الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

انتشار اضطراب ما بعد الصدمة لدى المشخّصين باضطراب طيف التوحد: مراجعة شاملة

 

ترجمة : أ. نوره الدوسري

 

مقدمة

يهتم هذا المقال بتبسيط وترجمة أهم ما ورد في دراسة علمية حديثة تناولت انتشار اضطراب ما بعد الصدمة لدى الأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد، سواء لدى الأطفال أو اليافعين أو لدى البالغين. تنبع أهمية الموضوع من حقيقة أن كثيرًا من الأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد يتعرضون لأحداث مؤلمة أو تجارب ضاغطة عبر حياتهم، كما قد يعانون من صعوبات نفسية مصاحبة. ومع ذلك، فإن تحويل هذه المعاناة إلى تشخيص رسمي باضطراب ما بعد الصدمة ليس أمرًا بسيطًا، لأن التشخيص يعتمد على معايير محددة وقد لا تعكس دائمًا طريقة تجربة الصدمة أو التعبير عنها لدى الأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد.

ما الذي حاولت الدراسة الإجابة عنه؟

هدفت الدراسة إلى تقدير نسبة انتشار اضطراب ما بعد الصدمة لدى فئتين رئيسيتين: الأطفال أو اليافعين المشخصين باضطراب طيف التوحد، والبالغين المشخصين باضطراب طيف التوحد. وركزت الدراسة على نوعين من الانتشار: الانتشار الحالي، أي نسبة التشخيص في وقت محدد أو خلال فترة قصيرة، والانتشار مدى الحياة، أي نسبة من شُخِّصوا باضطراب ما بعد الصدمة في أي وقت من حياتهم. كما حاولت الدراسة تفسير الفروق بين النتائج بحسب عوامل مثل وجود إعاقة ذهنية مصاحبة، ونسبة الذكور والإناث في العينة، والدليل التشخيصي المستخدم، ونوع الشخص الذي قدّم المعلومات أثناء التقييم (الشخص نفسه أو الأسرة أو المرافق).

لماذا كانت هناك حاجة لهذه المراجعة؟

على الرغم من أن دراسات كثيرة تحدثت عن ارتفاع أعراض الصدمة لدى الأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد، فإن الأدلة السابقة كانت متباينة في تقدير نسبة انتشار اضطراب ما بعد الصدمة نفسه. جزء من هذا التباين يعود إلى اختلاف أدوات القياس: بعض الدراسات استخدمت استبيانات فحص للأعراض، وهي أدوات قد تعطي نسبًا مرتفعة لأنها لا تعتمد على تشخيص سريري كامل، كما أن معاييرها وضعت غالبًا اعتمادًا على أفراد غير مشخصين باضطراب طيف التوحد. في المقابل، اعتمدت هذه الدراسة على تجميع الدراسات التي استخدمت تشخيصًا رسميًا بناءً على دلائل تشخيصية معتمدة، مثل الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية أو التصنيف الدولي للأمراض.

كيف أُجريت المراجعة المنهجية؟

أجرى الباحثون بحثًا واسعًا في قواعد بيانات علمية متعددة عن الدراسات المنشورة من 1 يناير 1980 حتى 19 أبريل 2025. اختيرت سنة 1980 كنقطة بداية لأن اضطراب ما بعد الصدمة بدأ الاعتراف به رسميًا في دلائل التشخيص منذ تلك الفترة. التزمت المراجعة بإرشادات إعداد المراجعات المنهجية، كما تم تسجيل خطة الدراسة مسبقًا في سجل دولي للدراسات المنهجية.

معايير اختيار الدراسات

أدخل الباحثون الدراسات التي تحققت فيها شروط محددة لضمان الدقة والمنهجية. كان من أهمها أن يكون المشاركون مشخصين باضطراب طيف التوحد تشخيصًا رسميًا عبر مختصين أو أدوات معيارية، وأن يكون اضطراب ما بعد الصدمة أيضًا مشخصًا رسميًا وفق الدليل التشخيصي أو التصنيف الدولي. كما استبعدت الدراسات التي تعتمد على تشخيص ذاتي فقط، أو التي تعتمد على استبيانات تقرير ذاتي وحدها لتحديد اضطراب ما بعد الصدمة، واستبعدت كذلك الدراسات التي تجنّد مشاركين لأن لديهم أصلًا اضطراب قلق مصاحب بهدف تقليل تضخيم النسب.

حجم الأدلة التي تم تحليلها

شملت المراجعة النهائية 30 دراسة. بالنسبة إلى الأطفال أو اليافعين المشخصين باضطراب طيف التوحد، أُدخلت 17 دراسة وبلغ مجموع المشاركين 53918. وبالنسبة إلى البالغين المشخصين باضطراب طيف التوحد، أُدخلت 13 دراسة وبلغ مجموع المشاركين 142081. وبذلك بلغ إجمالي المشاركين في جميع الدراسات 195999 شخصًا مشخصين باضطراب طيف التوحد.

