ترجمة: أ. جنا الدوسري
تستند نظرية التكامل الحسي إلى العلاقة المعقدة بين الدماغ والسلوك، فهي تفسر كيف ولماذا يستجيب الأفراد للمحفزات الحسية بطرق معينة. يُشير اضطراب التكامل الحسي إلى قصور في قدرة الجهاز العصبي المركزي على معالجة المعلومات الواردة من البيئة المحيطة. هذا القصور يؤدي إلى صعوبات أكاديمية وسلوكية واجتماعية متعددة، ويجعل من الصعب على الأطفال التكيف مع متطلبات حياتهم اليومية.
تعتبر الحواس البشرية من المصادر الأساسية لتلقي المعلومات، فهي الوسيلة التي تساعد الإنسان على فهم محيطه. كل حاسة تعمل كوحدة مستقلة في استقبال المؤثرات، وعند تكامل هذه الحواس مع بعضها البعض نتمكن من التفاعل بكفاءة مع البيئة المحيطة، وهذا ما يُعرف بالتكامل الحسي. مستوى التكامل الحسي يختلف من طفل إلى آخر، وهو مرتبط بشكل وثيق بنضج الطفل الاجتماعي وقدرته على التكيف مع محيطه.
عندما يواجه الطفل صعوبة في معالجة المعلومات الحسية، فإن ذلك يؤثر على مجموعة واسعة من المهارات الحركية والاجتماعية والمعرفية. فقد يؤدي اضطراب التكامل الحسي إلى مشاكل في التنسيق الحركي، والنوم، والأكل، والانتباه، والتعلم، فضلاً عن التأثير على الوظائف الاجتماعية والعاطفية للطفل. تشير الدراسات إلى أن الأفراد الذين يعانون من صعوبات تعلم مثل عسر القراءة يواجهون تحديات في التحكم الحركي والتنسيق نتيجة لضعف طفيف في تطور ووظائف المخيخ، وهو الجزء المسؤول عن اكتساب السلوكيات التلقائية. هذا الضعف يجعل الأطفال المشخصين بعسر القراءة يحتاجون إلى جهد واعٍ أكبر عند القراءة والكتابة وأداء المهام الأخرى لضمان التحكم الدقيق بالحركات والمواقف.
تؤكد الدراسات الحديثة العلاقة الوثيقة بين اضطرابات عسر القراءة وتطور الجهاز العصبي، حيث تعيق هذه الاضطرابات القدرة على استقبال المعلومات البصرية والسمعية وفهمها وترجمتها بشكل سليم. ومن المعروف أن عسر القراءة يرتبط بمشكلات في اللغة المكتوبة والمنطوقة، دون أن يكون هناك خلل ذهني أو حساسيات أخرى لدى الطفل. يتميز الأطفال المصابون بعسر القراءة بصعوبة في القراءة، حيث يخطئون أحيانًا في ترتيب الحروف أو ينسون بعض الحروف، كما تكون القراءة بطيئة سواء كانت بصوت عالٍ أو صامتة، وتفتقر إلى الفهم الكامل للنصوص.
تعلم القراءة يتطلب قدرات متعددة لدى الطفل، منها القدرة على التمييز البصري بين الحروف والكلمات، والقدرة على التعرف على الأشكال ضمن الخلفية المحيطة بها، بالإضافة إلى القدرة على التمييز السمعي بين الأصوات وفهم المفردات اللغوية واستخدامها بشكل صحيح. يمتلك الإنسان خمس حواس رئيسية لتلقي المعلومات من البيئة المحيطة به: البصر، والسمع، والشم، والذوق، واللمس. ومع ذلك، يختلف الأطفال في مدى اعتمادهم على حاسة معينة أكثر من الأخرى أثناء التعلم؛ فبعض الأطفال يعتمدون على البصر أكثر، بينما يفضل آخرون السمع أو استخدام مهاراتهم الحركية والحسية.
يعاني العديد من الأطفال المشخصين بعسر القراءة من ضعف في إحدى الحواس، سواء كانت بصرية أو سمعية، مما يجعلهم بحاجة إلى أساليب تعليمية تعوض هذا النقص الحسي. على سبيل المثال، قد يحتاج الطفل إلى دعم بصري إضافي أو تدريب سمعي لتحسين قدرته على تمييز الأصوات والحروف. ومن أجل التعلم الفعال، يجب أن يكوّن الطفل علاقات تلقائية ودائمة بين الكلمات المطبوعة أمامه، والأصوات المنطوقة لهذه الكلمات، والمعنى المرتبط بها. يتطلب هذا استخدام الحواس المختلفة بشكل متكامل: العينان لتلقي الرسائل البصرية، والأذنان لفهم الأصوات، واليدان والذراعان للكتابة، فضلاً عن التنسيق بين الأعصاب والعضلات في الشفاه واللسان والأسنان والحبال الصوتية لتكوين الأصوات بشكل صحيح.
