الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

علاج التكامل الحسي / المعالجة الحسية: قضايا وتحليل

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

تُعدّ نظرية وعلاج التكامل الحسي من المجالات الجوهرية في العلاج الوظيفي، لما لها من تأثير مباشر على قدرة الأفراد – خصوصًا الأطفال – على التفاعل مع بيئاتهم اليومية والمشاركة الفعّالة في الأنشطة ذات المعنى. وانطلاقًا من خبرة طويلة في هذا المجال، عبّر مؤلفو هذه المقالة عن اهتمامهم الكبير بقراءة العمل الذي تناول تقييم علاج التكامل الحسي والمعالجة الحسية، لما لمثل هذه الطروحات من أثر بالغ على توجيه الباحثين والممارسين وصنّاع القرار. فالدقة في عرض المفاهيم العلمية وتفسير الأدلة البحثية تمثل حجر الأساس لأي تقدم حقيقي في الممارسة القائمة على الدليل.

إلا أن هذا التعليق العلمي جاء ليؤكد أن المقالة محل النقاش لم تنجح في تقديم صورة دقيقة وحديثة عن علاج التكامل الحسي، بل على العكس، أسهمت – من وجهة نظر الكتّاب – في زيادة الغموض والالتباس حول فعالية هذا النوع من التدخلات. ويرى المؤلفون أن الإشكالية لا تكمن فقط في الاستنتاجات النهائية، بل تمتد إلى الطريقة التي تم بها توصيف التدخل العلاجي، واللغة المستخدمة، والإطار المنهجي المقترح لتقييم الفعالية.

يشير الكتّاب إلى أن علاج التكامل الحسي، وبشكل أدق نهج “التكامل الحسي وفق أييرز”، ليس تدخلًا بسيطًا أو أحادي المكوّن، بل هو منظومة علاجية معقّدة ومتعددة الأبعاد. هذا النهج يقوم على إشراك الطفل بشكل نشط في أنشطة حسية-حركية مصممة خصيصًا لتناسب احتياجاته الفردية، وتُقدَّم ضمن سياق لعب هادف ومحفّز. ويُراعى في هذه الأنشطة مبدأ “التحدي المناسب”، أي أن تكون المهمة ليست سهلة إلى درجة الملل، ولا صعبة إلى حد الإحباط، بل في مستوى يدفع الطفل إلى التفاعل والتكيف.

العنصر المحوري في هذا النوع من العلاج هو العلاقة العلاجية بين الطفل والمعالج، حيث يُنظر إلى هذه العلاقة كجزء أساسي من عملية التغيير، وليست مجرد وسيلة لتنفيذ الأنشطة. ومن خلال هذه التجربة العلاجية المتكاملة، يهدف التدخل إلى تحسين قدرة الجهاز العصبي على معالجة المعلومات الحسية وتنظيمها ودمجها، بما يمكّن الطفل من إنتاج استجابات تكيفية أكثر فاعلية في حياته اليومية، سواء في المنزل أو المدرسة أو المجتمع.

ينتقد مؤلفو التعليق الطريقة التي صوّر بها الباحثون الآخرون علاج التكامل الحسي، حيث يرون أنهم قدّموا توصيفًا غير دقيق لمكونات التدخل، واستخدموا مصطلحات لا تتماشى مع اللغة المعتمدة في هذا المجال العلمي. كما أشاروا إلى أن الخلط بين مفاهيم “التكامل الحسي” و”المعالجة الحسية” دون توضيح الفروق النظرية والتطبيقية بينهما، يؤدي إلى سوء فهم طبيعة التدخل وأهدافه.

ومن أبرز النقاط التي ركز عليها التعليق، مسألة تقييم الفعالية. فالمؤلفون يعترضون على الإطار المقترح لإجراء التجارب العادلة أو ما يُسمى بالتجارب المنضبطة، معتبرين أنه لا يتوافق مع نظرية التغيير التي يقوم عليها علاج التكامل الحسي. فاختبار تدخل معقّد باستخدام أدوات أو نتائج لا ترتبط بشكل مباشر بأهدافه الأساسية، يُعدّ – بحسب رأيهم – منهجًا غير منصف ولا يعكس الأثر الحقيقي للتدخل.

يؤكد الكتّاب أن نتائج علاج التكامل الحسي لا ينبغي أن تُقاس فقط بمؤشرات سطحية أو بعيدة عن جوهر التدخل، بل يجب أن تركز على التغيرات الوظيفية ذات المعنى في حياة الطفل، مثل تحسّن قدرته على المشاركة في الأنشطة اليومية، وزيادة استقلاليته، وتطوّر مهاراته في التفاعل مع الآخرين. فهذه النتائج تمثل الهدف النهائي للتدخل، وهي ما يهم الأسرة والمعلمين والمجتمع ككل.

