ترجمة: أ. جنا الدوسري
يعد اضطراب معالجة الحواس (SPD) حالة عصبية تؤثر على قدرة الفرد على إدراك المحفزات الحسية والاستجابة لها بطريقة مناسبة. بالنسبة للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، يمكن أن يكون لهذا الاضطراب تأثير كبير على قدرتهم على المشاركة بفعالية في البيئات التعليمية التقليدية، مما يعوق تعلمهم وتفاعلهم الاجتماعي داخل المدرسة. تهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على أهمية فهم اضطراب معالجة الحواس في سياق تطوير فصول دراسية شاملة تلبي الاحتياجات الحسية والتعليمية الفريدة لهؤلاء الأطفال.
تبدأ الدراسة بتعريف اضطراب معالجة الحواس وشرح أعراضه، والتي تتراوح من الحساسية المفرطة للمؤثرات الحسية إلى انخفاض الاستجابة لها، بالإضافة إلى توضيح مدى انتشار هذه الحالة بين الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة. بناءً على مراجعة شاملة للأدبيات العلمية الحديثة، يتضح أن الأطفال الذين يعانون من اضطراب معالجة الحواس يواجهون صعوبات متعددة تؤثر على قدرتهم على التركيز، والمشاركة في الأنشطة الجماعية، وإتمام المهام الأكاديمية بشكل فعال. هذه الصعوبات قد تؤدي إلى شعور بالقلق والتوتر، وتأثير سلبي على التفاعل الاجتماعي، كما يمكن أن تزيد من شعور الطفل بالعزلة داخل الفصل.
تركز الدراسة بعد ذلك على الجوانب العملية لتصميم فصول دراسية تراعي احتياجات الأطفال ذوي اضطراب معالجة الحواس. من أبرز التوصيات توفير بيئة تعليمية مرنة، مثل التحكم في الإضاءة لتكون مريحة للعين، وتقليل مستويات الضوضاء داخل الصف لتجنب التحفيز المفرط، وإدخال أدوات حسية تساعد الأطفال على التركيز وتنظيم استجابتهم الحسية. من بين الأدوات الموصى بها: كرات الجلوس، والسجاد الحسي، والألعاب التفاعلية التي تساعد الأطفال على ممارسة الحركة بطريقة منظمة، مما يسهم في تحسين التركيز وتقليل الشعور بالإرهاق الناتج عن المحفزات الحسية المتعددة.
كما تستعرض الدراسة فوائد هذه التعديلات على النتائج التعليمية للأطفال. تبين الأدلة أن الفصول الدراسية المهيأة حسياً لا تعزز فقط القدرة على التعلم، بل تساعد أيضًا في تحسين تنظيم الانفعالات والتحكم العاطفي، وتشجع المشاركة الاجتماعية الإيجابية بين الطلاب. على سبيل المثال، يمكن للأنشطة الحركية القصيرة والفواصل التعليمية النشطة أن تقلل من السلوكيات المشتتة وتحسن قدرة الأطفال على الانتباه، مما يتيح لهم التفاعل بشكل أفضل مع المعلمين وزملائهم.
تركز الدراسة أيضًا على أهمية تدريب المعلمين على التعامل مع اضطراب معالجة الحواس. من خلال برامج تعليمية مخصصة، يمكن للمعلمين التعرف على الاحتياجات الحسية للطلاب، وتعلم استراتيجيات لتكييف البيئة التعليمية وفقًا لهذه الاحتياجات. ويشمل ذلك استخدام جداول نشاط مرئية، وتوزيع المهام بطريقة تتناسب مع قدرة الطالب على التركيز، وتقديم دعم فردي عند الحاجة. كما يشير البحث إلى ضرورة التعاون بين المعلمين وأولياء الأمور لضمان تكامل الاستراتيجيات العلاجية والتعليمية، مما يعزز من فعالية التدخلات ويزيد من فرص نجاح الطفل داخل المدرسة وخارجها.
بالإضافة إلى ذلك، تستعرض الدراسة كيفية الاستفادة من التكنولوجيا في دعم بيئات التعلم الحسّي. يمكن للتقنيات الحديثة أن توفر أدوات تعليمية تفاعلية تساعد الأطفال على التحكم في المحفزات الحسية، مثل الأجهزة اللوحية التي تتيح أنشطة حسية منظمة، أو تطبيقات الواقع المعزز التي تقدم بيئة تعليمية قابلة للتخصيص حسب احتياجات الطفل. تعزز هذه الأدوات من التفاعل الإيجابي للطلاب مع المواد التعليمية، وتساهم في تحسين تحصيلهم الأكاديمي، بالإضافة إلى تعزيز شعورهم بالراحة والأمان داخل الفصل.
تقدم الدراسة مراجعة شاملة للأبحاث السابقة، مستعرضة أبرز النتائج والاتجاهات العلمية، وتحدد الثغرات المعرفية التي تحتاج إلى استكشاف أعمق. على سبيل المثال، تشير بعض الدراسات إلى وجود تأثيرات إيجابية واضحة للتعديلات الحسية على الأداء الأكاديمي، بينما لا تزال هناك حاجة لمزيد من الأبحاث لتحديد أفضل الممارسات لتطبيق هذه التعديلات في البيئات التعليمية المختلفة. كما تركز بعض الدراسات على العلاقة بين اضطراب معالجة الحواس واضطرابات النمو العصبي الأخرى، مثل التوحد وADHD، وتأثير ذلك على استراتيجيات التدخل المستخدمة داخل الصف.
