ترجمة: أ. جنا الدوسري
نحن معرضون يومياً لكميات هائلة من المعلومات الحسية، التي تصلنا عبر حواسنا المختلفة. من الضوء والظلام، والألوان والخامات، إلى الأصوات المتنوعة، والألم بمستوياته المختلفة، والروائح والنكهات المتباينة. وما ذكرناه هو مجرد الحواس التي عادةً ما نربطها بالعالم المحيط بنا. إلا أن هناك حواس أخرى، أكثر هدوءاً، تساعدنا على إدراك موقع أجسادنا في الفضاء، وحركاتها وتوازنها أثناء جلوسنا، أو مشينا، أو ركضنا، أو حتى أثناء السباحة والرقص.
ليس من المستغرب أن الناس لا يدركون الأشياء بنفس الطريقة. فبعض الأشخاص تكون لديهم حدة عالية تجاه بعض الحواس، لدرجة أن بعض المنبهات تصبح مزعجة أو حتى ساحقة لهم. بينما يجد آخرون صعوبة في اكتشاف بعض المحفزات الحسية. إضافة إلى ذلك، فإن الطريقة التي يفسر بها الأفراد المعلومات الحسية ويستجيبون لها تختلف بشكل كبير من شخص لآخر. وعندما لا تتوافق البيئة المحيطة بالشخص مع احتياجاته الحسية، قد يؤدي ذلك إلى شعوره بعدم الراحة، واضطراب في التنظيم العاطفي، وصعوبات في أداء الأنشطة اليومية، بما في ذلك التعلم والتفاعل مع الآخرين.
من المهم التأكيد على أن اختلافات المعالجة الحسية ليست مقتصرة على الأطفال ذوي التنوع العصبي، بل يمكن أن تظهر أيضاً لدى الأطفال والبالغين الطبيعيين عصبيًا. وبعبارة أخرى، كل فرد لديه نمط حسي فريد يمكن أن يؤثر على كيفية تفاعله مع البيئة المحيطة به.
والجانب المطمئن هو أننا نمتلك أدوات موثوقة لفهم الأنماط الحسية للأشخاص. هذه الأدوات تمكّننا من التعرف على الاحتياجات الفردية بشكل أدق، ومن ثم إجراء التعديلات المناسبة في البيئات المحيطة، وتطوير مهارات التأقلم لدى الأفراد بحيث يحصلون على ما يحتاجونه ليتمكنوا من الأداء الجيد خلال يومهم.
مفاهيم المعالجة الحسية: الاختلاف أم الاضطراب؟
على الرغم من أن الأدلة العلمية الحديثة لم تعترف بالمعالجة الحسية كاضطراب مستقل في الدليل التشخيصي للأمراض العقلية أو في التصنيف الدولي للأمراض، فإن العديد من المتخصصين والباحثين يستخدمون مصطلح “اضطراب المعالجة الحسية” لوصف الأشخاص الذين يواجهون صعوبات كبيرة في تنظيم استجابتهم للمحفزات الحسية، بحيث تؤثر هذه الصعوبات بشكل ملحوظ على أنشطتهم اليومية وروتين حياتهم، فضلاً عن قدرتهم على التعلم.
ومع ذلك، يجب النظر إلى اختلافات المعالجة الحسية كجزء من التنوع الطبيعي للبشر، وليس بالضرورة كعلامة مرضية. فهذه الاختلافات قد ترتبط بعدة حالات تنموية وعصبية أو صحية، لكنها قد تكون ببساطة جزءاً من الطريقة التي يختبر بها الفرد العالم من حوله.
نموذج المربعات الأربعة
في عام 1963، قدمت الدكتورة جان آيرز، وهي معالجة احترافية بارزة في مجال العلاج الوظيفي، مصطلح “الاندماج الحسي” لتوصيف الطريقة التي يستجيب بها الأشخاص للمحفزات الحسية المحيطة بهم وداخل أجسادهم. ركزت آيرز في دراستها على تجربة الأطفال ذوي صعوبات التعلم والاضطرابات التنموية، وساعدت أعمالها على توسيع فهمنا لكيفية معالجة الحواس وتأثيرها على حياة الأفراد.
لاحقاً، قامت معالجة الوظائف المهنية الدكتورة ويني دن بتطوير نموذج يصف المعالجة الحسية بناءً على تفاعل عاملين رئيسيين: العتبات العصبية (أي شدة المنبه المطلوبة لكي يلاحظها الفرد) والاستجابات السلوكية (أي مدى ميول الفرد للاستجابة بشكل سلبي أو نشط للمحفزات الحسية).