كما يلفت التعليق إلى أن هناك قاعدة أدلة بحثية متنامية تدعم فعالية علاج التكامل الحسي عند تطبيقه وفق معاييره الصحيحة وبواسطة معالجين مدرّبين. تجاهل هذه الأدلة أو التقليل من قيمتها، دون تحليل دقيق لمنهجياتها ونتائجها، يُعدّ إخلالًا بالمسؤولية العلمية. ويرى المؤلفون أن الطريق إلى الأمام لا يكون بنقض ما تحقق، بل بالبناء عليه، وتطوير أدوات قياس أكثر حساسية، وتصميم دراسات تعكس الطبيعة الحقيقية للتدخل.

في هذا السياق، يدعو الكتّاب إلى ضرورة التمييز بين التدخلات القائمة على مبادئ التكامل الحسي وفق أييرز، وبين الأنشطة الحسية العامة أو البرامج غير المعيارية التي قد تُطبّق في بعض البيئات. فعدم التفريق بين هذه المستويات المختلفة من التدخل يؤدي إلى نتائج بحثية مضللة، ويؤثر سلبًا على سمعة العلاج ككل.

ويؤكد التعليق أن البحث العلمي في هذا المجال يجب أن ينطلق من فهم عميق للنظرية الأساسية، وأن تُصمَّم الدراسات بما يتناسب مع طبيعة التدخل وأهدافه، بدل فرض نماذج تجريبية لا تنسجم معه. فالتدخلات المعقّدة تتطلب مناهج تقييم مرنة ومتعددة الأبعاد، تأخذ في الاعتبار السياق، والعلاقة العلاجية، والفروق الفردية.

في الختام، يشدد مؤلفو هذا الرد العلمي على أهمية تقديم صورة دقيقة ومتوازنة عن علاج التكامل الحسي، لما لذلك من أثر مباشر على القرارات السريرية والبحثية. فهم يرون أن النقد العلمي البنّاء يجب أن يسهم في تطوير المعرفة، لا في تشويشها، وأن مستقبل هذا المجال يعتمد على التعاون بين الباحثين والممارسين لتطوير أدلة قوية تخدم الأطفال وأسرهم، وتعزز الممارسة المهنية القائمة على الفهم العميق والدليل العلمي الرصين.

كما يوضح المؤلفون أن أحد الأخطاء الشائعة في نقد علاج التكامل الحسي يتمثل في التعامل معه كحزمة ثابتة من الأنشطة، في حين أنه في جوهره تدخل ديناميكي يتغير باستمرار تبعًا لاستجابات الطفل. فالمعالج الوظيفي لا يطبق برنامجًا جاهزًا، بل يقوم بعملية تحليل مستمرة لأداء الطفل وتفاعله الحسي والحركي، ويعدّل الأنشطة بشكل فوري لتحقيق أقصى درجة من التكيف العصبي والسلوكي. هذا الجانب التفاعلي يصعب التقاطه أو قياسه باستخدام نماذج بحثية جامدة لا تراعي طبيعة التغيير التدريجي والمعقد.

كما يشدد المؤلفون على أن إغفال صوت الأسرة والبيئة المحيطة بالطفل عند تقييم نتائج التدخل يُعد نقصًا منهجيًا مهمًا. فالتحسن الحقيقي في التكامل الحسي يظهر غالبًا في قدرة الطفل على التعامل مع متطلبات الحياة اليومية، مثل التنظيم الذاتي، والانتباه، والمرونة السلوكية، وهي جوانب قد لا تنعكس بشكل مباشر في المقاييس التقليدية، لكنها ملموسة بوضوح في حياة الطفل وأسرته.

ويختم الكتّاب بالتأكيد على أن تطوير البحث العلمي في هذا المجال يتطلب شراكة حقيقية بين النظرية والتطبيق، وبين الباحثين والممارسين، بحيث تكون الدراسات المستقبلية أكثر اتساقًا مع الواقع العلاجي، وأكثر قدرة على عكس الأثر الحقيقي لعلاج التكامل الحسي في تحسين جودة الحياة والمشاركة الوظيفية للأطفال.

 

المرجع:

Response: Commentary: Evaluating Sensory Integration/Sensory

Processing Treatment: Issues and Analysis

https://jdc.jefferson.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1093&context=otfp