ترجمة : أ. نوره الدوسري
عندما يسمع الناس كلمة «اضطراب طيف التوحد»، قد يتبادر إلى أذهانهم طفل يميل إلى الانطواء الاجتماعي أو يتواصل بطريقة مختلفة عن الآخرين.
لكن اضطراب طيف التوحد هو طيف واسع، وأحد أكثر جوانبه سوء فهم هو ما يُعرف بـ«اضطراب طيف التوحد غير الناطق».
إذا كان طفلك يستخدم الكلام بشكل محدود أو لا يستخدمه إطلاقًا، فقد يكون من الصعب فهم ما يعنيه ذلك بالنسبة لنموه، وتواصله، ومستقبله.
قد يستفيد بعض الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد من دعم مكثف من اختصاصيي علاج النطق، واختصاصيي العلاج الوظيفي، وغيرهم من مقدمي الرعاية الصحية، خاصة فيما يتعلق بتطوير مهارات التواصل.
للأسف، لا تزال هناك العديد من المفاهيم الخاطئة حول اضطراب طيف التوحد غير الناطق.
يفترض البعض أن هؤلاء الأطفال لا يستطيعون فهم الآخرين أو أنهم لن يتمكنوا من التعبير عن أنفسهم أبدًا، لكن هذه الأفكار قديمة وغير دقيقة.
في هذا المقال، سيتم استعراض معنى اضطراب طيف التوحد غير الناطق، والفرق بينه وبين مفهوم «غير اللفظي»، وكيف يمكن لعلاج النطق وأنظمة التواصل البديلة والمعززة أن تساعد الأطفال على التواصل والتفاعل والنمو.
ما هو اضطراب طيف التوحد غير الناطق؟
اضطراب طيف التوحد هو اختلاف نمائي عصبي، أي أنه يمثل اختلافًا في طريقة تطور الدماغ.
الأشخاص المشخّصون باضطراب طيف التوحد يفكرون ويتواصلون ويتفاعلون مع العالم من حولهم بطرق مختلفة عن الأشخاص غير المشخّصين بهذا الاضطراب.
هذه الاختلافات تقع ضمن طيف واسع، حيث تختلف الخصائص والقدرات من شخص إلى آخر.
ومن بين هؤلاء الأشخاص، توجد فئة تعاني من اختلافات ملحوظة في القدرة على استخدام اللغة المنطوقة للتواصل.
ويُشار إلى هذه الحالة بمصطلح «اضطراب طيف التوحد غير الناطق» أو «اضطراب طيف التوحد محدود الكلام».
لكن كون الطفل غير ناطق لا يعني أنه غير قادر على التواصل أو فهم اللغة.
قد لا يكون الكلام هو الوسيلة الأساسية للتواصل بالنسبة له، لكنه قد يستخدم طرقًا أخرى للتعبير عن أفكاره واحتياجاته.
ما الفرق بين غير الناطق وغير اللفظي؟
يشير مصطلح «غير اللفظي» إلى عدم استخدام الكلمات.
وعلى الرغم من أن الكثيرين يستخدمون هذا المصطلح بالتبادل مع «غير الناطق»، فإن ذلك قد يكون مضللًا.
يمكن استخدام كلا المصطلحين للإشارة إلى الأشخاص الذين لا يستخدمون اللغة المنطوقة للتواصل، لكن مصطلح «غير اللفظي» غالبًا ما يوحي بأن الشخص غير قادر على التواصل أو استخدام الكلمات بأي شكل من الأشكال.
في الواقع، الأشخاص المشخّصون باضطراب طيف التوحد غير الناطقين ما زالوا قادرين على التواصل.
لكنهم عادة لا يستخدمون الكلام المنطوق كوسيلة أساسية، بل يعتمدون على وسائل تواصل بديلة.
هناك العديد من الطرق للتواصل دون استخدام الكلام، مثل القراءة أو الكتابة أو الإشارات.
ويُطلق على هذه الطرق مصطلح «التواصل البديل والمعزز»، وقد تشمل:
الكتابة
الإيماءات
تعابير الوجه
لغة الإشارة
لوحات الحروف
تقنيات التواصل المساعدة عالية التقنية
وسائل أخرى متنوعة
بالإضافة إلى ذلك، يستطيع العديد من الأشخاص المشخّصين باضطراب طيف التوحد غير الناطقين فهم اللغة المنطوقة.
ولهذا السبب، يفضّل أفراد المجتمع المهتمين بالتوحد استخدام مصطلح «غير الناطق» بدلًا من «غير اللفظي»، لأنه يعكس قدرة الشخص على التواصل بطرق أخرى غير الكلام.
هل يمكن للأشخاص المشخّصين باضطراب طيف التوحد غير الناطقين تعلم الكلام؟
في بعض الحالات، نعم.
