ترجمة: أ. جنا الدوسري
يُعدّ التعلم من أهم الأنشطة الأساسية في حياة الأطفال واليافعين، فهو لا يقتصر على اكتساب المعرفة الأكاديمية فحسب، بل يشمل أيضًا تطوير المهارات الحياتية والاجتماعية والانفعالية التي تمكّن الطفل من التفاعل مع بيئته بفعالية. ويُنظر إلى التعلم على أنه عملية معقّدة ومتداخلة تتأثر بعدة عوامل، من أبرزها القدرات الحسية وكيفية معالجة الدماغ للمثيرات القادمة من البيئة المحيطة.
تُظهر الأبحاث أن الفروق في المعالجة الحسية يمكن أن تظهر بطرق مختلفة بين المنزل والمدرسة، كما أن كل طفل يعاني من اختلافات في المعالجة الحسية يمتلك نمطًا فريدًا من التحديات والصعوبات. فقد يكون الطفل قادرًا على التكيّف بشكل أفضل في بيئة معينة بينما يواجه صعوبات ملحوظة في بيئة أخرى، وذلك تبعًا لطبيعة المثيرات الحسية الموجودة، مثل الأصوات، الإضاءة، الحركة، أو حتى متطلبات الجلوس والتركيز لفترات طويلة.
غالبًا ما يركّز المربّون والمعلمون في السياق المدرسي على مهارات القراءة والكتابة والحساب، ويُشار إليها عادةً على أنها “الأساسيات” في العملية التعليمية. وعلى الرغم من أهمية هذه المهارات، إلا أن النظر إليها على أنها مهارات بسيطة أو مباشرة قد يكون تصورًا غير دقيق. فالقراءة، على سبيل المثال، تتطلب تكاملًا دقيقًا بين عدة أنظمة حسية، تشمل المعالجة البصرية لتتبع الحروف والكلمات، والمعالجة السمعية لربط الأصوات بالرموز، إضافة إلى مهارات الانتباه والتركيز والتنظيم الحركي. وينطبق الأمر ذاته على الكتابة والحساب، حيث تعتمد هذه العمليات على التنسيق بين الإحساس بالحركة، والتخطيط الحركي، والإدراك المكاني، والقدرة على معالجة المعلومات الحسية بشكل متكامل.
من هنا، يمكن القول إن هذه المهارات الأكاديمية لا يمكن أن تتطور بشكل سليم إلا إذا بُنيت على أساس قوي من التكامل الحسي. فالتكامل الحسي يُشير إلى قدرة الجهاز العصبي على استقبال المعلومات الحسية من مختلف الأنظمة (مثل اللمس، التوازن، الحس العميق، السمع، والبصر)، وتنظيمها، وتفسيرها، ثم استخدامها لإنتاج استجابات مناسبة وفعّالة. وعندما يحدث خلل في هذه العملية، قد يواجه الطفل صعوبة في الاستجابة لمتطلبات البيئة التعليمية، حتى وإن كانت قدراته العقلية في المعدل الطبيعي أو أعلى.
من المهم الإشارة إلى أن اختلافات المعالجة الحسية لا تُعدّ اضطرابًا تعليميًا بحد ذاتها، كما أنها ليست تشخيصًا رسميًا معتمدًا في التصنيفات الطبية أو النفسية. ومع ذلك، فإن تأثيرها على الأداء المدرسي قد يكون كبيرًا وملحوظًا. فقد يجد الطفل صعوبة في الجلوس بهدوء داخل الفصل، أو في التركيز أثناء الشرح، أو في متابعة التعليمات، أو حتى في المشاركة في الأنشطة الصفية اليومية. هذه الصعوبات قد تُفسَّر أحيانًا على أنها سلوكيات غير مناسبة أو ضعف في الدافعية، بينما يكون السبب الحقيقي مرتبطًا بكيفية معالجة الطفل للمثيرات الحسية.
تتجلى الفروق الحسية لدى الأطفال بطرق متعددة، وقد تظهر على شكل فرط استجابة أو نقص استجابة للمثيرات. فبعض الأطفال قد يكونون شديدي الحساسية تجاه الأصوات المرتفعة، أو الإضاءة القوية، أو اللمس غير المتوقع، مما يجعل البيئة الصفية مصدرًا للإجهاد والقلق بالنسبة لهم. في المقابل، قد يُظهر أطفال آخرون نقصًا في الاستجابة الحسية، فيسعون باستمرار إلى الحركة أو اللمس أو الضغط القوي للحصول على مدخلات حسية تساعدهم على الشعور بالاتزان والتنظيم.
