ترجمة: أ. جنا الدوسري
تُعد معالجة الحواس من الركائز الأساسية التي يقوم عليها النمو السليم للطفل، إذ تؤثر بشكل مباشر في طريقة تفاعل الطفل مع ذاته ومع البيئة المحيطة به. ويبرز دور العلاج الوظيفي المجتمعي للأطفال كأحد أهم التخصصات الداعمة لفهم هذه العملية وتعزيزها، من خلال تقديم رعاية قائمة على الأمان، والاهتمام، والتميّز في الممارسة المهنية. ويهدف هذا المجال إلى تمكين الأطفال من تحقيق أقصى قدر ممكن من الاستقلالية والمشاركة الفعّالة في أنشطة حياتهم اليومية، سواء داخل المنزل أو المدرسة أو المجتمع بشكل عام.
تنطلق برامج العلاج الوظيفي المجتمعي للأطفال من مجموعة أهداف أساسية، يأتي في مقدمتها رفع مستوى الوعي بأنظمة الحواس المختلفة، وتعميق الفهم العلمي لكيفية معالجة الدماغ للمثيرات الحسية، إضافة إلى استكشاف استراتيجيات عملية تساعد الأطفال واليافعين الذين يواجهون صعوبات في المعالجة الحسية. ولا تقتصر هذه الجهود على الجانب الجسدي فقط، بل تمتد لتشمل الجوانب الانفعالية والسلوكية والاجتماعية، مما يجعل التدخل أكثر شمولية وفاعلية.
مفهوم معالجة الحواس
تشير معالجة الحواس إلى القدرة العصبية على استقبال المثيرات الحسية القادمة من الجسم والبيئة، والتمييز بينها، ثم تنظيمها والتكيّف معها، وصولًا إلى الاستجابة المناسبة جسديًا وانفعاليًا. وتُعد هذه العملية معقدة ودقيقة، حيث تتطلب تكاملًا عاليًا بين الجهاز العصبي المركزي والأجهزة الحسية المختلفة. فعندما تعمل هذه المنظومة بكفاءة، يتمكن الطفل من التفاعل مع محيطه بشكل طبيعي، أما في حال حدوث خلل في أي مرحلة من مراحل المعالجة، فقد تظهر صعوبات تؤثر في التعلم والسلوك والتنظيم الانفعالي.
أنظمة الحواس ودورها في النمو
يعتمد الإنسان على ثمانية أنظمة حسية رئيسية تعمل بتناغم مستمر. هذه الأنظمة لا تعمل بشكل منفصل، بل تتكامل فيما بينها لتشكّل الأساس الذي تُبنى عليه الخبرات اليومية.
يُعد النظام الشمي والنظام الذوقي من أقدم الأنظمة الحسية تطورًا، ولهما دور جوهري في التعرف على الروائح والمذاقات، والتمييز بين ما هو آمن وما قد يكون ضارًا. ويسهم هذان النظامان في تشكيل تفضيلات الطعام، وردود الفعل تجاه الروائح المختلفة، كما يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالذاكرة والانفعالات. لذلك، فإن وجود حساسية مفرطة أو ضعف في هذين النظامين قد يؤدي إلى مشكلات غذائية أو نفور شديد من بعض الروائح، مما ينعكس على صحة الطفل وسلوكه.
أما النظام البصري، فيتولى مسؤولية تفسير ما تراه العينان، وتحليل المعلومات المرئية، والاستعداد للاستجابة المناسبة. ويُعد التحكم الحركي البصري مهارة أساسية للتعلم، حيث يعتمد عليه الطفل في القراءة، والكتابة، وتتبع المعلومات داخل الصف. أي قصور في هذا النظام قد يؤدي إلى صعوبات أكاديمية، أو تشتت الانتباه، أو إجهاد بصري يؤثر في الأداء اليومي.
ويُعتبر النظام اللمسي من أكثر الأنظمة تأثيرًا في الإحساس بالأمان الجسدي والانفعالي. فمن خلال الجلد، يستقبل الإنسان معلومات تتعلق بالضغط، والاهتزاز، والحركة، ودرجة الحرارة، والألم. وينقسم هذا النظام إلى نوعين رئيسيين من المستقبلات: مستقبلات وقائية تعمل على تنبيه الفرد إلى الأخطار المحتملة، ومستقبلات تمييزية تساعد على التعرف الدقيق على خصائص الأشياء. وعندما يختل توازن هذا النظام، قد يظهر الطفل ردود فعل مبالغ فيها تجاه اللمس، أو على العكس، قد يبحث عن التحفيز اللمسي بشكل مفرط.