الاختلافات في القدرة على استخدام اللغة المنطوقة لدى الأشخاص غير الناطقين تقع ضمن طيف واسع.
قد لا يتمكن بعض الأشخاص غير الناطقين من استخدام الكلام في أي مرحلة من حياتهم، بينما قد يطور آخرون اللغة المنطوقة تدريجيًا مع مرور الوقت.
لا يزال البحث العلمي مستمرًا لاكتشاف طرق جديدة لدعم الأشخاص المشخّصين باضطراب طيف التوحد في تطوير الكلام عندما يكون ذلك ممكنًا ومناسبًا لهم.
في الماضي، كان الاعتقاد السائد أن الشخص لا يمكنه اكتساب اللغة المنطوقة بعد سن الرابعة.
لكن العديد من الأشخاص الذين يتلقون علاج النطق أو يستخدمون وسائل التواصل البديلة يواصلون تطوير الكلمات المنطوقة حتى بعد مرحلة الطفولة المبكرة.
من المهم ملاحظة أنه حتى لو تمكن بعض الأطفال من تطوير مستوى معين من اللغة المنطوقة بعد سن الرابعة، فقد لا تكون هذه الوسيلة الأساسية للتواصل لديهم.
يمكن لعلاج النطق دعم الطفل باستخدام وسائل التواصل البديلة والمعززة، بحيث يتمكن من التواصل بشكل مستقل ومستمر من خلال الطريقة التي تناسبه.
في أي عمر يُعتبر الطفل غير ناطق؟
لا يوجد حد صارم لتحديد العمر الذي يُعتبر فيه الطفل غير ناطق.
لكن عادةً ما يُطلق هذا الوصف على الطفل الذي لم يصل إلى مراحل النمو اللغوي والكلامي المتوقعة بحلول سن الرابعة تقريبًا.
في مرحلة الطفولة المبكرة، تحدث العديد من مراحل التطور اللغوي قبل هذا العمر، مثل:
إصدار الأصوات والضحك بعمر 4 أشهر
المناغاة بعمر 6 أشهر
نطق الكلمات الأولى بعمر 12 شهرًا
استخدام حوالي 10 كلمات بعمر 18 شهرًا
استخدام حوالي 50 كلمة بعمر 24 شهرًا
تكوين جمل من ثلاث كلمات بعمر 3 سنوات
القدرة على أن يكون مفهومًا لغير أفراد الأسرة بعمر 4 سنوات
عدم وصول الطفل إلى هذه المراحل لا يعني أنه لن يتعلم الكلام أبدًا، لكنه قد يشير إلى أن تطور اللغة المنطوقة لا يحدث وفق المعدلات المعتادة.
من المؤشرات المهمة لإجراء تقييم لغوي إضافي أن يستخدم الطفل أقل من 50 كلمة بعمر سنتين، أو ألا يحقق مراحل التطور اللغوي الأساسية.
قد يكون التأخر في هذه المراحل علامة على اضطراب طيف التوحد، لكن بعض الأطفال غير المشخّصين قد يتأخرون أيضًا في تطور اللغة، وهذا أمر طبيعي في بعض الحالات.
عادةً ما يستخدم المختصون مصطلح «غير الناطق» أو «محدود الكلام» بعد تقييم عدة جوانب من اللغة والتواصل، وليس بناءً على القدرة على الكلام فقط.
يشمل هذا التقييم اختصاصيي طب الأطفال النمائيين وغيرهم من المختصين الذين يقيّمون كيفية تواصل الطفل وفهمه وتفاعله الاجتماعي وغيرها من الجوانب.
هل اضطراب طيف التوحد غير الناطق هو نفسه الصمت الانتقائي؟
لا، فهما حالتان مختلفتان، رغم وجود بعض أوجه التشابه بينهما.
يشترك الصمت الانتقائي واضطراب طيف التوحد غير الناطق في وجود اختلافات في استخدام اللغة المنطوقة، لكن الأسباب الكامنة وراء كل منهما مختلفة.
الصمت الانتقائي هو نوع من القلق يؤثر في قدرة الشخص على الكلام في مواقف معينة دون غيرها.
أما اضطراب طيف التوحد غير الناطق فهو اختلاف نمائي أوسع، حيث لا يكون الكلام وسيلة موثوقة للتواصل في معظم البيئات، وليس في مواقف محددة فقط.
هل الأشخاص المشخّصون باضطراب طيف التوحد غير الناطقين أقل ذكاءً؟
ليس بالضرورة.
يتمتع العديد من الأشخاص غير الناطقين بقدرات معرفية متوسطة أو أعلى من المتوسط.
تكمن الصعوبة في الحصول على تقييم دقيق للقدرات المعرفية، لأن اختبارات الذكاء التقليدية تعتمد بشكل كبير على اللغة المنطوقة.
