ترجمة: أ. جنا الدوسري
حكاية مصطلحين انطلقا من فكرة واحدة
كثيرًا ما تُستخدم مصطلحات التكامل الحسي (Sensory Integration) والمعالجة الحسية (Sensory Processing) وكأنهما يشيران إلى المفهوم نفسه، وهو أمر مفهوم نظرًا لأنهما نشآ من أساس نظري واحد. ومع ذلك، فإن التعمق في جذور كل مصطلح وتطوره يكشف عن فروق دقيقة لكنها مهمة، سواء على مستوى الإطار النظري أو التطبيق العلاجي. يهدف هذا المقال إلى توضيح الخلفية العلمية لهذين المفهومين، وشرح أوجه التشابه والاختلاف بينهما، مع تقديم سياق تاريخي يفسر سبب استخدام المصطلحين حتى اليوم.
مدخل إلى التكامل الحسي وفق منظور آيرز
يرتكز مفهوم التكامل الحسي على فكرة أساسية مفادها أن الدماغ لا يعمل فقط على استقبال المدخلات الحسية، بل يقوم بتنظيمها ودمجها وتفسيرها من أجل إنتاج استجابات تكيفية مناسبة. هذا التنظيم الحسي يشكّل الأساس الذي تُبنى عليه مهارات الطفل الحركية والمعرفية والانفعالية والاجتماعية. عندما تسير هذه العملية بسلاسة، يتمكن الطفل من التفاعل مع بيئته بثقة وكفاءة. أما في حال وجود خلل في هذه العملية، فقد تظهر صعوبات في الانتباه، أو التنظيم الانفعالي، أو المهارات الحركية، أو حتى في المشاركة اليومية في الأنشطة.
تُعد نظرية التكامل الحسي إطارًا يركز على العلاقة بين الجهاز العصبي والسلوك الوظيفي، وترى أن التعلم والسلوك لا ينفصلان عن الطريقة التي يعالج بها الدماغ المعلومات القادمة من الحواس المختلفة، مثل اللمس، والحركة، والإحساس العميق، إضافة إلى السمع والبصر. ومن هذا المنطلق، ظهرت تدخلات علاجية تهدف إلى دعم الدماغ في تنظيم هذه المدخلات بطريقة أكثر فاعلية.
ما المقصود بالمعالجة الحسية واضطرابها؟
يشير مصطلح المعالجة الحسية إلى العملية العصبية التي يستقبل من خلالها الدماغ المعلومات الحسية، ثم يفسرها وينظمها ويستخدمها لإنتاج استجابة مناسبة. هذه العملية مستمرة وتحدث في كل لحظة من حياتنا اليومية، وغالبًا دون وعي منا. لكن عندما يواجه الفرد صعوبة في هذه العملية، قد يظهر ما يُعرف بـ اضطراب المعالجة الحسية، وهو مصطلح يُستخدم لوصف مجموعة من التحديات التي تؤثر على كيفية استجابة الشخص للمثيرات الحسية.
قد يعاني بعض الأطفال من فرط الاستجابة للمثيرات الحسية، مثل الانزعاج الشديد من الأصوات أو اللمس، بينما قد يعاني آخرون من نقص الاستجابة، فيبدون غير منتبهين أو باحثين عن التحفيز الحسي بشكل مفرط. هذه الأنماط المختلفة قد تؤثر على قدرة الطفل على التعلم، وبناء العلاقات، والمشاركة في الأنشطة اليومية في المنزل أو المدرسة.
أوجه الاختلاف بين التكامل الحسي والمعالجة الحسية في الممارسة العلاجية
رغم أن المفهومين ينطلقان من أساس نظري واحد، إلا أن الاختلاف يظهر بشكل أوضح في النماذج العلاجية المستخدمة.
يعتمد علاج التكامل الحسي وفق نموذج آيرز على جلسات علاجية تُقدّم في بيئة مُعدّة خصيصًا لتوفير خبرات حسية غنية ومنظمة. يكون الطفل في هذا النوع من العلاج محور العملية العلاجية، حيث تُصمم الأنشطة بناءً على اهتماماته ودوافعه، ويُشجع على المبادرة والاستكشاف. ويلتزم المعالجون في هذا النموذج بمعايير محددة تضمن جودة التطبيق وارتباطه الوثيق بالإطار النظري.