أما النظام السمعي، فهو المسؤول عن استقبال الأصوات ومعالجتها وفهمها، مما يتيح القدرة على التواصل اللغوي والتفاعل الاجتماعي. ولا يقتصر دوره على السمع فقط، بل يشمل تفسير المعنى، وتحديد مصدر الصوت، وتنظيم الاستجابة له. الأطفال الذين يعانون من صعوبات في هذا النظام قد يظهر لديهم انزعاج من الأصوات اليومية، أو صعوبة في اتباع التعليمات الشفهية، أو تشتت واضح داخل البيئات المليئة بالضوضاء.
ويُعد النظام الحسي العميق، أو ما يُعرف بالإحساس بوضعية الجسم، مسؤولًا عن إدراك موقع أجزاء الجسم في الفراغ دون الحاجة إلى النظر. ويسهم هذا النظام في تنسيق الحركة، والتحكم في القوة العضلية، والحفاظ على الوضعية المناسبة أثناء الجلوس أو الوقوف. ضعف هذا النظام قد يؤدي إلى حركات غير متزنة، أو صعوبة في أداء المهام الدقيقة.
في حين يختص النظام الدهليزي بإدراك الحركة والتوازن، ويلعب دورًا مهمًا في تنظيم مستوى اليقظة والانتباه. ويتأثر الأطفال الذين يعانون من اضطرابات في هذا النظام بالحركة الزائدة أو الخمول، وقد يظهر لديهم خوف من الأنشطة الحركية أو بحث مفرط عنها.
أما النظام الحسي الداخلي، فيتعلق بإدراك الإشارات الداخلية للجسم مثل الجوع، والعطش، والألم، والتنفس، ومعدل ضربات القلب. ويُعد هذا النظام أساسيًا لتنظيم الانفعالات والاستجابة للاحتياجات الجسدية، وأي خلل فيه قد يؤدي إلى صعوبات في الوعي الذاتي والتنظيم العاطفي.
أهمية التدخل العملي
يسعى العلاج الوظيفي المجتمعي إلى ترجمة هذا الفهم النظري لأنظمة الحواس إلى ممارسات عملية تساعد الأطفال على التكيف مع بيئاتهم المختلفة. ويشمل ذلك تصميم أنشطة حسية مناسبة، وتعديل البيئة المحيطة، وتدريب الأهل والمعلمين على استراتيجيات داعمة. ويُراعى في ذلك تقديم الرعاية بأسلوب يتسم بالاهتمام، ويضمن الأمان، ويعكس مستوى عاليًا من الجودة المهنية.
فإن فهم معالجة الحواس يمثل خطوة أساسية نحو دعم الأطفال الذين يواجهون صعوبات في هذا الجانب. ومن خلال الوعي، والفهم، والتطبيق العملي، يمكن مساعدة الأطفال واليافعين على بناء مهاراتهم الحسية، وتعزيز مشاركتهم في الحياة اليومية، وتمكينهم من تحقيق نمو متوازن وصحي داخل المجتمع.
دور الأسرة والمدرسة في دعم المعالجة الحسية
لا يكتمل دور العلاج الوظيفي في معالجة الصعوبات الحسية دون شراكة حقيقية مع الأسرة والمدرسة، فهذان المحيطان يمثلان البيئة اليومية الأكثر تأثيرًا في حياة الطفل. ويُعد وعي الوالدين والمعلمين بطبيعة المعالجة الحسية عاملًا حاسمًا في نجاح أي تدخل علاجي. عندما يفهم الكبار أن بعض السلوكيات ليست عنادًا أو سوء تصرف، بل استجابة حسية غير منظمة، يصبح التعامل أكثر تعاطفًا وفعالية.
تلعب الأسرة دورًا محوريًا في ملاحظة الأنماط الحسية للطفل، مثل استجابته للأصوات، أو تفضيلاته الغذائية، أو تفاعله مع اللمس والحركة. ويساعد دمج الأنشطة الحسية البسيطة في الروتين اليومي على تحسين التنظيم العصبي، مثل الأنشطة الحركية، أو تمارين الضغط العميق، أو توفير بيئة هادئة عند الحاجة. كما أن الثبات في الروتين والشعور بالأمان يسهمان في تقليل القلق الحسي وتعزيز الاستقرار الانفعالي.
أما في البيئة المدرسية، فإن تهيئة الصف لتقليل المشتتات الحسية، واستخدام استراتيجيات تعليمية مرنة، وتوفير فترات حركة منظمة، كلها عوامل تدعم قدرة الطفل على التعلم والمشاركة. وعندما يعمل المعلم بالتعاون مع الأخصائي النفسي أو أخصائي العلاج الوظيفي، يصبح من الممكن بناء خطة دعم متكاملة تُراعي الفروق الفردية، وتمنح الطفل الفرصة للنجاح الأكاديمي والاجتماعي دون ضغط أو إقصاء.
المرجع:
Sensory Processing