الكتابة نفسها تستدعي تفاعل الجسم بأكمله، فكل كلمة يتعلم الطفل التعرف عليها وكتابتها تعتمد على تكامل الحواس والحركة العصبية. هذا يعني أن الأطفال الذين يعانون من اضطراب التكامل الحسي يواجهون صعوبة مزدوجة؛ أولاً بسبب ضعف مهاراتهم الحسية، وثانياً بسبب التأثير المباشر لذلك على القراءة والكتابة والقدرة على التركيز والتعلم.
تأتي أهمية دراسة اضطراب التكامل الحسي لدى الأطفال المشخصين بعسر القراءة من الحاجة لفهم العلاقة بين هذه الاضطرابات الحسية وصعوبات التعلم الأكاديمية والاجتماعية والعاطفية. فقد أظهرت الدراسات السابقة أن الأطفال الذين يواجهون مشاكل في التكامل الحسي غالبًا ما يعانون من صعوبات في التفاعل مع أقرانهم، ويواجهون مشكلات في الانتباه والتركيز، فضلاً عن تأثيرات سلبية على مستوى تحصيلهم الأكاديمي.
في الدراسة الحالية، تم استخدام منهجية دراسة حالة على طفلين، أحدهما ذكر والآخر أنثى، تتراوح أعمارهم بين عشر وعشر سنوات تقريبًا، وذلك لتحديد وجود اضطراب التكامل الحسي لدى الأطفال المشخصين بعسر القراءة. تم استخدام اختبارات قياسية لتقييم مستوى الذكاء، إلى جانب اختبارات متخصصة لتحديد مستوى عسر القراءة وقياس مدى تأثير اضطراب التكامل الحسي على الأطفال. أظهرت النتائج وجود درجة متوسطة من اضطراب التكامل الحسي لدى الأطفال المشاركين، ما يشير إلى أن هذه المشكلة تمثل تحديًا مهمًا يجب معالجته لدعم تعلمهم وتطورهم الاجتماعي والعاطفي.
يعكس هذا البحث الحاجة الماسة لتطوير استراتيجيات تعليمية وتربوية تعزز من قدرات الأطفال المشخصين بعسر القراءة في التعامل مع محيطهم، وتساعدهم على تحسين مهاراتهم الحركية والحسية. يمكن أن تشمل هذه الاستراتيجيات برامج تدريبية لتعزيز التكامل الحسي، مثل الأنشطة الحسية المتنوعة التي تستهدف تطوير الإدراك البصري والسمعي والحركي، بالإضافة إلى دمج أساليب تعليمية متعددة الحواس لتعويض نقاط الضعف لدى الطفل.
بشكل عام، تؤكد نتائج الدراسات الحديثة على أهمية مراعاة الاختلافات الفردية في الحواس لدى الأطفال المشخصين بعسر القراءة، وفهم كيفية تأثير هذه الاختلافات على التعلم. فالأطفال الذين يعانون من ضعف في أحد الحواس غالبًا ما يحتاجون إلى تدخلات مصممة خصيصًا لتقوية هذه الحاسة وتحسين التكامل بينها وبين الحواس الأخرى. هذا بدوره يمكن أن يرفع من مستوى الأداء الأكاديمي، ويقلل من الصعوبات الاجتماعية والعاطفية، ويساعد الأطفال على التفاعل بشكل أكثر فعالية مع بيئتهم.
في الختام، يمكن القول إن اضطراب التكامل الحسي يمثل عاملًا رئيسيًا في صعوبات التعلم لدى الأطفال المشخصين بعسر القراءة. من خلال فهم طبيعة هذا الاضطراب وتحديد الوسائل الفعالة للتعامل معه، يمكن للمعلمين والأخصائيين النفسيين والتربويين تصميم برامج تعليمية فردية تلبي احتياجات الطفل بشكل أفضل، وتدعم نموه الأكاديمي والاجتماعي والعاطفي. إن تعزيز التكامل الحسي لا يساعد الطفل فقط على التعلم، بل يساهم أيضًا في تطوير استقلاليته وقدرته على التكيف مع متطلبات الحياة اليومية، مما يجعل التدخل المبكر في هذا المجال أمرًا بالغ الأهمية.
المرجع:
Sensory Integration Disorder in Children with Dyslexia
https://dialnet.unirioja.es/descarga/articulo/9895449.pdf