في المقابل، تتسم النماذج القائمة على اضطراب المعالجة الحسية بمرونة أكبر في التطبيق، وغالبًا ما تمتد خارج حدود العيادة لتشمل المدرسة والمنزل. يركز هذا التوجه على تزويد الأهل والمعلمين باستراتيجيات عملية يمكن دمجها في الحياة اليومية، مثل تعديل البيئة الصفية، أو استخدام جداول حسية، أو إدخال أنشطة تنظيمية خلال اليوم. كما قد تتضمن بعض هذه النماذج أدوات إضافية مثل برامج الاستماع أو استراتيجيات معرفية سلوكية داعمة.
اختلاف المصطلحات واختلاف السياقات
لا يعكس اختلاف استخدام مصطلحي التكامل الحسي والمعالجة الحسية تناقضًا بقدر ما يعكس تنوعًا في الخلفيات التدريبية والسياقات الجغرافية. فبعض المعالجين يفضلون استخدام مصطلح التكامل الحسي نظرًا لتدريبهم المتخصص والتزامهم بالنموذج الكلاسيكي، بينما يستخدم آخرون مصطلح اضطراب المعالجة الحسية لشموليته وسهولة توظيفه في البيئات التعليمية والأسرية.
كما أن اختلاف المصطلحات قد يكون مرتبطًا بطريقة التواصل مع الأسر والمؤسسات، حيث يُنظر أحيانًا إلى مصطلح اضطراب المعالجة الحسية على أنه أكثر وضوحًا من حيث وصف الصعوبات اليومية التي يواجهها الطفل. ومع ذلك، فإن الهدف النهائي يبقى واحدًا: مساعدة الطفل على تنظيم عالمه الحسي وتحسين قدرته على الانتباه والمشاركة والنجاح في أنشطة حياته اليومية.
خلاصة الفكرة
يمكن القول إن التكامل الحسي واضطراب المعالجة الحسية هما وجهان لعملة واحدة، نشآ من فهم مشترك لكيفية عمل الجهاز العصبي في التعامل مع المدخلات الحسية. تطور كل مصطلح في مسار مختلف، متأثرًا بالبحث العلمي والتطبيقات السريرية واحتياجات الممارسين والأسر. وبينما يركز أحدهما على نموذج علاجي محدد المعايير، يفتح الآخر المجال لتطبيقات أوسع وأكثر مرونة.
في النهاية، لا تكمن الأهمية في المصطلح بحد ذاته، بل في جودة التدخل العلاجي وقدرته على إحداث فرق حقيقي في حياة الأطفال، ودعم نموهم، وتمكينهم من التفاعل مع العالم من حولهم بثقة واطمئنان.
الأبعاد العملية والتربوية للتكامل الحسي والمعالجة الحسية
لا تقتصر أهمية فهم الفرق بين التكامل الحسي واضطراب المعالجة الحسية على الجانب العلاجي فقط، بل تمتد لتشمل الأبعاد التربوية والنفسية والاجتماعية في حياة الطفل. فالطفل الذي يعاني من صعوبات في تنظيم المدخلات الحسية قد يُساء فهم سلوكه في المدرسة أو المنزل، حيث يُفسَّر أحيانًا على أنه ضعف في الانضباط أو قلة دافعية، بينما يكون في الواقع انعكاسًا مباشرًا لصعوبة عصبية في التعامل مع المثيرات المحيطة. من هنا تبرز أهمية وعي المعلمين والأسر بهذه المفاهيم، لأن التدخل المبكر والداعم يمكن أن يغيّر مسار تجربة الطفل التعليمية والانفعالية بشكل كبير.
كما أن دمج استراتيجيات المعالجة الحسية في البيئات اليومية يساعد على تقليل الضغط النفسي الذي قد يتعرض له الطفل، ويعزز شعوره بالأمان والقدرة على التحكم. فعندما تتكيّف البيئة مع احتياجات الطفل الحسية، يصبح أكثر استعدادًا للتعلم والتفاعل الاجتماعي، وأكثر قدرة على تنظيم انفعالاته وسلوكياته. وهذا يؤكد أن التكامل الحسي والمعالجة الحسية لا ينبغي النظر إليهما كنماذج علاجية منفصلة عن الواقع اليومي، بل كإطار شامل لفهم السلوك الإنساني ودعم النمو المتوازن. إن هذا الفهم المتكامل يساهم في بناء تدخلات أكثر إنسانية وفاعلية، تضع الطفل في مركز الاهتمام، وتراعي احتياجاته العصبية والنفسية في آن واحد.
المرجع:
Sensory Integration Theory vs Sensory Processing Disorder What’s the Difference?
https://www.griffinot.com/sensory-integration-sensory-processing/





