الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

اضطراب طيف التوحد والانفصال عن الواقع: فهم العلاقة وتأثيرها على الأطفال والمراهقين

 

ترجمة : أ. نوره الدوسري

 

مقدمة
يعاني بعض الأشخاص المشخّصين باضطراب طيف التوحد من الانعزال الاجتماعي عن الآخرين، وقد يظهر هذا الانعزال كنوع من الانفصال عن البيئة المحيطة، مع رغبة قوية في قضاء وقت طويل بمفردهم. هذا الانفصال أحيانًا يشبه ما يعرف بالانفصال عن الواقع، وهو حالة نفسية يشعر فيها الشخص بأنه منفصل عن وعيه أو عن محيطه، وقد تتراوح شدته من شعور بسيط بالانعزال إلى حالات أكثر تعقيدًا تؤثر على سلوكيات الطفل وحياته اليومية.

الانفصال عن الواقع عند المشخّصين باضطراب طيف التوحد يختلف عن الانفصال عند الأشخاص غير المشخّصين، لأنه يتداخل مع صعوبات التواصل الاجتماعي والحسية التي يعاني منها هؤلاء الأفراد. كما أنه يمكن أن يكون وسيلة للتعامل مع الضغوط النفسية أو المواقف التي يشعر فيها الطفل بالإرهاق أو القلق الشديد.

فهم الانفصال عن الواقع
الانفصال عن الواقع هو حالة نفسية يحدث فيها انفصال بين وعي الشخص وأفكاره أو مشاعره، ويمكن أن يظهر بأشكال مختلفة، منها:

  • شعور بعدم الاتصال بالجسم أو بالعالم المحيط،

  • صعوبة في تذكر أحداث معينة أو معلومات عن الذات،

  • تغير واضح في السلوك أو الشخصية المعتادة للشخص.

عادةً ما يكون الانفصال عن الواقع طريقة لحماية النفس عاطفيًا من الصدمات أو القلق الشديد. تختلف هذه الحالة من شخص لآخر حسب مستوى الوعي والتجارب السابقة، وقد تظهر بشكل متكرر عند الأشخاص الذين يعانون من ضغوط نفسية عالية أو تجارب صادمة.

يمكن تصنيف الانفصال عن الواقع إلى عدة أشكال رئيسية:

  1. الانفصال عن الذات: وهو شعور بأن الشخص منفصل عن جسده أو مشاعره، كأنه يراقب نفسه من بعيد. قد يظهر ذلك في شكل تجمد أو تكرار أفعال معينة بلا وعي.

  2. الانفصال عن البيئة المحيطة: شعور بأن العالم من حول الشخص غير واقعي أو كأنه حلم، وقد يؤدي إلى صعوبة التفاعل مع المحيط وفهم الأحداث اليومية.

  3. فقدان الذاكرة: عدم القدرة على تذكر معلومات أو أحداث مهمة عن الذات، وغالبًا ما يكون مرتبطًا بمحاولة العقل التخلص من ذكريات صادمة أو مؤلمة.

  4. اضطراب أو تغيير الهوية: شعور الشخص بتغير في شخصيته أو فقدان استقرار في هويته، وقد يظهر في شكل سلوكيات متناقضة أو متعددة لتعويض الصدمات النفسية.

كيف يظهر الانفصال عن الواقع عند المشخّصين باضطراب طيف التوحد
قد يظهر الانفصال عن الواقع عند الأشخاص المشخّصين باضطراب طيف التوحد بطرق مختلفة، منها:

  • التوقف عن الحركة أو التجمد لفترات طويلة، ما يعرف أحيانًا بالكاتاتونيا،

  • صعوبة في التعبير عن المشاعر وفهمها، حيث لا يستطيع الطفل أو المراهق تحديد ما إذا كان يشعر بالغضب أو الحزن أو الفرح،

  • مشاكل في الشعور بالجسم أو الحاجة إلى الطعام أو النوم، ما يسمى بعدم الوعي بالجسم،

  • صعوبة في تحديد مكان الجسم في الفضاء أو التعرف على الوجوه، ما يؤدي أحيانًا إلى تجنب التفاعلات الاجتماعية.

على سبيل المثال، قد يُلاحظ أن الطفل ينظر في الفراغ لفترات طويلة أو ينفصل عن المحيط أثناء الأنشطة اليومية، وقد يختلط ذلك مع أعراض نوبات الصرع أو حالات التوتر الشديد، لذلك من المهم تقييم الحالة بدقة من قبل مختصين.

الانفصال عن الذات عند المشخّصين باضطراب طيف التوحد
الانفصال عن الذات هو أحد أشكال الانفصال عن الواقع، ويشعر فيه الطفل أو المراهق وكأنه منفصل عن جسده أو عقله، كأنه يراقب نفسه من بعيد. يمكن أن يكون هذا مربكًا ومرعبًا للأطفال، لأنه قد يجعلهم يبدون غير متفاعلين أو منسحبين عاطفيًا.

