ترجمة: أ. عبدالله الأحمري
يُعد القلق أحد أكثر تحديات الصحة النفسية شيوعاً التي تواجه الأفراد في الوقت الحالي؛ حيث يؤثر على التركيز، والنوم، والعلاقات الاجتماعية، والقدرة على إدارة المهام اليومية. وبينما تُعد الأدوية والتدخلات النفسية طرقاً معترفاً بها على نطاق واسع، يلعب العلاج الوظيفي (OT) أيضاً دوراً حيوياً في مساعدة الأفراد على استعادة السيطرة على روتين حياتهم، ومشاعرهم، وثقتهم بأنفسهم.
يتبنى أخصائيو العلاج الوظيفي نهجاً شمولياً لتحقيق الرفاهية؛ حيث يركزون على كيفية تأثير القلق على قدرة الفرد على المشاركة في الأنشطة ذات المعنى، بدءاً من العمل والدراسة وصولاً إلى التفاعل الاجتماعي والعناية الذاتية. ومن خلال استخدام استراتيجيات عملية وتطبيقية، يساعد الأخصائيون الأفراد على إدارة أعراضهم وتحسين جودة حياتهم.
توضح هذه المقالة كيف يدعم العلاج الوظيفي إدارة القلق، وما هي الاستراتيجيات التي يستخدمها الأخصائيون، وكيف يمكن لهذه الأساليب أن تُمكّن الأفراد من أداء وظائفهم بفعالية أكبر في حياتهم اليومية.
فهم الارتباط بين العلاج الوظيفي والصحة النفسية
يرتكز العلاج الوظيفي على الاعتقاد بأن المشاركة في الأنشطة الهادفة تدعم الرفاهية العامة. وبالنسبة للأفراد الذين يعانون من القلق، غالباً ما تبدو المهام اليومية مرهقة؛ فحتى الأمور البسيطة مثل الذهاب إلى العمل، أو المشاركة في الفعاليات الاجتماعية، أو إدارة الروتين الصباحي يمكن أن تسبب لهم شعوراً بالضيق.
ويقوم أخصائيو العلاج الوظيفي بتقييم الطريقة التي يؤثر بها القلق على القدرات الوظيفية للفرد، ويشمل ذلك تحديد العوامل الجسدية والعاطفية والبيئية التي قد تؤدي إلى تفاقم الأعراض. فعلى سبيل المثال، قد يتجنب الفرد المشخص بالقلق الاجتماعي الاجتماعات الجماعية، مما يؤدي إلى العزلة أو مواجهة تحديات في بيئة العمل. وبالمثل، قد يعاني الشخص المشخص بالقلق العام من صعوبات في التركيز أو إدارة الوقت، مما يؤثر على إنتاجيته وثقته بنفسه.
دور أخصائي العلاج الوظيفي في الصحة النفسية
يساعد أخصائي العلاج الوظيفي الأفراد على تطوير آليات واستراتيجيات التأقلم التي تتوافق مع أهدافهم الشخصية. ولا ينصب التركيز هنا على “علاج” القلق بشكل مجرد، بل على تحسين المشاركة اليومية والاستقلالية. وقد تتضمن هذه العملية ما يلي:
- تعليم جداول روتينية منتظمة: لخلق نوع من التنبؤ وتقليل الشعور بعدم اليقين.
- تشجيع المشاركة في الأنشطة الممتعة أو ذات المعنى: لبناء مشاعر إيجابية.
- دعم إدارة الضغوط: من خلال التعديلات البيئية أو ممارسة تمارين الاسترخاء.
- تثقيف المستفيدين: حول العلاقة بين السلوك، والحالة المزاجية، ومستويات النشاط.
ينظر العلاج الوظيفي إلى الصحة النفسية بنظرة شمولية، معترفاً بالتفاعل بين الرفاهية الجسدية، والحالة العاطفية، والبيئة المحيطة. وبالنسبة للكثيرين، يكمل هذا النهج جلسات الاستشارة والتدخلات الطبية، حيث يقدم مهارات عمليّة يمكن تطبيقها فوراً في سياقات الحياة اليومية.
تحديد الأهداف وتخطيط الروتين اليومي
يستفيد الكثير من الأفراد الذين يعانون من القلق من وضع جداول روتينية منتظمة توفر لهم نوعاً من الاستقرار وتقلل من الشعور بعدم اليقين. ويساعد أخصائيو العلاج الوظيفي المستفيدين في تطوير أهداف واقعية، سواء كانت تتعلق بإنجاز المهام الصباحية، أو إدارة ضغوط العمل، أو المشاركة في التجمعات الاجتماعية.
