ترجمة: أ. سما خالد
الملخص
يشكل التدخل العلاجي المبكر للأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد حجر الأساس في تحسين مهاراتهم النمائية والاجتماعية واللغوية. ومع أن دور الأخصائيين في هذا المجال محوري، إلا أن مشاركة الأسرة تعد عنصرًا جوهريًا لا يقل أهمية، إذ تمثل الرابط اليومي الذي يعزز استمرارية الاستراتيجيات العلاجية ويحولها إلى ممارسات حياتية. تهدف هذه المقالة إلى تسليط الضوء على كيفية مساهمة الأسر في التدخل العلاجي، وتوضيح سبل دعمهم للأطفال بشكل يحقق تقدمًا ملموسًا، مع إبراز الأمل الكبير الكامن في إشراك الأسرة كشريك فاعل في كل خطوة من خطوات العلاج.
المقدمة
اضطراب طيف التوحد من الاضطرابات النمائية المعقدة التي تؤثر على جوانب متعددة من نمو الأطفال، بما في ذلك التواصل الاجتماعي، واللغة، والمرونة السلوكية. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن التدخل العلاجي الفعّال لا يعتمد فقط على الجلسات المنظمة داخل المراكز العلاجية، بل يحتاج أيضًا إلى تطبيق عملي داخل المنزل والبيئة اليومية للأطفال. هنا يظهر دور الأسرة باعتبارها الجسر الذي ينقل المهارات من إطار الجلسة إلى الحياة الواقعية. ولأن الأسرة هي المحيط الأول والأكثر قربًا من الأطفال، فإن قدرتها على تطبيق الاستراتيجيات المكتسبة وتعزيزها بشكل مستمر تسهم بشكل مباشر في نجاح الخطة العلاجية وتحقيق الأهداف المرجوة.
الأسرة كشريك في فهم طبيعة التدخل العلاجي
لكي تكون الأسرة شريكًا فعالًا في جلسات التدخل، من المهم أن تبدأ العملية بفهم عميق لطبيعة الاضطراب وأهداف العلاج. عندما يشارك الأهالي في الجلسات أو يحصلون على شرح واضح من الأخصائيين حول ما يتم تدريسه أو ممارسته، فإن ذلك يمنحهم تصورًا دقيقًا لكيفية دعم أطفالهم في البيت. إن الوعي العلمي والاطلاع على خصائص اضطراب طيف التوحد يساعد الأسر على تجاوز مشاعر الارتباك أو العجز، ويحولهم إلى داعمين أساسيين في رحلة العلاج.
التطبيق العملي للاستراتيجيات في المنزل
واحدة من أهم جوانب الشراكة الفاعلة تكمن في قدرة الأسرة على تطبيق ما يتعلمه الأطفال في جلسات التدخل داخل البيئة المنزلية. فعلى سبيل المثال، إذا كان الهدف هو تطوير مهارات التواصل البصري أو استخدام الكلمات في التعبير عن الاحتياجات، فإن ممارسة هذه المهارات خلال الروتين اليومي مثل أوقات الطعام أو اللعب يجعل التعلم أكثر طبيعية واستمرارية. هذا الدمج بين التدخل العلاجي والحياة اليومية يعزز من ثبات المهارة المكتسبة ويمنعها من الانحصار في نطاق الجلسة فقط.
تعزيز العلاقة العاطفية والدعم النفسي
من أبرز ما تقدمه الأسرة للأطفال هو الدعم النفسي والعاطفي المستمر. فالعلاقة الآمنة القائمة على القبول غير المشروط والمحبة تشكل قاعدة مهمة لتقبل الأطفال للتدخلات العلاجية وتفاعلهم معها. عندما يشعر الأطفال أن أسرهم تساندهم وتؤمن بقدراتهم، فإن ذلك يزيد من دافعيتهم للمشاركة ويمنحهم الثقة اللازمة لخوض تجارب جديدة. هذا الدعم العاطفي لا يقل قيمة عن أي استراتيجية علاجية، بل إنه يضاعف من فعاليتها ويعزز استمرارية التقدم.
