ترجمة: أ. نوره الدوسري
مقدمة: لحظة التعرف على مصطلح “علاج الـ ABA”
هناك لحظة يتذكرها كل والد تلك اللحظة التي يظهر فيها مصطلح “علاج الـ ABA” لأول مرة في الحديث. ربما جاء من طبيب، أو صديق، أو بحث على الإنترنت في منتصف الليل. أينما جاء، فهو غالبًا ما كان يحمل مزيجًا من الأمل والتساؤل: ما هو الـ ABA بالضبط؟ لماذا يوصي الجميع به؟ وهل هو فعليًا مدعوم علميًا أم مجرد توجه عابر؟
الحقيقة أن تحليل السلوك التطبيقي (ABA) ليس جديدًا. إنه ليس مجرد كلمة رائجة، ولا توجه مؤقت. بل هو واحد من أكثر الأساليب المدروسة والمثبتة علميًا لمساعدة الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد على اكتساب مهارات حقيقية وملموسة. ومع ذلك، غالبًا ما يختفي الجانب العلمي وراء تعقيدات اللغة الأكاديمية أو التعريفات الفنية، ما يجعله صعب الفهم بالنسبة للأهالي.
هذا الدليل يهدف إلى تبسيط العلم وراء الـ ABA ليس لتقليله أو تبسيطه بشكل مخل، بل ليجعلك تفهم ما يفعله الـ ABA، ولماذا يعمل، وكيف يدعم طفلك في الحياة اليومية الواقعية. وكل معرفة جيدة تبدأ بتحويل المفاهيم الكبيرة إلى لغة يمكن للإنسان فهمها بسهولة.
الأساس: السلوك كشكل من أشكال التواصل
واحدة من أهم الأفكار العلمية وراء الـ ABA بسيطة بشكل مذهل: السلوك هو شكل من أشكال التواصل.
كل فعل سواء كان ابتسامة، أو مد يد، أو نوبة غضب، أو النظر بعيدًا، أو كلمة، أو صمت يحمل رسالة. علاج الـ ABA لا يحكم على السلوك، بل يسعى لفهمه. لماذا يلوح الطفل بيديه؟ لماذا يتجنب مهمة معينة؟ لماذا يكرر جملة معينة؟ لماذا ينهار عند الانتقالات؟
ليس لأنهم “سيئو السلوك”، بل لأن السلوك ينقل رسالة.
الأساس العلمي لـ ABA يقوم على مراقبة الأنماط، واكتشاف محفزات السلوك، وتحديد المعززات التي تدعم السلوكيات. قد يبدو هذا علميًا جدًا، لكنه عمليًا مليء بالتعاطف والرحمة. فهو لا يخبر المعالج بما يفعله الطفل فحسب، بل يوضح لماذا يفعله. وبمجرد أن يصبح “السبب” واضحًا، يصبح التغيير الفعّال ممكنًا.
التعلم من خلال التعزيز: علم التحفيز
إذا كان هناك مبدأ واحد يعرف به الـ ABA، فهو التعزيز. لكن وراء هذا المصطلح فكرة إنسانية: نكرر السلوكيات التي تؤدي إلى نتائج ذات معنى لنا.
هذا هو نفس العلم وراء لماذا:
يعمل البالغون بجد أكبر عندما يشعرون بالتقدير
نختار الهوايات التي تمنحنا السعادة
نتجنب المواقف التي تبدو غير مريحة
الأطفال يعملون بنفس الطريقة. يستخدم الـ ABA التعزيز استراتيجيًا ليس كرِشوة، بل كمحفزات شخصية تتوافق مع تفضيلات الطفل الطبيعية.
أمثلة:
الطفل الذي يحب الفقاعات قد يعمل بجد ليطلب “فقاعة” لفظيًا أو بالإشارة.
الطفل الذي يستمتع بالموسيقى قد يكمل مهمة لكسب أغنيته المفضلة.
الطفل الذي يحتاج إلى تحفيز حسي يتعلم التواصل عن حاجته بأمان.