النتائج الأساسية: نسب انتشار اضطراب ما بعد الصدمة

توصل التحليل البعدي إلى تقديرات مجمّعة لنسب الانتشار، مع تقديم حدود ثقة إحصائية تعكس مقدار عدم اليقين في التقدير. وفيما يلي أهم الأرقام التي تمثل خلاصة الدراسة:

  • الأطفال أو اليافعين المشخصين باضطراب طيف التوحد: الانتشار الحالي 1.11 بالمئة، والانتشار مدى الحياة 5.74 بالمئة.
  • البالغين المشخصين باضطراب طيف التوحد: الانتشار الحالي 2.06 بالمئة، والانتشار مدى الحياة 2.72 بالمئة.

كيف نفهم هذه الأرقام ببساطة؟

المعنى العملي لهذه النتائج أن اضطراب ما بعد الصدمة، عندما يُقاس بالتشخيص الرسمي وفق دلائل التشخيص المعتمدة، لا يظهر بنسبة مرتفعة جدًا لدى الأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد مقارنة بالمجتمع عمومًا. إلا أن الدراسة أكدت أن هذا لا يعني بالضرورة أن تجارب الصدمة قليلة، بل قد تكون الأعراض أو التأثر النفسي مرتفعًا، لكن التشخيص الرسمي لا يلتقط ذلك دائمًا للأسباب التي ستوضحها الأقسام التالية.

لماذا تتعارض النتائج مع دراسات الأعراض المرتفعة؟

أشارت الدراسة إلى مفارقة مهمة: كثير من الأبحاث التي تستخدم أدوات فحص للأعراض أفادت بأن نسبة الأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد الذين لديهم أعراض تشبه اضطراب ما بعد الصدمة قد تكون أعلى بكثير. أما هذه المراجعة فاعتمدت على التشخيص الرسمي، وهو أكثر صرامة في الشروط، ولذلك جاءت النسب أقل. الاختلاف قد يعود إلى أن أدوات الفحص تُصمَّم عادة لالتقاط أكبر قدر من الحالات المحتملة، بينما التشخيص الرسمي يحتاج تحققًا من شروط محددة، ومنها طبيعة الحدث المؤلم وطريقة ظهور الأعراض ومدتها وتأثيرها على الحياة اليومية.

نقاط قد تفسر نقص التشخيص لدى الأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد

قد يكون التشخيص الرسمي لاضطراب ما بعد الصدمة أقل مما ينبغي لدى الأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد لعدة أسباب. أولًا، دلائل التشخيص تشترط غالبًا التعرض لحدث شديد محدد، مثل تهديد الحياة أو إصابة خطيرة أو عنف جنسي. لكن لدى كثير من الأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد قد تكون التجارب المؤذية مختلفة أو ممتدة زمنيا، مثل التنمر المتكرر، أو الاستبعاد الاجتماعي المستمر، أو الإيذاء في العلاقات، أو تجارب الإهمال المؤسسي، أو الضغط الحسي الشديد المتكرر. هذه التجارب قد تسبب أعراضًا قوية شبيهة باضطراب ما بعد الصدمة، لكنها قد لا تُصنف دائمًا ضمن الحدث الذي تسمح به شروط التشخيص.

ثانيًا، هناك تداخل بين بعض خصائص اضطراب طيف التوحد وبعض أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، مثل اضطرابات النوم، أو الانسحاب الاجتماعي، أو التهيج وفرط الاستثارة. هذا التداخل قد يؤدي إلى التغاضي التشخيصي، أي تفسير الأعراض على أنها جزء من اضطراب طيف التوحد فقط، وبالتالي تُفوت فرصة اكتشاف تأثير الصدمة وتقديم تدخلات مناسبة.

ثالثًا، قد يواجه بعض الأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد صعوبة في وصف تجاربهم الداخلية أو ربط الأعراض بسبب محدد، خصوصًا ذوي الإعاقة الذهنية أو ذوي الصعوبات اللغوية. هذا يجعل الاعتماد على تقرير الشخص وحده غير كاف في بعض الحالات، ويزيد أهمية جمع المعلومات من الأسرة أو المرافق عند الحاجة.

العوامل التي غيّرت نسب الانتشار بين الدراسات

نفذ الباحثون تحليلات مجموعات فرعية لفهم أسباب اختلاف النسب بين الدراسات. أبرز العوامل التي ظهرت هي وجود إعاقة ذهنية مصاحبة، ونسبة الذكور والإناث، والدليل التشخيصي المستخدم، ونوع المُبلِّغ عن الأعراض.

بالنسبة لوجود إعاقة ذهنية مصاحبة، أشارت بعض التحليلات إلى أن النسب قد ترتفع عندما تكون العينة من ذوي الإعاقة الذهنية أو عندما تتضمن الدراسة أفرادًا ذوي إعاقة ذهنية. ويمكن تفسير ذلك بأن ذوي الإعاقة الذهنية قد يواجهون مخاطر أكبر للتعرض لإيذاء أو استغلال، كما أن صعوبات التواصل قد تعيق التقييم الدقيق، ما يجعل التشخيص يحتاج إلى إجراءات أكثر حساسية ودقة.