تخلص الدراسة إلى التأكيد على أهمية الفصول الدراسية المهيأة حسياً كعنصر أساسي لدعم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة. فهي لا تعزز التحصيل الأكاديمي فحسب، بل تساعد أيضًا على تحسين التنظيم العاطفي، وتخفف من الإجهاد الحسي، وتشجع المشاركة الاجتماعية، مما يخلق بيئة تعليمية أكثر شمولية وعدلاً. ومن التوصيات العملية التي تطرحها الدراسة: دمج تدريب اضطراب معالجة الحواس ضمن برامج إعداد المعلمين، تطبيق التعديلات البيئية المدعومة بالأدلة العلمية، تعزيز التعاون مع أولياء الأمور، والاستفادة من التكنولوجيا لتطوير استراتيجيات تعليمية حسية مبتكرة.
تؤكد الدراسة أن الاهتمام بالاحتياجات الحسية للطلاب لا يقتصر على تحسين الأداء الأكاديمي فقط، بل يمثل خطوة نحو تحقيق العدالة التعليمية، حيث يمكن لجميع الطلاب الوصول إلى فرص تعلم متساوية بغض النظر عن التحديات العصبية أو الحسية التي يواجهونها. كما تدعو الدراسة إلى استمرار البحث العلمي والسياسات التعليمية التي تدعم تطوير بيئات تعليمية شاملة، وتحث على الابتكار في تصميم الفصول الدراسية لتكون أكثر استجابة للتنوع العصبي بين الطلاب.
في الختام، توضح الدراسة أن التعامل مع اضطراب معالجة الحواس بشكل فعال يتطلب دمج المعرفة النظرية مع التطبيقات العملية داخل الصف، مما يتيح للمعلمين تصميم بيئات تعليمية تتسم بالمرونة والدعم الفردي. هذه البيئات لا تعمل فقط على تعزيز التعلم، بل تسهم أيضًا في بناء ثقة الطفل بنفسه، وتحفيز التفاعل الاجتماعي الإيجابي، وإعداد الطلاب لمواجهة التحديات الأكاديمية والاجتماعية بثقة وكفاءة. بالتالي، فإن الاستثمار في فهم اضطراب معالجة الحواس وتطبيق التعديلات الحسية المناسبة يمثل خطوة أساسية نحو تعزيز التعليم الشامل والمساواة بين جميع الطلاب.
علاوة على ذلك، تؤكد الأدلة الحديثة على أن الفصول الدراسية المهيأة حسياً لا تقتصر فوائدها على الأطفال الذين يعانون من اضطراب معالجة الحواس فقط، بل يمكن أن تعود بالنفع على جميع الطلاب. فمثلاً، الفصول التي توفر بيئة هادئة وقابلة للتخصيص، مع إمكانية التحكم في الإضاءة والضوضاء وتقديم أدوات حسية متنوعة، تعزز من قدرة الطلاب على التركيز والانتباه، وتقليل الإجهاد الناتج عن المحفزات المتعددة، مما يخلق بيئة تعليمية أكثر راحة وإنتاجية. هذا يشير إلى أن تصميم الفصول الدراسية وفقًا لمبادئ التنوع العصبي يمكن أن يكون استراتيجية تعليمية فعّالة على نطاق واسع، تدعم التعلم الشامل والتفاعل الإيجابي بين الطلاب والمعلمين.
كما أن دمج استراتيجيات التحفيز الحسي والتدخلات التربوية داخل المنهج الدراسي يمكن أن يسهم في تعزيز التعلم النشط والمشاركة الفعالة للطلاب. يمكن للمعلمين، على سبيل المثال، استخدام فواصل الحركة القصيرة والأنشطة الحسية أثناء الحصص الدراسية لتحفيز النشاط البدني وتحسين التركيز، أو توفير مناطق هادئة داخل الفصل للأطفال الذين يحتاجون إلى وقت لإعادة تنظيم استجابتهم الحسية. هذا النهج لا يحسن الأداء الأكاديمي فحسب، بل يعزز أيضًا الصحة النفسية للأطفال، ويخفف من مشاعر القلق والإحباط المرتبطة بالمحفزات الحسية المفرطة، ويزيد من شعورهم بالتمكين الذاتي داخل البيئة المدرسية.
علاوة على ذلك، يلعب التفاعل بين المدرسة والأسرة دورًا محوريًا في نجاح هذه التعديلات الحسية. فعندما يتم إشراك أولياء الأمور في التخطيط وتنفيذ الاستراتيجيات الحسية، يصبح لديهم فهم أفضل لاحتياجات طفلهم، مما يسهل متابعة الدعم في المنزل وتكامل الخبرات التعليمية مع الحياة اليومية. ويمكن أن تشمل هذه المشاركة توجيه الأسرة حول استخدام الأدوات الحسية المناسبة، أو تعليم استراتيجيات لتعزيز التنظيم العاطفي والسلوكي، مما يعزز نتائج التدخل بشكل كبير ويضمن استدامة الفوائد على المدى الطويل.
المرجع:
Design for Diversity: Sensory Processing Disorder and Classroom Adaptations
https://ojs.amhinternational.com/index.php/imbr/article/view/4538





