الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

اضطرابات المعالجة الحسية والمشاركة الاجتماعية لدى الأطفال

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

تُعدّ المشاركة في الجوانب الاجتماعية للحياة اليومية عنصرًا أساسيًا في نمو الطفل النفسي والاجتماعي والانفعالي. فمن خلال التفاعل مع الآخرين، وبناء العلاقات، والمشاركة في الأنشطة الجماعية، يطوّر الطفل مهارات التواصل، وتقدير الذات، والشعور بالانتماء، وهي جميعها ركائز أساسية لنمو صحي ومتوازن. وعلى الرغم من أن وجود إعاقة لدى الطفل يُعترف به تقليديًا كعامل مؤثر في قدرته على المشاركة الاجتماعية، فإن التأثير المحدد لاضطرابات المعالجة الحسية على المشاركة الاجتماعية للأطفال لا يزال غير مفهوم بشكل كافٍ في الأدبيات العلمية.

اضطراب المعالجة الحسية هو حالة يعاني فيها الطفل من صعوبات في استقبال المعلومات الحسية من البيئة المحيطة (مثل الأصوات، اللمس، الحركة، أو المحفزات البصرية) وتنظيمها والاستجابة لها بطريقة مناسبة. هذه الصعوبات لا تكون بالضرورة ظاهرة بشكل مباشر، لكنها قد تنعكس على سلوك الطفل، وانفعالاته، وقدرته على التفاعل مع الآخرين، مما قد يؤثر بدوره على مشاركته في الأنشطة الاجتماعية المختلفة.

انطلقت هذه الدراسة من الحاجة إلى فهم أعمق لكيفية تأثير اضطرابات المعالجة الحسية على أنماط المشاركة الاجتماعية لدى الأطفال، بعيدًا عن الافتراضات العامة التي تربط الصعوبات الاجتماعية فقط بالإعاقات الواضحة أو الاضطرابات النمائية الكبرى. وهدفت إلى مقارنة أنماط المشاركة الاجتماعية بين مجموعتين من الأطفال: أطفال يعانون من اضطرابات المعالجة الحسية، وأطفال من أقرانهم ذوي النمو النمطي، وذلك من أجل تسليط الضوء على أوجه التشابه والاختلاف بين المجموعتين في حياتهم اليومية.

اعتمدت الدراسة على منهجية شاملة لجمع البيانات، حيث شارك الأطفال أنفسهم في مقابلات منظمة تم تصميمها بطريقة تناسب أعمارهم وقدراتهم التعبيرية. وخلال هذه المقابلات، طُلب من الأطفال التحدث عن أنشطتهم اليومية، وكيف يقضون أوقات فراغهم، وما هي الأنشطة التي يفضلونها، بالإضافة إلى طبيعة علاقاتهم الاجتماعية، مثل الأصدقاء الذين يتفاعلون معهم، والأماكن التي تحدث فيها هذه التفاعلات. ولتعزيز موثوقية النتائج، لم تقتصر الدراسة على تقارير الأطفال فقط، بل تم دعمها باستبيانات أُعدّت خصيصًا لأولياء الأمور والمعلمين، بهدف الحصول على صورة أكثر تكاملًا ودقة عن أنماط المشاركة الاجتماعية للأطفال في بيئات مختلفة، مثل المنزل والمدرسة.

أظهرت نتائج الدراسة أن الأطفال في المجموعتين، سواء أولئك الذين يعانون من اضطرابات المعالجة الحسية أو أقرانهم ذوي النمو النمطي، يتشابهون إلى حد كبير في تفضيلاتهم العامة للأنشطة وفي الطريقة التي يقضون بها أوقات فراغهم. فكلا المجموعتين عبّر عن اهتمام بأنشطة اللعب، والأنشطة الترفيهية، وبعض الأنشطة الجماعية التي تتناسب مع مرحلتهم العمرية. وهذا يشير إلى أن وجود اضطراب في المعالجة الحسية لا يعني بالضرورة اختلافًا جوهريًا في نوعية الأنشطة التي يرغب الطفل في ممارستها أو يختارها عندما تتاح له الفرصة.

إلا أن أوجه الاختلاف بين المجموعتين برزت بشكل واضح عند التعمق في طبيعة المشاركة ذاتها، وليس مجرد نوع النشاط. فقد كشفت النتائج عن فروق ذات دلالة في مستوى الانخراط، وشدة المشاركة، ودرجة الاستمتاع التي يشعر بها الأطفال أثناء تفاعلهم الاجتماعي. الأطفال الذين يعانون من اضطرابات المعالجة الحسية كانوا أقل حماسًا وانخراطًا في بعض الأنشطة الاجتماعية، وأظهروا مستويات أقل من المتعة والرضا أثناء المشاركة، مقارنة بأقرانهم. هذه الفروق لا تعكس بالضرورة عدم الرغبة في التفاعل الاجتماعي، بل قد تكون نتيجة للتحديات الحسية التي يواجهها الطفل أثناء وجوده في بيئات اجتماعية مليئة بالمثيرات، مثل الضوضاء أو الازدحام أو التلامس الجسدي غير المتوقع.