أما من حيث نوع المُبلِّغ، فقد لاحظت الدراسة أن النسب قد تكون أعلى عندما يُجمع بين تقرير الشخص وتقرير الأسرة أو المرافق، وهو ما يدعم فكرة أن التقييم متعدد المصادر قد يحسن اكتشاف الحالات التي قد لا تُذكر بالكامل في تقرير الشخص وحده. كما أن اختلاف الدليل التشخيصي المستخدم قد يؤدي إلى اختلاف في النسب، لأن بعض الأدلة أو الإصدارات تضع شروطًا مختلفة أو تركيزًا مختلفًا على الأعراض.

ماذا تعني النتائج للأخصائيين والأسر وصانعي السياسات؟

توضح النتائج أن الاعتماد على التشخيص الرسمي وحده قد يقلل من رؤية حجم التأثر النفسي المرتبط بالصدمة لدى الأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد. لذلك توصي الدراسة بأن يحرص الأخصائيون على تقييم تاريخ التعرض للتجارب المؤذية بشكل أوسع، وألا تُفسَّر التغيرات السلوكية دائمًا على أنها جزء من اضطراب طيف التوحد دون بحث احتمال ارتباطها بالصدمة. كما تشير النتائج إلى ضرورة تحسين أدوات التقييم لتكون أوضح في اللغة وأكثر ملاءمة لطبيعة التعبير لدى الأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد، وأن تتضمن طرقًا لتجميع المعلومات من أكثر من مصدر عند الحاجة.

اتجاهات مقترحة لتطوير التشخيص والتقييم

اقترحت الدراسة أن الأبحاث المستقبلية ينبغي أن تركز على تطوير إرشادات تشخيصية أكثر ملاءمة للأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد، وذلك عبر توسيع فهم التجارب المؤذية التي قد تؤدي إلى أعراض تشبه اضطراب ما بعد الصدمة، وتحسين حساسية أدوات التقييم، وتقليل الاعتماد على التقرير الذاتي وحده في الحالات التي تعاني صعوبات تواصل. كما شددت الدراسة على أن تحسين التشخيص يعني تحسين فرص الوصول إلى العلاج والدعم، ومن ثم تقليل الآثار السلبية الممتدة للصدمة على التعلم والعلاقات والصحة النفسية.

خلاصة

تقدم هذه المراجعة المنهجية والتحليل البعدي تقديرًا شاملًا لانتشار اضطراب ما بعد الصدمة لدى الأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد. وجدت الدراسة أن نسب التشخيص الرسمي تبدو قريبة من نسب المجتمع عمومًا، إلا أن هذا لا ينفي احتمال وجود نقص تشخيص بسبب محدودية شروط الدليل التشخيصي، وتداخل الأعراض، وصعوبات التعبير والتواصل لدى بعض الأفراد. الرسالة الأهم هي أن تحسين التشخيص والتقييم ضرورة لضمان أن يحصل الأطفال أو اليافعين المشخصين باضطراب طيف التوحد والبالغين المشخصين باضطراب طيف التوحد على تدخلات مناسبة في الوقت المناسب، وبما يراعي طريقة تجربتهم للصدمة والتعبير عنها.

وللاستفادة من النتائج في الواقع العملي، يمكن للأخصائيين وضع خطوات واضحة أثناء التقييم، مثل: سؤال الأسرة أو المرافق عن أي تغيّر حديث في النوم أو الشهية أو الانفعالات، والتحقق من وجود تجنب لمكان أو شخص أو نشاط مرتبط بتجربة مؤذية، وملاحظة زيادة الحساسية للأصوات أو الازدحام أو اللمس إذا كانت مرتبطة بزمن حدوث التجربة. كما يفيد توثيق تاريخ التعرض للتنمر أو الإقصاء أو الإيذاء المتكرر، حتى إن لم يُسمَّ ذلك حدثًا صادمًا بالمعنى التقليدي، ثم تقديم دعم نفسي مناسب يراعي احتياجات الشخص المشخص باضطراب طيف التوحد، بما في ذلك تبسيط اللغة، استخدام وسائل بصرية عند الحاجة، وإعطاء وقت كاف للحديث دون ضغط.

 

أهمية تبسيط اللغة وتقليل المصطلحات الأجنبية

حرصت هذه الترجمة على تقليل استخدام المصطلحات الإنجليزية قدر الإمكان، واستبدالها بتعابير عربية واضحة حتى تكون المادة مفهومة للقارئ غير المتخصص، وللأسر، وللعاملين في الميدان التربوي والنفسي. إن تبسيط اللغة لا يعني الإخلال بالدقة العلمية، بل يهدف إلى إيصال المعنى بشكل عملي يساعد على الفهم واتخاذ القرار المناسب. فكلما كانت المعلومات أوضح، زادت قدرة القارئ على إدراك أهمية الصدمة النفسية لدى الأشخاص المشخصين باضطراب طيف التوحد، وزادت احتمالية المطالبة بتقييم أدق وخدمات مساندة للبرنامج وتدخلات مبكرة تحمي الصحة النفسية على المدى البعيد.



المراجع

Prevalence of Post-Traumatic Stress Disorder in Individuals with Autism Spectrum Disorder: A Comprehensive Review

 

https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0272735825000881