التعاون المستمر مع الأخصائيين
تتحقق الشراكة الفاعلة عندما يكون هناك تواصل دائم بين الأسرة والأخصائيين. هذا التواصل يمكن أن يأخذ شكل حضور الأهالي للجلسات، أو تلقي ملاحظات مكتوبة، أو عقد لقاءات دورية لمراجعة مستوى التقدم. وجود هذا التعاون يساعد على تعديل الاستراتيجيات العلاجية وفق احتياجات الأطفال المتغيرة، ويضمن أن الأسرة تسير بخط متوازٍ مع الأهداف العلاجية الموضوعة. كما أن تبادل الخبرات بين الأخصائيين والأهالي يفتح مجالًا للتعلم المشترك الذي يعزز جودة التدخل.
بناء بيئة منزلية محفزة
لكي تكون الأسرة شريكًا فعالًا، من الضروري أن تعمل على تهيئة بيئة منزلية تساعد الأطفال على استخدام مهاراتهم. يمكن أن يكون ذلك من خلال تقليل المشتتات أثناء التواصل، أو توفير ألعاب وأنشطة تعليمية تخدم أهداف العلاج، أو خلق روتين ثابت يمنح الأطفال شعورًا بالأمان والقدرة على التنبؤ بالأحداث. البيئة المنظمة والداعمة لا تُسهل فقط عملية التعلم، بل تمنح الأطفال فرصة لتعميم المهارات في مواقف حياتية متعددة.
التحديات وكيفية تجاوزها
لا تخلو رحلة الأسر مع التدخل العلاجي من التحديات، مثل الإرهاق النفسي الناتج عن الضغوط اليومية، أو الشعور بالإحباط عندما لا يظهر تقدم سريع. إلا أن إدراك أن التغير عملية تراكمية يتطلب الصبر والمثابرة يساعد الأسر على التعامل مع هذه الصعوبات. كذلك، فإن الانضمام إلى مجموعات دعم أسرية أو المشاركة في ورش عمل تدريبية يسهم في تقوية روح الصمود ويمنح الأهالي أدوات عملية لتجاوز العقبات.
الأمل كعامل محرك للتغيير
من أهم ما تحتاجه الأسر في هذه الرحلة هو الأمل. فالأمل لا يعني توقع نتائج مثالية أو سريعة، بل يعني الإيمان بقدرة الأطفال على التعلم والتطور وفق إمكاناتهم الخاصة. هذا الإيمان ينعكس على طريقة تعامل الأسرة مع أطفالها ويزرع فيهم الثقة بأن جهودهم تستحق المثابرة. وعندما يتبنى الأهالي نظرة إيجابية قائمة على التدرج والاحتفاء بالإنجازات الصغيرة، فإن ذلك يخلق بيئة مشجعة تحفز الأطفال على الاستمرار.
الخاتمة
إن شراكة الأسرة في جلسات التدخل العلاجي للأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد ليست مجرد خيار إضافي، بل هي عنصر أساسي يضاعف من فعالية الجهود العلاجية. فالأسرة قادرة على تحويل الاستراتيجيات النظرية إلى خبرات عملية يومية، وتعزيز الدعم النفسي الذي يمنح الأطفال القوة للمضي قدمًا. ومع التعاون المستمر مع الأخصائيين وبناء بيئة منزلية محفزة، تصبح رحلة العلاج أكثر تكاملاً وأثرًا. في نهاية المطاف، الأمل والثقة المتبادلة بين الأسرة والأطفال هما الوقود الذي يقود نحو مستقبل أكثر إشراقًا.
المراجع
American Psychiatric Association. (2013). Diagnostic and statistical manual of mental disorders (5th ed.). Washington, DC: Author.
Brookman-Frazee, L., & Drahota, A. (2010). Training community mental health therapists to deliver evidence-based practice: A case example of training to deliver parent-assisted intervention for autism spectrum disorders. Clinical Psychology: Science and Practice, 17(3), 267–283.
Oono, I. P., Honey, E. J., & McConachie, H. (2013). Parent-mediated early intervention for young children with autism spectrum disorders (ASD). Cochrane Database of Systematic Reviews, 4, CD009774.
Smith, T., & Iadarola, S. (2015). Evidence base update for autism spectrum disorder. Journal of Clinical Child & Adolescent Psychology, 44(6), 897–922.