على الوالدين أو القائمين بالرعاية مراقبة علامات الانفصال عن الذات، مثل:

  • التحديق في الفراغ بلا حركة،

  • الانسحاب المفاجئ من الأنشطة الاجتماعية،

  • عدم الاستجابة للأوامر أو المحفزات المحيطة.

يمكن التخفيف من هذه الحالة باستخدام استراتيجيات مثل الأنشطة الحسية المهدئة، الروتين المنتظم، وتمارين الوعي الذاتي التي تساعد الطفل على إعادة الاتصال بجسده ومشاعره. إذا كانت حالات الانفصال متكررة أو شديدة، ينبغي استشارة مختص نفسي لديه خبرة في التعامل مع الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد لتقديم استراتيجيات مناسبة.

اضطرابات الهوية والانفصال عند المشخّصين باضطراب طيف التوحد
في بعض الحالات النادرة، قد يعاني الأطفال والمراهقون من اضطرابات الهوية أو تعدد الشخصيات نتيجة صدمات شديدة أو اضطرابات نفسية مصاحبة، ولكن هذه الحالات أقل شيوعًا مقارنة بالانفصال البسيط أو الانسحاب المؤقت.

من المهم للوالدين والمختصين ملاحظة أي علامات على تغير الهوية أو سلوكيات متناقضة أو فجوات في الذاكرة، لأنها قد تشير إلى وجود أعراض انفصالية تتطلب تقييمًا متخصصًا.

أسباب الانفصال عند الأشخاص المشخّصين باضطراب طيف التوحد
تشمل الأسباب المحتملة للانفصال عن الواقع عند المشخّصين باضطراب طيف التوحد:

  • الصدمات النفسية، سواء كانت جسدية أو عاطفية أو جنسية،

  • القلق الاجتماعي وصعوبات التعامل مع الآخرين، مما يولد شعورًا بالضغط النفسي،

  • فرط الحساسية للمؤثرات الحسية مثل الأصوات أو اللمس أو البيئة المحيطة،

  • صعوبة التعامل مع المشاعر الشديدة، مما يؤدي إلى سلوكيات انفصالية كطريقة لحماية النفس.

تأثير الانفصال عن الواقع على حياة الأطفال والمراهقين المشخّصين باضطراب طيف التوحد
الانفصال عن الواقع يمكن أن يكون وسيلة للتعامل مع الضغوط أو المواقف الصعبة، لكنه أيضًا يمثل تحديًا في الحياة اليومية. بعض التأثيرات تشمل:

  • الانسحاب من التفاعلات الاجتماعية، مما يزيد الشعور بالعزلة،

  • صعوبة التركيز على المهام اليومية أو الأنشطة التعليمية،

  • مواجهة صعوبة في فهم المشاعر الخاصة بالآخرين أو التعبير عن المشاعر الشخصية،

  • الاعتماد على الخيال أو التكرار الحركي كوسائل للتكيف مع المواقف الصعبة.

استراتيجيات إدارة الانفصال عن الواقع لدى المشخّصين باضطراب طيف التوحد
يمكن تقليل تأثير الانفصال عن الواقع عبر عدة استراتيجيات عملية:

  1. التمييز بين الانفصال عن الواقع وحالات أخرى: التأكد من عدم كون الانفصال نتيجة لنوبات صرع أو اضطرابات ما بعد الصدمة.

  2. مساعدة الطفل على البقاء حاضرًا: من خلال تمارين الوعي باللحظة الحالية مثل التركيز على التنفس والشعور بالجسم والمحيط الآمن.

  3. العلاج السلوكي المعرفي: لتعليم الطفل التعرف على الأفكار غير المنتجة وتغييرها، وتحسين مهارات التعامل مع المشاعر.

  4. العلاج السلوكي الجدلي: لتعلم مهارات التحكم في المشاعر القوية وتنظيم النفس عند مواجهة الضغوط.

  5. العلاج بالتعرض وحركة العين: استخدام التمارين البصرية والتقنيات السلوكية لمساعدة الطفل على معالجة الصدمات والتوتر النفسي.

  6. الروتين المنتظم والدعم الأسري: الالتزام بالروتين اليومي وتوفير بيئة داعمة ومستقرة يقلل من التوتر ويساعد الطفل على مواجهة المخاوف دون اللجوء للانفصال.

خاتمة
كل شخص مشخّص باضطراب طيف التوحد يتميز بسماته الفردية، لذلك تختلف الاستراتيجيات المناسبة لكل طفل أو مراهق. الهدف ليس الوصول إلى الكمال، بل تحسين القدرة على التكيف والتواصل والتعامل مع الضغوط بشكل تدريجي. مع الدعم الأسري والمختصين، يمكن للأطفال والمراهقين مواجهة مخاوفهم وتقليل الاعتماد على الانفصال عن الواقع، واستعادة الشعور بالأمان والراحة في حياتهم اليومية.

المرجع

Autism and Dissociation: Is There a Connection? https://www.autismparentingmagazine.com/autism-and-dissociation/#:~:text=Depersonalization%20is%20a%20type%20of,help%20your%20child%20cope%20effectively.