ومن خلال تقسيم الأهداف الكبيرة إلى خطوات صغيرة يمكن إدارتها، يبدأ الأفراد في بناء ثقتهم بأنفسهم وتحقيق نجاحات بسيطة تحفزهم على الاستمرار في إحراز التقدم.
استراتيجيات الاسترخاء والتعريض
تُعد الأعراض الفسيولوجية مثل تسارع ضربات القلب، وضيق التنفس، والتململ من الأعراض الشائعة للقلق. لذا يعلم أخصائيو العلاج الوظيفي استراتيجيات التعريض والاسترخاء لمواجهة هذه الاستجابات، والتي تشمل:
- تمارين التنفس العميق: التي تعمل على تهدئة الجهاز العصبي.
- استرخاء العضلات التدريجي: للتخلص من التوتر الجسدي.
- ممارسات اليقظة الذهنية: لتعزيز الوعي باللحظة الحالية.
- تمارين التخيل البصري: التي تشجع على الهدوء والتركيز.
ويمكن دمج هذه الأساليب في الجداول الروتينية اليومية، مما يساعد الأفراد على استعادة السيطرة أثناء المواقف العصيبة، مثل تقديم العروض في العمل، أو المشاركة في الفعاليات الاجتماعية، أو أثناء التنقل.
الاستراتيجيات المعرفية والسلوكية
على الرغم من أن الأخصائيين ذوي العلاج الوظيفي لا يحلون محل الأخصائيين النفسيين، إلا أنهم غالباً ما يدمجون مفاهيم السلوك المعرفي في جلساتهم. فعلى سبيل المثال، يساعدون المستفيدين على إدراك كيف تؤثر الأفكار على السلوك، وكيف يمكن للمشاركة في الأنشطة أن تؤثر بشكل إيجابي على الحالة المزاجية.
وقد يوجه أخصائي العلاج الوظيفي الفرد لتحدي سلوكيات التجنب، مثل الانسحاب من الأنشطة الاجتماعية، من خلال تقديم تعريض تدريجي في بيئة آمنة وداعمة.
بناء الوعي العاطفي والسيطرة عليه
يُعد التنظيم العاطفي محوراً رئيسياً آخر في التدخل؛ حيث يساعد الأخصائيين ذوي العلاج الوظيفي الأفراد على تحديد العلامات المبكرة للقلق وتطوير استجابات تأقلم فردية مخصصة. وقد يشمل ذلك تدوين اليوميات، أو تمارين التأمل الذاتي، أو تحديد محفزات معينة للقلق.
ومن خلال فهم الأنماط العاطفية، يصبح المستفيدون أكثر قدرة على الاستجابة للقلق بحكمة بدلاً من مجرد الانفعال تجاهه. وفي جميع الحالات، يكون التدخل عملياً وموجهاً نحو الأهداف؛ حيث يكمن الهدف في إنشاء أنظمة تأقلم تندمج بشكل طبيعي في نمط حياة الشخص بدلاً من الاعتماد الكلي على التدخلات السريرية فقط.
الاستراتيجيات الحسية للتهدئة
تمتلك المعالجة الحسية تأثيراً كبيراً على مستويات القلق؛ حيث يجد الكثير من الأفراد أن أصواتاً معينة، أو ملامس، أو روائح، أو ظروف إضاءة محددة يمكن أن تسهم في تهدئة أعراضهم أو تكثيفها.
و يستخدم أخصائيو العلاج الوظيفي “التنظيم الحسي” (Sensory Modulation) —وهو استخدام المدخلات الحسية لتنظيم الحالات العاطفية— كجزء من خطة إدارة القلق.
فهم التنظيم الحسي
يتضمن التنظيم الحسي تحديد التجارب الحسية التي تساعد الفرد على الشعور بالاسترخاء وتلك التي تزيد من حدة التوتر. ويقوم أخصائيو العلاج الوظيفي بتوجيه المستفيدين لاكتشاف تفضيلاتهم الحسية وتصميم “حقائب أدوات حسية” يمكنهم استخدامها في المواقف العصيبة.
أمثلة على استراتيجيات التهدئة الحسية
- المنتجات الضاغطة: توفر البطانيات الثقيلة أو الوسادات الضاغطة ضغطاً لطيفاً يمكن أن يعزز الهدوء والوعي بالجسم.
- أنشطة الحركة: يمكن للتمارين اللطيفة مثل التمدد، أو المشي، أو اليوجا أن تقلل من الهياج الجسدي وتساعد على إفراز الإندورفين.
- العلاج بالروائح أو الأدوات اللمسية: يمكن للروائح اللطيفة أو الأشياء ذات الملمس المحدد أن تخلق أحاسيس تساعد على التعريض (Grounding).
- التحكم في الصوت والإضاءة: يساعد تعديل العوامل البيئية، مثل استخدام سماعات إلغاء الضوضاء أو الإضاءة الخافتة، في تقليل التحفيز الزائد.
