ترجمة: أ. سما خالد
الملخص
يعاني بعض الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد من صعوبات كبيرة في النطق والتخاطب، وهو ما قد يكون مرتبطًا بضعف عضلات الوجه واللسان، وصعوبة تنظيم الحركات الدقيقة المطلوبة للكلام. تشكل هذه الصعوبات تحديًا في التواصل الاجتماعي والتعلم، لكنها ليست نهاية المطاف. تشير الأبحاث إلى أن التدخل المبكر والمنظم، من خلال جلسات متدرجة تشمل تمارين لتقوية العضلات، تحفيز اللغة، واستخدام استراتيجيات تواصلية متنوعة، يمكن أن يساهم بشكل ملموس في تطوير مهارات النطق لدى هؤلاء الأطفال. تهدف هذه المقالة إلى استعراض العوامل المؤثرة في صعوبات التخاطب لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، واستعراض أساليب التدخل التدريجي، مع إبراز الأمل في قدرة بعض الأطفال على النطق وتحسين التواصل.
المقدمة
يمثل التخاطب مهارة أساسية لنمو الأطفال النفسي والاجتماعي، ويعد التواصل اللفظي من أهم الوسائل التي تمكن الأطفال من التعبير عن حاجاتهم، رغباتهم، ومشاعرهم. بالنسبة للأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، فإن فقدان القدرة على النطق أو تأخره يمكن أن يحد من فرصهم في التفاعل مع المحيطين، مما يؤثر على علاقاتهم الاجتماعية وثقتهم بأنفسهم. وتتراوح هذه الصعوبات بين تأخر لفظ الكلمات البسيطة، إلى صمت كامل يرافقه أحيانًا استخدام وسائل تواصل بديلة مثل الإيماءات أو الصور. ومع ذلك، تشير الدراسات الحديثة إلى أن التدخل المبكر والمكثف يمكن أن يُحدث فارقًا كبيرًا، إذ يمكن للأطفال أن يطوروا قدراتهم على النطق بشكل تدريجي إذا تم العمل على تقوية عضلات الوجه واللسان وتنمية مهارات التخاطب بشكل ممنهج (Tager-Flusberg et al., 2017).
ضعف عضلات الوجه واللسان وتأثيره على التخاطب
يعد ضعف العضلات المسؤولة عن النطق من العوامل الجوهرية التي تؤثر في قدرة الأطفال على الكلام. تتطلب عملية النطق تنسيقًا معقدًا بين عضلات الشفاه، الفك، واللسان، إضافة إلى التحكم بالتنفس ونبرة الصوت. بالنسبة لبعض الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد، يمكن أن يؤدي ضعف هذه العضلات إلى صعوبة إصدار الحروف والكلمات بشكل واضح، أو تأخر النطق على المدى الطويل. هذا الضعف ليس نتيجة قلة الرغبة في التواصل، بل يعكس خصوصية النمط النمائي للأطفال، ويستلزم التدخل المبكر لاستهداف الوظائف العضلية الدقيقة بشكل تدريجي (Paul & Norbury, 2012).
تأثير صعوبات النطق على التواصل الاجتماعي
غياب النطق أو تأخره لا يؤثر فقط على القدرة على الكلام، بل يمتد تأثيره إلى الجانب الاجتماعي والعاطفي للأطفال. الأطفال الذين لا يستطيعون التعبير عن حاجاتهم بالكلام قد يعانون من الإحباط أو العدوانية، كما يمكن أن يتجنبوا التفاعل مع أقرانهم، مما يزيد من شعورهم بالعزلة. لذلك، فإن تنمية مهارات النطق ليست هدفًا لغويًا فحسب، بل هي جزء أساسي من بناء التواصل الاجتماعي وتعزيز الثقة بالنفس لدى الأطفال (Miller et al., 2018).