التعزيز يقوي الروابط العصبية في الدماغ بنفس الطريقة التي يبني بها تعلم ركوب الدراجة أو ممارسة آلة موسيقية مسارات عصبية جديدة. علميًا، يعرف هذا بمبدأ الشرطية الإجرائية (Operant Conditioning)، وهو أساس الـ ABA المدعوم بعقود من البحث السلوكي.
كيف يكسر الـ ABA المهارات إلى أجزاء صغيرة: علم نفس التعلم
واحدة من أسباب فعالية الـ ABA هي قدرته على تفكيك المهام المعقدة إلى أجزاء صغيرة قابلة للتحقيق. تُعرف هذه التقنية باسم تحليل المهمة (Task Analysis)، وهي قائمة على علم النفس المعرفي الذي يُظهر أن تعلم المهارات يكون أكثر فعالية عند تدريسه خطوة خطوة.
يتيح هذا النهج للأطفال تعلم:
الروتين اليومي
مهارات التواصل
التفاعل الاجتماعي
المفاهيم الأكاديمية
مهام الاستقلالية
الطفل لا يستيقظ يومًا فجأة وهو قادر على تنظيف أسنانه أو ارتداء ملابسه بمفرده. بل يتعلم كل مهارة دقيقة: فتح الصنبور، التقاط فرشاة الأسنان، وضع المعجون، تنظيف الأسنان العليا، تنظيف الأسنان السفلى، الشطف. يُعلّم الـ ABA كل خطوة بطريقة تُنمّي الإتقان تدريجيًا ولكن بشكل ملموس.
هذه ليست مجرد تدريب، بل هي دعم للتطور العصبي والنمو الذهني.
دور البيانات: جعل التقدم قابلًا للقياس
وراء كل جلسة ABA هناك عنصر علمي بالغ الأهمية: جمع البيانات.
ليست بيانات مجردة على جدول إكسل، بل ملاحظات دقيقة تُظهر ما يحققه الطفل بالفعل. كل نجاح صغير، وكل محاولة، وكل تحسن، تصبح مؤشرًا يوجه الخطوة التالية في العلاج.
هذا النهج القائم على البيانات هو ما يميز الـ ABA. بدلًا من التخمين حول فاعلية استراتيجية ما، يستخدم المعالجون أدلة حقيقية. إذا لم تنجح طريقة معينة، يتم تعديلها. إذا كان الطفل يزدهر مع نوع معين من التعزيز، يتم تكثيفه. البيانات تجعل العلاج شخصيًا، صادقًا، ومتجاوبًا مع الطفل.
الـ ABA هو مزيج من العلم والفن العلم هو البيانات، والفن هو معرفة كيفية تطبيقها بحس إنساني ودفء.
التعلم المنظم والطبيعي: وجهان لعلم واحد
عادةً يستخدم علاج الـ ABA نهجين رئيسيين للتعليم، وكلاهما مدعوم بعقود من البحث السلوكي:
1. التدريب المنظم (DTT)
يقسم DTT المهارات إلى محاولات واضحة وبسيطة. إنه قابل للتنبؤ ومتسق مثالي للأطفال الذين يزدهرون بالتكرار والروتين. علم الأعصاب يدعم هذا الأسلوب، لأن التكرار يقوي المسارات العصبية ويزيد من الاحتفاظ بالتعلم.
2. التدريب في البيئة الطبيعية (NET)
NET يستفيد من اللحظات اليومية كاللعب، أو تناول الطعام، أو الأنشطة الخارجية كفرص للتعلم. تُظهر الأبحاث أن الأطفال يتعلمون بشكل أفضل في بيئات تحاكي تجاربهم اليومية، مما يجعل NET مثاليًا للتواصل، والتفاعل الاجتماعي، والنمو العاطفي.
الـ ABA لا يختار طريقة واحدة على الأخرى، بل يمزج بين الاثنين، ويكيّف الأسلوب وفق نقاط قوة الطفل وشخصيته. هذه المرونة جزء من العلم، وجزء من الإنسانية أيضًا.
