلية. كما تسلط الضوء على الدور المحوري للأسرة في إنجاح التدخلات المنزلية، خاصة عندما يُمنح الوالدان التدريب والدعم الكافي.

المرجع:

 

A Sound-based Intervention for Children with Sensory Processing Disorders in Taiwan

https://www.jneuropsychiatry.org/peer-review/a-soundbased-intervention-for-children-with-sensory-processing-disorders-in-taiwan-12142.html