ترجمة: أ. جنا الدوسري
بقلم: روث ستيفنز، أخصائية العلاج الوظيفي للأطفال
يبدأ الأطفال، منذ ولادتهم وحتى سن مبكرة، في التعرف على العالم من حولهم عبر حواسهم الخمس الأساسية. اللعب والتفاعل مع الأشياء المحيطة بهم لا يقتصر على كونه نشاطاً مسلياً، بل هو وسيلة أساسية لتحفيز الحواس وتطوير مهارات التفاعل الاجتماعي. من خلال هذه التجارب المبكرة، يبدأ الطفل في بناء فهمه للعالم من حوله وكيفية الارتباط بالآخرين. بالتالي، أي صعوبة في معالجة المعلومات الحسية يمكن أن تؤثر على مجموعة واسعة من المهارات التي يكتسبها الطفل أثناء نموه.
هذه الدراسة تسلط الضوء على أهمية فهم احتياجات الأطفال الحسية، وكذلك التأثير الذي يمكن أن تتركه التجارب المبكرة المجهدة على هذه الحواس، وكيف يمكن لذلك أن يساعد الأخصائيين والمعلمين والأهل على فهم أفضل لحركة الطفل وسلوكياته واحتياجاته التعليمية.
معالجة الحواس: مفهوم أساسي
معالجة الحواس تشير إلى قدرة الجسم على استقبال المعلومات الحسية من البيئة المحيطة، ومعالجتها في الجهاز العصبي، ثم الاستجابة لها بشكل مناسب. يمكن تلخيص العملية بثلاث خطوات رئيسية: استقبال المعلومات الحسية، معالجتها، ثم الاستجابة لها.
عندما يعاني الطفل من صعوبة في معالجة الحواس، فإن ذلك قد يؤثر على جميع جوانب حياته اليومية، بدءاً من التحكم في وضعية الجسم، مروراً بالقدرة على التقاط الأشياء، والانتباه في الصف، وصولاً إلى القدرة على بناء علاقات اجتماعية صحية ومستقرة.
لكن الخبر الجيد هو أن الجهاز العصبي يمتلك مرونة فريدة تسمى اللدونة العصبية، وهي قدرة الدماغ على التكيف وإصلاح نفسه من خلال إنشاء مسارات عصبية جديدة عند ممارسة أنشطة معينة بشكل متكرر ضمن جلسات العلاج. هذا يعني أنه مع الدعم الصحيح في الوقت المناسب، يمكن للأطفال الذين يعانون من صعوبات في معالجة الحواس أن يطوروا مهاراتهم ويقللوا من التحديات التي يواجهونها.
العلاقة بين اضطرابات معالجة الحواس والاضطرابات الأخرى
يمكن أن تكون صعوبات معالجة الحواس حالة مستقلة تعرف باسم اضطراب معالجة الحواس (SPD)، أو يمكن أن تظهر بشكل مرتبط بحالات أخرى. على سبيل المثال، قد تكون مرتبطة بتجارب الطفل المبكرة مع الصدمات النفسية أو باضطرابات الارتباط العاطفي. كما يمكن أن تتواجد مع اضطرابات أخرى مثل خلل التنسيق الحركي (Dyspraxia)، التأخر في النمو، التوحد، متلازمة هشاشة X، اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه (ADHD)، واضطرابات اللغة والكلام، وغيرها من الحالات.
إن معالجة الحواس تشكل أساس قدرتنا على التفاعل مع العالم ووظائفنا اليومية. إذا كانت قدرة الفرد على معالجة المعلومات الحسية غير فعالة، فإن ذلك سيؤثر على مهاراته في الحياة اليومية، مثل القدرة على تناول الطعام، ارتداء الملابس، المشاركة في الألعاب الجماعية، والحفاظ على التوازن أثناء الحركة.
الأساس العصبي لمعالجة الحواس
الجهاز العصبي هو المسؤول عن استقبال المعلومات الحسية ومعالجتها، ويشكل قاعدة لكل المهارات الحركية والاجتماعية والتعليمية. الأطفال الذين يواجهون صعوبة في معالجة الحواس قد يظهرون مجموعة متنوعة من السلوكيات، مثل الحساسية المفرطة تجاه الأصوات أو الأضواء، أو عدم القدرة على تنظيم المشاعر والتصرفات، أو صعوبة في تنسيق الحركات الدقيقة والكبيرة.
على سبيل المثال، طفل يعاني من فرط الحساسية السمعية قد يرفض التواجد في بيئات صاخبة، مما قد يؤثر على مشاركته في الصف أو اللعب مع أقرانه. بالمقابل، طفل يعاني من انخفاض الحساسية قد يبدو غير منتبه لما يحدث حوله، ويحتاج لتحفيز أكبر لتنشيط حواسه. هذه الفروق في الاستجابة الحسية تؤثر بشكل مباشر على طريقة تفاعل الطفل مع العالم وعلى نجاحه في المهام اليومية.
