الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

مراجعة علمية لدور التدخلات الحسية في دعم الأطفال ذوي اضطرابات النمو

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

تواجه الأطفال الذين يعانون من اضطرابات النمو تحديات متعددة تؤثر على قدرتهم على المشاركة الفعّالة في الأنشطة اليومية المختلفة، سواء في المنزل أو المدرسة أو المجتمع. وقد أظهرت الأبحاث أن هذه الفئة تستفيد كثيرًا من التدخلات التي تهدف إلى دعم مشاركتهم الوظيفية والاجتماعية، ومن بين هذه التدخلات التدخلات الحسية، والتي تعتمد على استجابات الجسم للمؤثرات الحسية المختلفة مثل اللمس والضغط والضوء والحركة والصوت. ولضمان أن تكون هذه التدخلات فعالة، من الضروري أن تكون مستندة إلى أدلة علمية واضحة وأن تُطبّق بناءً على أسس معرفية سليمة. في هذا السياق، تهدف هذه الدراسة إلى مراجعة الأدبيات العلمية الحديثة لتقييم فعالية التدخلات القائمة على الأساليب الحسية، وفهم تأثيرها على النتائج الوظيفية للأطفال الذين يعانون من صعوبات في الإدراك أو معالجة الحواس، لتوجيه الممارسات السريرية بشكل أفضل.

مقدمة

تُعتبر اضطرابات النمو لدى الأطفال من الحالات التي تتطلب تدخلات متعددة الأبعاد، تشمل المجالات التعليمية، النفسية، والاجتماعية، بهدف تحسين جودة حياة الطفل وقدرته على المشاركة في أنشطة الحياة اليومية. واحدة من هذه التدخلات هي التدخلات الحسية، والتي تركز على تحسين طريقة استجابة الأطفال للمحفزات الحسية المختلفة. هذا النوع من التدخلات يهدف إلى تعزيز المهارات الحركية، الانتباه، التنظيم الذاتي، والتفاعل الاجتماعي، بحيث يمكن للأطفال التكيف بشكل أفضل مع بيئاتهم المختلفة.

مع تطور الأبحاث في هذا المجال، أصبح من الضروري دراسة الأدلة المتوفرة بشكل منهجي لتحديد مدى فعالية هذه التدخلات وتأثيرها على النتائج الوظيفية للأطفال، لا سيما في ظل تنوع طرق التدخل الحسي والاختلافات الفردية بين الأطفال. وعليه، فقد تم تصميم هذه المراجعة المنهجية لتلخيص أحدث الأدلة العلمية حول تأثير التدخلات الحسية على الأطفال من جميع الفئات العمرية، بما يشمل مرحلة الطفولة المبكرة حتى الشباب.

طرق البحث والمنهجية

تم استخدام أسلوب مراجعة منهجية للأدبيات العلمية لتقييم الدراسات الحديثة المتعلقة بالتدخلات الحسية. شمل البحث قواعد بيانات علمية متنوعة، تغطي مجالات الطب، علم النفس، التربية، والعلاج الوظيفي، لضمان شمول جميع الدراسات المهمة ذات الصلة. تم اختيار الدراسات بناءً على معايير محددة تشمل الأطفال والمراهقين الذين يعانون من صعوبات في معالجة الحواس أو اضطرابات الإدراك الحسي، بالإضافة إلى التركيز على الدراسات التي تتناول نتائج وظيفية واضحة يمكن قياسها.

كما تم اعتماد الدراسات التي تقع ضمن مستويات قوية من الأدلة العلمية وفق نموذج جونز هوبكنز للممارسات القائمة على الأدلة، لضمان أن النتائج المستخلصة تكون موثوقة وقابلة للتطبيق في الممارسة العملية. وقد تم الالتزام بمعايير منظمة لتقارير المراجعات المنهجية والمقارنات، بهدف تنظيم النتائج وتقديمها بطريقة دقيقة وموثوقة.

النتائج الرئيسية

بعد فحص الدراسات المختلفة، تبين أن هناك مجموعة من التدخلات الحسية التي أظهرت نتائج إيجابية واضحة. على سبيل المثال، أظهرت الدراسات أن استخدام الضغط العميق على الجلد، مثل استخدام البطانيات الثقيلة أو الأساليب المماثلة، يمكن أن يساهم بشكل كبير في تحسين الاستجابة الحسية للأطفال، وبالتالي دعم مشاركتهم في الأنشطة اليومية. كما تبين أن تدريب الوالدين على استخدام استراتيجيات حسية معينة في التعامل مع أطفالهم يعزز من فعالية هذه التدخلات ويؤدي إلى نتائج أفضل على مستوى الأداء الوظيفي والسلوك.