استراتيجيات التدخل التدريجي لتحسين النطق
تتعدد أساليب التدخل المبكر لتطوير مهارات التخاطب، ويُفضل أن تكون مدمجة بين تقوية العضلات، تدريب اللغة، وتعزيز التواصل الاجتماعي. تبدأ الجلسات عادة بتمارين بسيطة لعضلات الوجه والفك واللسان، مثل تحريك الشفاه، تكرار الأصوات الأحادية، والتدريب على الحروف البسيطة. بعد اكتساب السيطرة العضلية الأساسية، يتم دمج الأصوات في كلمات وجمل قصيرة، مع استخدام الألعاب والأنشطة التفاعلية لتشجيع الأطفال على المحاولة والتكرار. يعتمد نجاح هذه البرامج على التكرار المستمر، التعزيز الإيجابي، ومتابعة التقدم بشكل منتظم، حيث يمكن للأطفال أن يحرزوا تطورًا تدريجيًا حتى في حالات التأخر الشديد (Wetherby et al., 2014).
كما يمكن استخدام وسائل التواصل البديلة والمرئية كخطوة داعمة، مثل الصور، اللوحات، أو الأجهزة الإلكترونية التفاعلية، لتخفيف الإحباط وتحفيز الأطفال على المشاركة. ويمثل دمج الأسرة في هذه العملية جانبًا حيويًا، إذ يمكن للوالدين متابعة التمارين المنزلية، تقديم الدعم العاطفي، وتشجيع الطفل على استخدام ما يتعلمه في الحياة اليومية، مما يعزز استمرارية التعلم والنطق (Kaiser et al., 2010).
الأمل في تطوير النطق لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد
على الرغم من صعوبات النطق والتحديات التي يواجهها الأطفال المشخّصون باضطراب طيف التوحد، فإن الأبحاث تشير إلى وجود قدر كبير من الأمل في تحسين القدرات اللغوية لديهم من خلال التدخل المنهجي والمستمر. الأطفال الذين يشاركون في برامج متدرجة تشمل تقوية العضلات، التدريب على الأصوات والكلمات، واستخدام وسائل تواصل داعمة، يمكن أن يحرزوا تقدمًا ملحوظًا، وحتى الوصول إلى نطق جمل واضحة مع مرور الوقت. إن الصبر، الاستمرارية، والدعم النفسي والاجتماعي يشكلون عناصر أساسية لتحقيق هذا التحسن، مما يمنح الأطفال فرصة أفضل للتفاعل مع محيطهم وتطوير استقلاليتهم الاجتماعية.
الخاتمة
تمثل صعوبات النطق والتخاطب لدى الأطفال المشخّصين باضطراب طيف التوحد تحديًا متعدد الأبعاد يشمل الجوانب العضلية، اللغوية، والاجتماعية. ومع ذلك، فإن التدخل المبكر والمنظم، المتمثل في جلسات تدريجية تشمل تقوية عضلات الوجه واللسان، تطوير مهارات النطق، واستخدام وسائل تواصل داعمة، يمكن أن يحدث فارقًا ملموسًا. إن الأمل قائم بأن الأطفال قادرون على تحويل الصمت إلى كلمات، والتواصل بشكل أفضل مع المحيطين بهم، مما يسهم في تحسين حياتهم الاجتماعية والنفسية، وفتح آفاق جديدة للتعلم والتفاعل المستقبلي.
المراجع
Kaiser, A. P., Hancock, T. B., & Cai, X. (2010). Teaching parents new skills to support the communication of children with autism. Journal of Early Intervention, 32(3), 173–191. https://doi.org/10.1177/1053815110375862
Miller, J. F., Andriacchi, K., & Nockerts, A. (2018). Language and social communication in children with autism spectrum disorder. Child Language Teaching and Therapy, 34(3), 271–284. https://doi.org/10.1177/0265659018756850
Paul, R., & Norbury, C. F. (2012). Language disorders from infancy through adolescence: Listening, speaking, reading, writing, and communicating (4th ed.). Elsevier.
Tager-Flusberg, H., Paul, R., & Lord, C. (2017). Language and communication in autism. In F. R. Volkmar, R. Paul, A. Klin, & D. Cohen (Eds.), Handbook of autism and pervasive developmental disorders (4th ed., pp. 337–364). Wiley.
Wetherby, A. M., Woods, J., Allen, L., Cleary, J., Dickinson, H., & Lord, C. (2014). Early social interaction and language intervention for toddlers with autism spectrum disorder: A randomized controlled trial. Journal of Autism and Developmental Disorders, 44(12), 2980–2995. https://doi.org/10.1007/s10803-014-2186-8





