ترجمة: أ. جنا الدوسري
كمُعلمة في مجال التعليم الخاص، واجهت مجالاً جديداً وغير مألوف يعرف باسم اضطراب معالجة الحواس (SPD)، وهي تجربة مليئة بالتحديات والمكافآت في الوقت نفسه. من خلال التجربة والخطأ، اكتسبت رؤى قيمة حول هذا الاضطراب، وتهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على هذا الموضوع وفتح حوار حوله، إذ غالبًا ما يُغفل عن اضطراب معالجة الحواس أو يُساء تفسيره، خصوصًا لدى الأطفال المصابين بالتوحد.
التعليم، بالنسبة لي، كان رحلة تبادلية؛ فقد تعلمت من طلابي بقدر ما علمتهم. لقد أتاحت لي احتياجاتهم الفريدة فهمًا أعمق لوظائف الحواس لديهم وما يمرون به من صعوبات. ومن هنا، فإن شغفي بالتعلم يدفعني باستمرار لتوسيع معرفتي حول طلابي واحتياجاتهم الفريدة، مما يجعل عملية التعليم تجربة ممتعة وغنية بالتجارب. تهدف هذه المقالة لمشاركة بعض هذه التجارب والرؤى حول اضطراب معالجة الحواس، وتعكس الدروس العميقة التي تعلمتها على طول هذه الرحلة.
خلال مسيرتي، لاحظت بعض الأخطاء وتعلمت منها، وفي الوقت نفسه شهدت نجاحات جاءت نتيجة لتطوير تقنيات شخصية، وزيادة الوعي بالتحديات المرتبطة بهذا الاضطراب، وإيجاد حلول فعالة. كمعلمة تعليم خاص للأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة، حاصلة على درجة الماجستير ولدي أكثر من سبع سنوات من الخبرة في هذا المجال، اكتسبت دروسًا ورؤى لا تُقدر بثمن. يشمل عملي التعامل مع مجموعة متنوعة من الأطفال، كل منهم فريد من نوعه، وغالبًا ما يواجه مشكلات تنموية مختلفة ومتنوعة.
منذ بداية مسيرتي، شعرت أن عملية التعلم كانت متبادلة؛ فطلابِي كانوا يعلّمونني قبل أن أتعلم أنا عن اضطراب معالجة الحواس نفسه. أصبح التعليم بالنسبة لي ممتعًا جدًا، وأردت معرفة كل شيء عن الملف الحسي لكل طالب. لقد تحولت عملية التعلم إلى تجربة عظيمة بالنسبة لي. وتهدف هذه المقالة إلى مشاركة هذه التجارب والأفكار مع القراء، مع الأمل في نشر الوعي حول هذا الاضطراب الهام، وتقدير الطلاب الذين يعلموننا عن أنفسهم بطريقة فريدة وغير تقليدية.
ما هو اضطراب معالجة الحواس؟
بعد دراسة أعمال علماء مثل دون وأيرز حول اضطراب معالجة الحواس، يمكن تعريف هذا الاضطراب على النحو التالي: اضطراب معالجة الحواس هو حالة عصبية يصعب فيها على الدماغ استقبال المعلومات الحسية والاستجابة لها بشكل مناسب. يؤثر هذا الاضطراب على طريقة تفسير المعلومات الحسية، وقد يؤدي إلى فرط أو قصور في الاستجابة للمحفزات الحسية. وهذا يعني أن الأفراد المصابين قد يواجهون صعوبة في أداء الأنشطة اليومية بشكل سلس والتكيف مع البيئة المحيطة بهم.
يمكن أن يظهر اضطراب معالجة الحواس بأشكال مختلفة، حيث يؤثر على إحدى الحواس أو أكثر، مثل البصر، السمع، اللمس، التذوق، الشم، بالإضافة إلى الحواس الداخلية مثل الإحساس بالوضعية الجسمية (Proprioception) والتوازن (Vestibular). على سبيل المثال، قد يجد الشخص المصاب أصواتًا معينة مزعجة بشكل كبير، أو يشعر بعدم راحة شديد عند ارتداء بعض الأقمشة، أو قد لا يشعر بالألم بنفس شدة الآخرين. بالمقابل، قد يسعى البعض للبحث عن تجارب حسية قوية، مثل الدوران أو القفز المفرط، لتعويض النقص أو لإشباع حاجتهم الحسية.