يقسم نموذج دن الأشخاص إلى أربعة أرباع، وفقاً لتفاعل عتباتهم العصبية مع استجاباتهم السلوكية. تعتبر الاستجابات السلوكية محاولات طبيعية لتنظيم الذات، وتوجد على طيف يمتد من السلبية إلى النشاط. على سبيل المثال، قد تتضمن الاستراتيجيات السلبية تجاه المحفزات الحسية تجاهل المنبه أو الشعور بالارتباك عند مواجهته، في حين قد تتضمن الاستراتيجيات النشطة البحث عن الحركة أو تغيير البيئة المحيطة لتقليل الإحساس بالمحفز.
وقد تكون استجابات الأشخاص للمحفزات مفيدة لهم، تساعدهم على التكيف، أو قد تكون معيقة وتؤثر على قدرتهم على الأداء الوظيفي. فهم هذه الاستجابات مهم جداً لتصميم بيئات تعليمية وعلاجية تناسب الاحتياجات الفردية.
أهمية فهم المعالجة الحسية
تساعدنا المعرفة بالأنماط الحسية على تطوير برامج تدخلية أكثر دقة، سواء للأطفال أو البالغين. فعلى سبيل المثال، عندما يكون لدى الطفل حساسية مفرطة للضوء أو الصوت، يمكن تعديل بيئته المدرسية لتقليل تلك المنبهات. وفي المقابل، قد يحتاج شخص آخر إلى زيادة المحفزات الحسية لتعزيز تركيزه أو تحفيز نشاطه.
إن فهم اختلافات المعالجة الحسية يعزز أيضًا من قدرة الأهل والمعلمين والمختصين على دعم الأفراد في تطوير مهارات التأقلم والتنظيم الذاتي. فالأشخاص الذين يتعلمون كيف يتعرفون على محفزاتهم ويستجيبون لها بشكل مناسب يميلون إلى تحقيق أداء أفضل في حياتهم اليومية، ويقل لديهم الشعور بالإرهاق أو التوتر.
المعالجة الحسية والتنمية البشرية
تؤثر طريقة إدراكنا للمحفزات الحسية واستجابتنا لها على كل جانب من حياتنا، من التعلم والعمل إلى العلاقات الاجتماعية. فعندما تكون البيئة متوافقة مع احتياجاتنا الحسية، نتمكن من التركيز، والتفاعل، والتعلم بكفاءة أكبر. أما عندما تكون غير متوافقة، فقد تظهر صعوبات سلوكية أو عاطفية.
وبالتالي، فإن التركيز على الفهم الفردي للمعالجة الحسية ليس مجرد اهتمام طبي، بل هو جزء أساسي من تطوير بيئات شاملة تدعم جميع الأفراد، سواء كانوا من ذوي التنوع العصبي أو الأشخاص الطبيعيين عصبيًا. هذا الفهم يساعد على تصميم بيئات تعليمية، منزلية، ومهنية تراعي الاختلافات الفردية في المعالجة الحسية، مما يعزز القدرة على التعلم والتفاعل الاجتماعي ويقلل من المشاعر السلبية مثل القلق أو التوتر.
استراتيجيات التكيف والتنظيم الذاتي
الأفراد يستخدمون مجموعة متنوعة من الاستراتيجيات للتعامل مع اختلافاتهم الحسية. هذه الاستراتيجيات قد تكون متعمدة أو تلقائية، وتختلف بين الأشخاص. بعض الأشخاص يتجنبون المحفزات المفرطة من خلال الابتعاد عن الأماكن الصاخبة أو استخدام أدوات مساعدة مثل سماعات عازلة للصوت. آخرون قد يستخدمون الحركة أو الأنشطة الحسية المنظمة كطريقة لتفريغ الطاقة أو تحسين التركيز، مثل القفز على الترامبولين أو استخدام الكرة المطاطية.
إن تطوير مهارات التنظيم الذاتي جزء أساسي من العلاج الوظيفي وبرامج التدخل المبكر للأطفال ذوي صعوبات المعالجة الحسية. هذه المهارات تساعد الأفراد على التحكم في استجاباتهم للمحفزات، مما يتيح لهم أداء المهام اليومية بشكل أكثر فاعلية، سواء كان ذلك في المنزل، المدرسة، أو مكان العمل.
التطبيقات العملية لنموذج دن
نموذج المربعات الأربعة الذي اقترحته الدكتورة ويني دن يوفر إطاراً عملياً لفهم كيفية استجابة الأفراد للمحفزات الحسية وتصنيفها. يعتمد النموذج على محورين: شدة الاستجابة (العتبة العصبية) وطبيعة الاستجابة السلوكية (من سلبية إلى نشطة).