وتنعكس هذه الاختلافات الحسية في مجموعة من السلوكيات الشائعة داخل البيئة المدرسية. فقد يبدو الطفل مشتت الانتباه، أو كثير الحركة، أو متجنبًا لبعض الأنشطة، أو سريع الانفعال، أو حتى منسحبًا اجتماعيًا. كما قد يواجه صعوبة في الانتقال بين الأنشطة، أو في الالتزام بالروتين اليومي، أو في العمل ضمن مجموعات. هذه السلوكيات لا تعكس بالضرورة ضعفًا في القدرات الأكاديمية، بل قد تكون مؤشرات على تحديات حسية غير مرئية.
أما في المنزل، فقد تظهر هذه الصعوبات بشكل مختلف. فقد يتقبّل الطفل بعض المثيرات في بيئة البيت الهادئة والمألوفة، لكنه يعاني منها في المدرسة بسبب ازدحام الأصوات والحركة وكثرة المتطلبات. هذا الاختلاف بين البيئتين قد يربك الأهل والمعلمين على حد سواء، ويجعل فهم احتياجات الطفل أمرًا أكثر تعقيدًا.
إن إدراك العلاقة الوثيقة بين المعالجة الحسية والتعلم يُعدّ خطوة أساسية نحو دعم الأطفال الذين يواجهون هذه التحديات. فبدلًا من التركيز فقط على النتائج الأكاديمية، ينبغي النظر إلى الأسس الحسية التي تُمكّن الطفل من التعلم والمشاركة. كما أن تهيئة البيئة الصفية، وتقديم استراتيجيات داعمة، مثل فترات الحركة، أو التعديلات الحسية البسيطة، يمكن أن تُحدث فرقًا كبيرًا في تجربة الطفل التعليمية.
في الختام، يمكن القول إن نجاح الطفل في المدرسة لا يعتمد فقط على ذكائه أو قدراته المعرفية، بل يتأثر بشكل كبير بمدى قدرته على معالجة وتنظيم المعلومات الحسية. ورغم أن اختلافات المعالجة الحسية لا تُصنَّف كاضطراب تعليمي، إلا أن تجاهلها قد يعرقل تعلم الطفل ويحدّ من إمكاناته. لذلك، فإن الفهم العميق لهذه الاختلافات، والتعامل معها بوعي ومرونة، يُعدّ عنصرًا أساسيًا في توفير بيئة تعليمية شاملة وداعمة لجميع الأطفال
كما يلعب المعلمون وأفراد الطاقم التعليمي دورًا محوريًا في ملاحظة المؤشرات المبكرة لاختلافات المعالجة الحسية داخل الصف الدراسي. فالتفاعل اليومي والمباشر مع الطفل يتيح فرصًا أكبر لرصد أنماط السلوك المتكررة التي قد تشير إلى صعوبات حسية، مثل تجنّب بعض الأنشطة، أو الإفراط في الحركة، أو الحساسية الزائدة تجاه الضوضاء واللمس. وعندما يتم تفسير هذه السلوكيات في إطارها الصحيح، يمكن الانتقال من أسلوب العقاب أو الضغط الأكاديمي إلى أسلوب الدعم والفهم.
كما أن التعاون بين المدرسة والأسرة يُعد عنصرًا أساسيًا في دعم الأطفال ذوي الاختلافات الحسية. فمشاركة الأهل لملاحظاتهم حول سلوك الطفل في المنزل تساعد في تكوين صورة أشمل وأكثر دقة عن احتياجاته، خاصة في ظل الاختلاف الواضح أحيانًا بين استجابة الطفل في البيئتين. هذا التعاون يمكّن من وضع استراتيجيات متسقة تُطبّق في المدرسة والمنزل على حد سواء، مما يعزز شعور الطفل بالأمان والاستقرار.
إضافة إلى ذلك، تسهم التدخلات المبكرة المبنية على فهم المعالجة الحسية في تحسين مشاركة الطفل داخل الصف وزيادة ثقته بنفسه. فعندما تُلبّى الاحتياجات الحسية للطفل، يصبح أكثر قدرة على التركيز والتفاعل والتعلم. وعليه، فإن النظر إلى التعلم من منظور حسي تكاملي لا يدعم فقط التحصيل الأكاديمي، بل يعزز أيضًا النمو النفسي والاجتماعي للطفل، ويهيّئه لتجارب تعليمية أكثر نجاحًا واستدامة.
المرجع:
Learning is a key occupation for children and young people
https://connect.humber.nhs.uk/service/humber-sensory-processing-hub/sensory-processing-in-learning/