التأثيرات المبكرة للصدمات النفسية على الحواس
لا يمكن فهم صعوبات معالجة الحواس بشكل كامل دون النظر إلى تجارب الطفل المبكرة، خاصة التجارب المجهدة أو الصادمة. التعرض للإجهاد أو الصدمة في مراحل الطفولة المبكرة يمكن أن يؤثر على كيفية تطوير الجهاز العصبي وقدرته على معالجة المعلومات الحسية.
الأطفال الذين يعانون من اضطرابات الارتباط أو الذين واجهوا صدمة في سن مبكرة قد يظهرون صعوبات في التنظيم العاطفي والحركي، مثل صعوبة الجلوس بهدوء، التحكم في السلوكيات، أو التواصل الفعال مع الآخرين. يمكن أن يؤدي هذا بدوره إلى صعوبات في التعلم، وتحديات في العلاقات الاجتماعية، وحتى مشكلات في الصحة العقلية لاحقاً إذا لم يتم تقديم الدعم المناسب.
كيفية دعم الأطفال ذوي صعوبات معالجة الحواس
تقديم الدعم للأطفال الذين يعانون من صعوبات في معالجة الحواس يتطلب فهمًا دقيقًا لاحتياجاتهم الفردية. يمكن للأخصائيين استخدام جلسات العلاج الحسي لتقديم أنشطة مهيكلة تساعد الطفل على تنظيم استجاباته الحسية وتحسين مهاراته الحركية والاجتماعية.
تشمل هذه الأنشطة مجموعة واسعة من التمارين، مثل التسلق، القفز على الترامبولين، اللعب بالرمل أو الماء، أو استخدام أدوات حسية متنوعة مثل كرات الضغط أو الأقمشة ذات الملمس المختلف. الهدف من هذه الأنشطة هو توفير تجربة حسية متدرجة تسمح للطفل بالتكيف مع الحواس المختلفة بطريقة آمنة وفعّالة.
أهمية اللعب والتفاعل الاجتماعي
اللعب ليس مجرد ترفيه للأطفال، بل هو وسيلة حيوية لتطوير الحواس والتعلم الاجتماعي. من خلال التفاعل مع الأقران والبالغين، يتعلم الأطفال كيفية تنظيم مشاعرهم واستجاباتهم الحسية. كما يساعد اللعب الحركي، مثل القفز والجري واللعب بالكرات، على تعزيز التنسيق الحركي وتطوير القوة والتحمل البدني.
يمكن للأنشطة الاجتماعية المنظمة، مثل الألعاب الجماعية والأنشطة الإبداعية، أن تدعم مهارات التواصل، التعاون، وحل المشكلات. الأطفال الذين يحصلون على فرص منتظمة للعب والتفاعل يتعلمون بشكل أفضل كيفية التعامل مع التحديات اليومية واستجاباتهم للمواقف المختلفة.
خلاصة
فهم ومعالجة صعوبات الحواس لدى الأطفال ليس مجرد تحسين لسلوكياتهم أو مهاراتهم الحركية، بل هو استثمار طويل الأمد في صحتهم النفسية والاجتماعية والتعلمية. من خلال تقديم الدعم المناسب في الوقت المناسب، يمكن للأطفال أن يطوروا قدرة أفضل على التفاعل مع البيئة المحيطة، تحسين مهاراتهم الحركية والاجتماعية، وتقليل التأثيرات السلبية للصدمات المبكرة.
إن معالجة الحواس ليست عملية محددة أو منفصلة عن النمو العام للطفل، بل هي أساس كل مهارات الحياة اليومية والتفاعل الاجتماعي. لذلك، فإن الاهتمام بالطفل على هذا المستوى، وفهم كيفية تفاعل الحواس مع العواطف والتجارب المبكرة، يعد خطوة مهمة لضمان نمو صحي ومتوازن.
باختصار، الأطفال يتعلمون عن العالم من حولهم أولاً عبر حواسهم، وأي دعم يمكن تقديمه لتحسين قدرة هذه الحواس على استقبال ومعالجة المعلومات سيؤدي إلى تأثير إيجابي على جميع جوانب حياتهم. العلاج الحسي، اللعب، التفاعل الاجتماعي، وفهم تجارب الطفل المبكرة كلها أدوات مهمة تساعد على بناء قاعدة صلبة لنموهم المستقبلي.
المرجع:
Sensory Processing,
Coordination and
Attachment