عادةً ما يُصنّف اضطراب معالجة الحواس إلى ثلاثة أنواع رئيسية:
اضطراب تعديل الحس (Sensory Modulation Disorder – SMD):
يتضمن صعوبة في تنظيم الاستجابات للمحفزات الحسية، ويمكن أن يظهر في صورة فرط استجابة (المبالغة في رد الفعل تجاه المحفزات)، قصور استجابة (رد فعل منخفض أو غير كافٍ)، أو البحث عن المحفزات الحسية بشكل مفرط.اضطراب الحركة المرتبط بالحواس (Sensory-Based Motor Disorder – SBMD):
يشمل صعوبة في التوازن والتنسيق والمهارات الحركية. من أمثلة ذلك:عسر التخطيط الحركي (Dyspraxia): صعوبة في التخطيط وتنفيذ الحركات.
اضطراب الوضعية (Postural Disorder): مشاكل في الحفاظ على توازن الجسم والوضعية السليمة.
اضطراب تمييز الحس (Sensory Discrimination Disorder – SDD):
يعاني فيه الفرد من صعوبة في تمييز المحفزات الحسية المتشابهة، مما قد يؤثر على المهارات الحركية الدقيقة، والوعي المكاني، والقدرة على التمييز بين التفاصيل في البيئة المحيطة.
هذا الاضطراب قد يؤثر بشكل كبير على الحياة اليومية، ويؤثر على السلوكيات، والعواطف، والتفاعلات الاجتماعية. فقد يواجه الأطفال المصابون صعوبات في المدرسة، ومشاكل في العلاقات مع أقرانهم، وأحيانًا يظهر لديهم سلوكيات صعبة الفهم. من هنا تأتي أهمية التشخيص المبكر والتدخل العلاجي المناسب، والذي غالبًا ما يشمل العلاج الوظيفي، العلاج بتكامل الحواس، واستراتيجيات مخصصة لمساعدة الأفراد على التعامل مع احتياجاتهم الحسية بشكل فعال.
الرحلة التعليمية والتجريبية
تهدف هذه الدراسة إلى زيادة وعي القراء باضطراب معالجة الحواس من خلال خبراتي الشخصية في الملاحظة والتعلم وتوسيع فهمي لهذا الاضطراب، بالإضافة إلى البحث عن طرق لدعم طلابي. أثناء عملي، لاحظت أن الأطفال غالبًا ما يظهرون ردود فعل غير متوقعة على المثيرات الحسية، مثل الانسحاب من بعض الأنشطة أو البحث المفرط عن نشاطات أخرى. ومن خلال هذه الملاحظات، تعلمت كيف أصمم بيئة صفية مرنة تستجيب لهذه الاحتياجات المختلفة، مثل توفير مساحات هادئة، أو أدوات حسية تساعد على تهدئة أو تحفيز الطلاب حسب حالتهم.
لقد اكتشفت أيضًا أن التفاعل المباشر مع الطلاب وتفهم احتياجاتهم الحسية يساعد على تحسين تواصلهم الاجتماعي وسلوكهم. على سبيل المثال، الأطفال الذين يعانون من فرط الحساسية الصوتية قد يجدون صعوبة في التركيز عند الضوضاء العالية، بينما الذين يسعون إلى المحفزات الحسية يحتاجون إلى أنشطة بدنية منتظمة لتفريغ طاقتهم وزيادة تركيزهم.
من خلال هذه التجربة، أصبحت أكثر وعيًا بأن التعلم لا يقتصر على نقل المعرفة، بل يشمل أيضًا فهم الفرد وتهيئة البيئة التعليمية لتلائم احتياجاته الفريدة. التعلم يصبح لحظة مهمة عندما نأخذ الوقت لتفهم طلابنا، ونعمل على توفير استراتيجيات عملية تساعدهم على تحقيق أداء أفضل في حياتهم اليومية وفي المدرسة.
خاتمة
إن الهدف من هذا المقال هو إثارة الوعي باضطراب معالجة الحواس وتشجيع القراء على متابعة البحث والتعلم حول هذا الموضوع المهم. قد تكون هناك فجوات أو نقاط غير مكتملة في هذا العرض، لكن الأهم هو أن يشجع هذا المقال على الاستمرار في اكتشاف طبيعة هذا الاضطراب، وتأثيره على التعلم، والمحفزات العاطفية والسلوكية، والنمو العام للأطفال. من خلال الملاحظة المستمرة والتجربة، يمكن للمعلمين والمختصين تقديم دعم أفضل للأطفال المصابين باضطراب معالجة الحواس، وتحقيق بيئة تعليمية أكثر شمولية وفعالية.
المرجع:
Understanding Sensory Processing Disorder in a Special Education Classroom: A
Reflective Inquiry
https://openriver.winona.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1338&context=eie