الأفراد ذوو العتبة المنخفضة والاستجابات السلبية: هؤلاء قد يشعرون بالارتباك أو الإرهاق عند التعرض لمنبهات معتدلة. يحتاجون عادةً إلى بيئات هادئة وداعمة، مع أدوات مساعدة لتقليل المحفزات المفرطة.
الأفراد ذوو العتبة المنخفضة والاستجابات النشطة: هؤلاء قد يسعون لتغيير بيئتهم أو البحث عن طرق للتنفيس عن استجابتهم للمحفزات، مثل الحركة المستمرة أو البحث عن مكان أكثر هدوءًا.
الأفراد ذوو العتبة العالية والاستجابات السلبية: هؤلاء غالبًا ما يبدون هادئين، لكنهم قد يحتاجون لمزيد من التحفيز لأداء مهامهم بفاعلية، مثل إضافة مؤثرات حسية مناسبة لدعم الانتباه والتركيز.
الأفراد ذوو العتبة العالية والاستجابات النشطة: هؤلاء يميلون للبحث عن محفزات إضافية لتلبية احتياجاتهم الحسية، وقد ينجحون في بيئات غنية بالمحفزات المتنوعة، مثل الأنشطة الرياضية أو الإبداعية.
باستخدام هذا النموذج، يمكن للمعلمين، الأهل، والمعالجين تصميم بيئات تعليمية وداخلية تراعي الفروق الفردية، وتقديم استراتيجيات دعم مخصصة لكل شخص، مما يعزز فرص نجاحه وتفاعله بشكل أفضل مع العالم من حوله.
أثر فهم المعالجة الحسية على التعلم والتفاعل الاجتماعي
عندما يتم فهم احتياجات الفرد الحسية بشكل جيد، يمكن أن يتحسن أداؤه التعليمي والاجتماعي بشكل كبير. على سبيل المثال، الطفل الذي يعاني من حساسية صوتية شديدة قد يجد صعوبة في التركيز في الصف إذا كانت البيئة صاخبة. من خلال تعديل البيئة، مثل توفير مكان هادئ أو السماح باستخدام أدوات مساعدة، يمكن للطفل التعلم بشكل أكثر كفاءة.
أما بالنسبة للبالغين، ففهم نمطهم الحسي يمكن أن يساعدهم في إدارة ضغوط العمل، وتحسين التفاعل مع الزملاء، والتقليل من الإرهاق الناتج عن البيئات المزدحمة أو الصاخبة. كما يمكن أن يكون هذا الفهم مفيدًا في تطوير خطط العلاج النفسي أو التدخل المهني، حيث يتيح تخصيص استراتيجيات تتوافق مع الاحتياجات الفردية.
الخلاصة
تعد المعالجة الحسية جزءاً أساسياً من التجربة الإنسانية اليومية، وفهمها يساعدنا على تحسين جودة الحياة للأفراد ذوي التنوع العصبي، وكذلك للأشخاص الطبيعيين عصبيًا. من خلال التعرف على الأنماط الفردية، يمكننا تصميم بيئات داعمة، وتطوير استراتيجيات تأقلم فعالة، وتعليم مهارات التنظيم الذاتي، مما يمكّن الأشخاص من الأداء الأمثل في حياتهم اليومية.
كما يسلط التركيز على اختلافات المعالجة الحسية الضوء على التنوع الطبيعي للبشر، ويشجع على احترام احتياجات كل فرد بشكل خاص. الفهم العميق لهذه الاختلافات يمكن أن يكون أساساً لتقديم دعم فعال سواء في المدارس، أماكن العمل، أو المنزل، ويعزز التفاعل الاجتماعي الصحي، ويقلل من المشاعر السلبية الناتجة عن عدم توافق البيئة مع الاحتياجات الفردية.
في النهاية، المعالجة الحسية ليست مجرد موضوع علمي، بل هي أداة عملية لتحسين حياة الأفراد وتمكينهم من التعامل مع العالم من حولهم بطريقة أكثر راحة وفعالية، مما يعزز التنمية الشخصية والقدرة على التعلم والتفاعل الاجتماعي في جميع مراحل الحياة.
المرجع :
Assessing Sensory
Processing Patterns: Explore Resources, Techniques, Key Insights, and Methodologies
for Evaluation
https://www.wpspublish.com/content/research-brief/assessing-sensory-processing