من جهة أخرى، أظهرت بعض الدراسات أن استخدام أساليب بديلة للجلوس، مثل الكراسي الخاصة أو الوسائل التي تهدف إلى تحسين الانتباه من خلال تغيير وضعية الجلوس، لم يكن لها تأثير كبير على تحسين الانتباه لدى الأطفال، وهو ما يشير إلى أن ليس كل تدخل حسي يؤدي بالضرورة إلى تحسين مباشر في الأداء الوظيفي.

كما كشفت النتائج أن التدخلات التي تستهدف مجموعة متنوعة من الحواس في الوقت ذاته تكون أكثر فعالية من تلك التي تركز على حاسة واحدة فقط. على سبيل المثال، الجمع بين الاستراتيجيات التي تشمل اللمس والحركة والتوازن يمكن أن يقدم نتائج أفضل من التركيز على لمسة معينة فقط أو نشاط حركي محدود. ومع ذلك، تبين أن هناك نقصًا واضحًا في الأدلة المتعلقة بتأثير تعديل البيئة الحسية المحيطة على الأطفال، مثل الإضاءة أو الصوتيات أو ترتيب المساحات، مما يشير إلى وجود فجوة معرفية تحتاج الدراسات المستقبلية إلى معالجتها.

المناقشة والتفسير

يمكن القول إن التدخلات الحسية تشكل أداة واعدة لدعم الأطفال ذوي صعوبات المعالجة الحسية في تحسين نتائجهم الوظيفية ومشاركتهم في الأنشطة اليومية. إن النتائج تشير إلى أن التدخلات الأكثر فعالية هي التي تجمع بين استراتيجيات متعددة وتشارك فيها الأسرة بشكل نشط، حيث أن التفاعل اليومي مع الوالدين أو مقدمي الرعاية يعزز من الاستفادة من هذه التدخلات.

ومع ذلك، هناك تحديات واضحة تواجه الباحثين والممارسين في هذا المجال. من أبرزها الحاجة إلى تحديد التدخل المناسب لكل طفل بناءً على تقييم شامل لقدراته واحتياجاته، وكذلك الحاجة إلى مزيد من الدراسات التي تبحث في تأثير التعديلات البيئية على المشاركة الوظيفية للأطفال. بالإضافة إلى ذلك، هناك حاجة إلى تقييم طويل المدى للتدخلات الحسية لمعرفة مدى استدامة تأثيرها على الأداء الوظيفي والسلوك الاجتماعي.

كما تشير المراجعة إلى أهمية تدريب الأخصائيين والآباء على تطبيق الاستراتيجيات الحسية بشكل فعّال، مع التأكيد على أن التدخل الحسي ليس حلاً منفردًا بل جزءًا من خطة شاملة لدعم الطفل تشمل الجوانب التعليمية والاجتماعية والنفسية. إن دمج التدخلات الحسية مع أساليب تربوية وعلاجية أخرى يمكن أن يزيد من فعالية البرنامج ويعزز من قدرة الأطفال على التكيف مع بيئاتهم المختلفة.

الخلاصة والتوصيات

تُظهر الأدلة الحالية أن التدخلات الحسية، خصوصًا التي تعتمد على الضغط العميق وتدريب الوالدين، يمكن أن تسهم بشكل إيجابي في تحسين النتائج الوظيفية للأطفال الذين يعانون من صعوبات في معالجة الحواس. ومع ذلك، هناك حاجة إلى المزيد من الدراسات لتوضيح الفوائد المتعلقة بالأنشطة المحددة وتأثير التعديلات البيئية.

توصي هذه المراجعة بأن يكون تصميم التدخلات الحسية متعدد الأبعاد، ويشمل استراتيجيات تستهدف أكثر من حاسة واحدة، مع مشاركة الوالدين في العملية التعليمية والتربوية. كما تشدد على ضرورة إجراء بحوث مستقبلية لتقييم التأثير طويل المدى لهذه التدخلات، بما يشمل التغيرات في السلوك الاجتماعي، الانتباه، الأداء الأكاديمي، والقدرة على التكيف مع بيئات مختلفة.

إن الفهم العميق لتأثير التدخلات الحسية على الأداء الوظيفي للأطفال يمكن أن يساهم في تحسين جودة البرامج التعليمية والعلاجية المقدمة لهم، ويعزز من مشاركتهم النشطة في الحياة اليومية، بما يعود بالنفع على الطفل والأسرة والمجتمع ككل. وبناءً على ذلك، فإن تطوير استراتيجيات قائمة على الأدلة ومتابعة تطبيقها بدقة يشكل خطوة مهمة نحو تقديم دعم فعّال للأطفال ذوي صعوبات المعالجة الحسية وضمان تمتعهم بحقهم الكامل في المشاركة الفعّالة في مختلف أنشطة حياتهم.

المرجع:

Systematic review of sensory-based interventions for children and youth (2015–2024)

https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC12658592/