جدول توضيحي: كيف تعمل تقنيات الـ ABA علميًا
مبدأ الـ ABA | الأساس العلمي | الفائدة العملية للطفل |
التعزيز | الشرطية الإجرائية | يشجع السلوكيات الإيجابية بشكل طبيعي |
التوجيه والتلاشي | تشكيل السلوك | يبني الاستقلالية بدون ضغط |
تحليل المهمة | علم النفس المعرفي | يحول المهارات المعقدة إلى خطوات قابلة للإدارة |
التدريب بالمحاولات المنفصلة | التكرار يقوي المسارات العصبية | تعليم منظم وواضح |
التدريب في البيئة الطبيعية | التعلم السياقي | المهارات قابلة للتطبيق في الحياة اليومية |
التعميم | نقل التعلم | استخدام المهارات في جميع البيئات |
التعميم: علم جعل المهارات مستمرة
يسأل الآباء غالبًا: “هل سيتعلم طفلي هذه المهارات فقط أثناء العلاج؟”
الإجابة هي لا، بفضل علم التعميم.
التعميم هو تعليم المهارة بطريقة تجعل الطفل قادرًا على استخدامها:
مع أشخاص مختلفين
في أماكن مختلفة
خلال أنشطة مختلفة
باستخدام مواد مختلف
هذا يحول المهارة من إنجاز تقني إلى قدرة حقيقية في الحياة اليومية. يقوم معالجو الـ ABA بتصميم الجلسات لتعزيز التعميم، لضمان أن الطفل يمكنه استخدام مهاراته في المدرسة، المنزل، أو المجتمع.
لماذا الـ ABA فعال بشكل خاص للأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد
التوحد ينطوي على أنماط فريدة للتعلم، ومعالجة الحواس، والتواصل. يتوافق الـ ABA مع هذه الأنماط من خلال:
خلق روتين متوقع
تقليل المثيرات المربكة
تعليم المهارات بشكل ملموس ومنظم
استخدام الدعم البصري، اللفظي، أو الجسدي
تعزيز مسارات التعلم تدريجيًا
توفير وضوح حيث يكون التواصل صعبًا
يدعم العلم الـ ABA لأنه يحترم طريقة تعلم الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، وليس بإجبارهم على اتباع مسار واحد، بل بالتكيف مع كل طفل على حدة.
كيف يطبق العلم في الحياة اليومية
فهم العلم يمنح الثقة، ولكن تطبيقه برحمة هو ما يهم العائلات حقًا.
تتحول المبادئ العلمية لـ ABA إلى:
خطط تعلم شخصية
جلسات قائمة على اللعب والشعور بالاستمتاع
تعاون مع الوالدين لتعزيز التقدم
بيانات موضحة بطريقة بسيطة وذات معنى
مهارات قابلة للتطبيق في الروتين المنزلي
دعم رحيم أثناء اللحظات الصعبة
الخاتمة: العلم واضح، ولكن الرحلة شخصية
فهم العلم وراء الـ ABA لا يعني حفظ المصطلحات الأكاديمية أو أن تصبح خبيرًا بين عشية وضحاها. بل يعني الثقة بأن الأسلوب الذي تختاره لطفلك مدعوم بعقود من البحث، والأدلة السريرية، والنجاحات العملية.
الـ ABA ليس سحرًا إنه منهجي، مدروس، وإنساني.
يحوّل السلوك بفهمه
يبني المهارات بتقسيمها إلى خطوات
يخلق التقدم من خلال انتصارات صغيرة ومتدرجة
يمكّن العائلات من خلال أدوات تعمل في الحياة الواقعية
رحلتك تبدأ هنا خطوة واحدة واثقة ومليئة بالأمل في كل مرة.
المرجع
Understanding the Science Behind ABA Therapy for Autism
https://linksaba.com/understanding-the-science-behind-aba-therapy-for-autism/