تُعد هذه الاستراتيجيات مفيدة بشكل خاص للأفراد الذين يعانون من حساسية حسية عالية. ويساعد الأخصائيين ذوي العلاج الوظيفي المستفيدين على تجربة طرق مختلفة حتى يجدوا الوسائل التي تناسب احتياجاتهم الحسية الفريدة بشكل أفضل.
بناء المهارات والدعم في الحياة الواقعية
غالباً ما يتداخل القلق مع الأداء الوظيفي اليومي، بدءاً من الحفاظ على الوظيفة وصولاً إلى التواصل الاجتماعي أو إدارة العناية الذاتية. لذا يركز أخصائيو العلاج الوظيفي على تطوير مهارات عملية وواقعية تساعد المستفيدين على مواجهة هذه التحديات بثقة أكبر.
تطوير الجداول الروتينية اليومية
إن وضع عادات يومية ثابتة يمكن أن يقلل بشكل كبير من الشعور بالقلق؛ حيث يساعد الأخصائيين ذوي العلاج الوظيفي في هيكلة الجداول الروتينية اليومية التي تتضمن توازناً بين النشاط، والراحة، والعناية الذاتية.
وقد يشمل ذلك تخطيط الوجبات، أو وضع جداول زمنية للنوم، أو ابتكار طقوس صباحية ومسائية تقلل من “إرهاق اتخاذ القرار” (Decision Fatigue).
تحسين مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي
يمكن أن يؤدي القلق الاجتماعي إلى الحد من المشاركة في الأنشطة الجماعية أو التعاون في بيئة العمل. لذا يستخدم أخصائيو العلاج الوظيفي استراتيجيات “التعريض المتدرج” لمساعدة المستفيدين على مواجهة هذه المواقف تدريجياً.
وغالباً ما تتضمن الجلسات أنشطة مثل لعب الأدوار، وتمارين بناء الثقة، وتخطيط استراتيجيات التواصل الفعال.
تعزيز الاستقلالية والكفاءة الذاتية
عندما ينجح الأفراد في إدارة التحديات الصغيرة، مثل إكمال المهام، أو الالتزام بالمواعيد، أو تجربة أنشطة جديدة، فإنهم يشعرون بتعزيز كبير في كفاءتهم الذاتية. ويقوم أخصائيو العلاج الوظيفي بتعزيز هذه النجاحات لبناء ثقة مستدامة على المدى الطويل. ومع مرور الوقت، تتراكم هذه التغييرات الصغيرة، مما يساعد الأفراد على الشعور بقدرة أكبر على إدارة الضغوط وحالات عدم اليقين.
ومن خلال الدعم المستمر، يعمل العلاج الوظيفي كجسر يردم الفجوة بين نظريات التأقلم والتطبيق في الحياة الواقعية؛ فالمستفيدون لا يكتفون بالتعرف على إدارة القلق فحسب، بل يمارسونها بطرق ملموسة وذات معنى.
التعاون بين أخصائي العلاج الوظيفي والأخصائي النفسي
غالباً ما يتعاون أخصائيو العلاج الوظيفي مع الأخصائيين النفسيين، والمستشارين، وغيرهم من ممارسي الرعاية الصحية لضمان حصول المستفيدين على دعم شامل. ويتيح هذا النهج القائم على العمل كفريق للأفراد معالجة الجوانب العاطفية والوظيفية للقلق في آن واحد.
الأدوار التكاملية في فريق الرعاية
يركز الأخصائيون النفسيون عادةً على استكشاف أنماط التفكير الكامنة، والمحفزات العاطفية، والتغيير السلوكي طويل الأمد. وفي المقابل، يقوم أخصائيو العلاج الوظيفي بتطبيق هذه الرؤى في الحياة اليومية، مما يساعد المستفيدين على بناء جداول روتينية للتأقلم وتعديل البيئات المحيطة لدعم مرحلة التعافي.
ومن خلال العمل معاً، يقدم كلا المهنيين استراتيجيات متسقة تعمل على تحسين جودة الحياة. فعلى سبيل المثال، قد يساعد الأخصائي النفسي المستفيد في فهم “لماذا” يسبب موقف معين القلق، بينما يساعده أخصائي العلاج الوظيفي في تطوير خطوات عملية للتعامل مع ذلك الموقف بفعالية.
يضمن نموذج الرعاية التشاركية هذا أن يكون التدخل شاملاً ومتكاملاً، مما يُمكّن المستفيدين من إدارة أعراضهم بثقة واستقلالية.
المرجع:
How Occupational Therapists Help with Anxiety Management
https://www.vistahealthcare.com.au/blogs/how-ots-help-with-anxiety-management/