كما كشفت الدراسة عن اختلافات مهمة في الشبكات الاجتماعية للأطفال. فقد تبين أن الأطفال ذوي اضطرابات المعالجة الحسية غالبًا ما يمتلكون شبكات اجتماعية أضيق، أي عددًا أقل من الأصدقاء أو العلاقات الاجتماعية المنتظمة. كما أن علاقاتهم قد تكون أقل تنوعًا من حيث السياقات الاجتماعية، حيث يميل بعضهم إلى التفاعل ضمن نطاقات محدودة أو مع أشخاص مألوفين فقط، مما يقلل من فرص توسيع دائرة العلاقات الاجتماعية أو اكتساب خبرات اجتماعية متنوعة.

تشير هذه النتائج إلى أن التحديات التي يواجهها الأطفال ذوو اضطرابات المعالجة الحسية لا تكمن فقط في القدرة على أداء الأنشطة الاجتماعية، بل في جودة التجربة الاجتماعية نفسها. فالتفاعل الاجتماعي قد يكون بالنسبة لهم مجهدًا أو غير مريح حسيًا، مما يؤدي إلى تقليل المشاركة أو الانسحاب التدريجي من المواقف الاجتماعية، حتى وإن كانوا يمتلكون الرغبة الأساسية في التواصل مع الآخرين.

تسلط الدراسة الضوء على أهمية النظر إلى المشاركة الاجتماعية من منظور أوسع، لا يقتصر على وجود النشاط أو غيابه، بل يشمل مستوى التفاعل، والرضا، والمعنى الذي يحمله النشاط بالنسبة للطفل. كما تؤكد على ضرورة أن تأخذ التدخلات العلاجية والتربوية في الاعتبار الجوانب الحسية للتجربة الاجتماعية، من خلال تهيئة البيئات الاجتماعية بشكل يدعم الأطفال ذوي اضطرابات المعالجة الحسية، ويقلل من المثيرات المرهقة، ويعزز شعورهم بالأمان والراحة.

وفي الختام، تدعو الدراسة إلى مزيد من الأبحاث المستقبلية التي تستكشف العلاقة بين المعالجة الحسية والمشاركة الاجتماعية بعمق أكبر، مع التركيز على تطوير تدخلات عملية تسهم في تحسين جودة الحياة الاجتماعية للأطفال ذوي اضطرابات المعالجة الحسية. كما تؤكد على دور الأهل والمعلمين والأخصائيين في فهم هذه التحديات الخفية، والعمل بشكل تكاملي لدعم الأطفال وتمكينهم من بناء علاقات اجتماعية صحية ومُرضية، بما يحقق لهم النمو الشامل والتكيف الإيجابي في مختلف جوانب حياتهم.

ومن الجوانب المهمة التي تبرزها هذه الدراسة أنها تفتح المجال لإعادة التفكير في الطريقة التي يتم بها تقييم المشاركة الاجتماعية لدى الأطفال. فغالبًا ما تركز التقييمات التقليدية على عدد الأنشطة التي يشارك فيها الطفل أو مدى تكرار مشاركته، دون الالتفات الكافي إلى التجربة الذاتية للطفل أثناء هذه المشاركة. وتشير نتائج هذه الدراسة إلى أن الطفل قد يكون حاضرًا جسديًا في النشاط الاجتماعي، لكنه غير منخرط نفسيًا أو عاطفيًا بالشكل الكافي، وهو ما قد لا يظهر بوضوح في أدوات القياس الكمية المعتادة.

كما تؤكد الدراسة على أهمية الاستماع إلى صوت الطفل نفسه عند دراسة مشاركته الاجتماعية، وعدم الاكتفاء بملاحظات الكبار فقط. فإشراك الأطفال في التعبير عن مشاعرهم وتفضيلاتهم وتجاربهم اليومية يوفّر فهمًا أعمق وأكثر واقعية للتحديات التي يواجهونها، خاصة في الحالات التي تكون فيها الصعوبات غير مرئية أو يسهل إساءة تفسيرها على أنها سلوكيات انسحابية أو ضعف في الدافعية الاجتماعية.

وتشير النتائج أيضًا إلى ضرورة تعزيز التعاون بين التخصصات المختلفة، مثل العلاج الوظيفي، وعلم النفس، والتربية الخاصة، عند تصميم البرامج التدخلية للأطفال ذوي اضطرابات المعالجة الحسية. فالتدخل الفعّال لا يقتصر على تحسين الاستجابات الحسية فحسب، بل يجب أن يستهدف دعم المشاركة الاجتماعية الهادفة، وبناء العلاقات، وتعزيز الشعور بالكفاءة والانتماء لدى الطفل. ومن خلال هذا التكامل، يمكن توفير بيئات أكثر شمولًا واستجابة لاحتياجات الأطفال الحسية والاجتماعية، مما يسهم في تحسين جودة حياتهم على المدى البعيد.

 

المرجع:

Sensory Processing Disorders and Social Participation

https://research.aota.org/ajot/article-abstract/64/3/462/5347/Sensory-Processing-Disorders-and-Social?redirectedFrom=fulltext