هذه الاختبارات لا تعكس بالضرورة القدرات الكاملة للأشخاص غير الناطقين.
كما أن عددًا متزايدًا من الباحثين يشير إلى أن اختبار الذكاء ليس مقياسًا موضوعيًا كاملًا للذكاء، لأنه يقيس جوانب محددة فقط ويحتوي على حدود منهجية.
ارتفاع أو انخفاض درجة اختبار الذكاء لا يعني بالضرورة مستوى الذكاء الحقيقي للشخص.
السؤال الأعمق هنا هو: هل عدم القدرة على الكلام يعني ضعف الذكاء؟
الإجابة هي: لا.
لا يزال سبب عدم استخدام بعض الأشخاص للكلام غير واضح تمامًا.
تشير دراسة أجريت عام 2019 إلى احتمال ارتباط ذلك باختلافات في معالجة المعلومات السمعية في الدماغ، لكن هذه النتائج ليست حاسمة.
لا توجد أي أدلة علمية تربط بين عدم القدرة على الكلام ومستوى الذكاء.
مدى انتشار اضطراب طيف التوحد غير الناطق
وفقًا لدراسة صادرة عن مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)، تم تشخيص حوالي 3.2% من الأطفال في الولايات المتحدة باضطراب طيف التوحد عام 2022.
ومن بين هؤلاء الأطفال، تشير التقديرات إلى أن حوالي 25% إلى 30% منهم غير ناطقين أو محدودي الكلام.
كيف يتواصل الأطفال المشخّصون باضطراب طيف التوحد غير الناطقين؟
قد لا يستخدم الأشخاص غير الناطقين الكلام كوسيلة أساسية للتواصل، لكنهم يعتمدون على وسائل متعددة، مثل:
الإيماءات ولغة الجسد
لغة الإشارة
لوحات الصور
لوحات الحروف أو الأجهزة التي تحول النص إلى صوت
عدم استخدام الكلام لا يعني أن الشخص غير قادر على التفكير أو الفهم أو التعبير عن نفسه بطرق ذات معنى.
كيف يمكن لعلاج النطق دعم الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد غير الناطقين؟
إذا لاحظ الأهل علامات تشير إلى اضطراب طيف التوحد غير الناطق، فقد يكون التواصل مع اختصاصي علاج النطق خطوة أولى مهمة.
يساعد علاج النطق الطفل على إيجاد وسيلة للتعبير عن احتياجاته وأفكاره.
يستطيع العديد من الأطفال غير الناطقين تطوير اللغة المنطوقة مع الوقت والدعم المستمر.
لكن إذا لم يتمكن الطفل من استخدام الكلام للتواصل، فقد يُوصى باستخدام وسائل التواصل البديلة والمعززة.
تشمل هذه الوسائل:
الإيماءات ولغة الجسد
لغة الإشارة
لوحات الصور
لوحات الحروف
الأجهزة التي تحول النص إلى صوت
حتى إذا تعلم الطفل استخدام الكلام لاحقًا، فقد يستمر في الاستفادة من وسائل التواصل البديلة.
كما يتعاون اختصاصي علاج النطق مع الأهل والمعلمين ومقدمي الرعاية الآخرين لدمج هذه الأدوات في حياة الطفل اليومية.
يساعد ذلك الطفل على بناء الثقة بالنفس والاستقلالية والقدرة على التعبير عن الذات باستخدام وسيلة التواصل التي تناسبه.
حتى إذا لم يستخدم الطفل اللغة المنطوقة أبدًا، يمكنه استخدام وسائل التواصل البديلة للتعبير عن نفسه، واتخاذ القرارات، والدفاع عن حقوقه.
هذه الوسائل تمكّن الطفل من التواصل مع الآخرين بدلًا من محاولة تغيير طبيعته أو «إصلاحه».
خلاصة
عدم القدرة على الكلام لا يعني الصمت، بل يعني التواصل بطريقة مختلفة.
الأشخاص المشخّصون باضطراب طيف التوحد غير الناطقين يمتلكون طرقًا متنوعة للتعبير عن أنفسهم، ويحتاجون إلى فهم ودعم يراعي اختلافاتهم الفردية.
إن توفير أدوات التواصل المناسبة، سواء كانت اللغة المنطوقة أو وسائل التواصل البديلة والمعززة أو مزيجًا منهما، يمكن أن يساعد الأطفال على التعبير عن أنفسهم بشكل مستقل وفعّال.
يؤكد هذا الفهم أن التواصل ليس مقصورًا على الكلام فقط، بل هو عملية متعددة الأبعاد تتجسد في أشكال مختلفة، وكلها تحمل قيمة ومعنى.
المرجع
Understanding Nonspeaking Autism: Myths, Facts & How Speech Therapy Can Help





