الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

فعالية تدخل لغوي قائم على الوالدين للأطفال ذوي تأخر تعبيري بعمر السنتين

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

تُعدّ اضطرابات اللغة في مرحلة الطفولة المبكرة من القضايا النمائية الشائعة التي تستدعي اهتمامًا خاصًا من المختصين في مجالات النمو واللغة والصحة النفسية. ويُعتبر التأخر اللغوي التعبيري المحدد من أكثر هذه الاضطرابات انتشارًا، حيث يظهر الطفل صعوبات واضحة في التعبير اللغوي، في حين تكون قدراته الاستيعابية (اللغة الاستقبالية) ضمن المعدل الطبيعي. هذا النوع من التأخر يثير تساؤلات جوهرية حول أفضل أساليب التدخل المبكر، وفعالية البرامج العلاجية قصيرة المدى، ودور الوالدين في دعم تطور اللغة لدى أطفالهم.

هدفت هذه الدراسة التجريبية العشوائية المحكومة إلى تقييم فعالية برنامج تدخّل لغوي قصير المدى، عالي التنظيم، قائم على مشاركة الوالدين، ومصمم خصيصًا للأطفال في عمر السنتين ممن يعانون من تأخر لغوي تعبيري محدد دون وجود ضعف في اللغة الاستقبالية. ويأتي هذا التوجّه استجابة للحاجة إلى تدخلات مبكرة فعالة يمكن تطبيقها في البيئات الطبيعية للطفل، مع التركيز على تمكين الوالدين – وبشكل خاص الأمهات – من استخدام استراتيجيات لغوية داعمة في التفاعل اليومي مع الطفل.

تم اختيار الأطفال المشاركين في الدراسة من خلال الفحوصات النمائية الروتينية التي تُجرى في عيادات طب الأطفال العامة. واعتمد الباحثون على أداة فحص قائمة على تقرير الوالدين، ومكيّفة من قوائم “ماك آرثر” لتطور التواصل، بهدف التعرف على الأطفال الذين يظهرون تأخرًا في التعبير اللغوي مقارنة بأقرانهم، مع التأكد في الوقت نفسه من سلامة اللغة الاستقبالية وعدم وجود مشكلات معرفية غير لفظية.

بعد مرحلة الفحص الأولي، خضع الأطفال لتقييم شامل باستخدام أدوات معيارية معتمدة لقياس مهارات اللغة التعبيرية والاستقبالية، إضافة إلى القدرات المعرفية غير اللفظية، وذلك لضمان دقة التشخيص واستبعاد أي عوامل نمائية أخرى قد تؤثر في النتائج. كما تم تضمين مجموعة مرجعية من الأطفال ذوي التطور اللغوي الطبيعي، بهدف المقارنة وتحديد الفروق النمائية بين المجموعتين.

عقب التقييم، جرى توزيع الأطفال الذين شُخّصوا بالتأخر اللغوي التعبيري المحدد بشكل عشوائي على مجموعتين: مجموعة تدخّل، ومجموعة انتظار. تلقت مجموعة التدخّل برنامج “هايدلبرغ للتدخل اللغوي القائم على الوالدين”، وهو برنامج يمتد لعدة أسابيع ويعتمد على جلسات منظمة تُقدَّم للأمهات، حيث يتم تدريبهن على استراتيجيات لغوية محددة يمكن تطبيقها خلال التفاعل اليومي مع الطفل، مثل اللعب، والأنشطة الروتينية، والمواقف التواصلية الطبيعية.

يركز البرنامج على تعزيز البيئة اللغوية المحيطة بالطفل، وتشجيع الاستجابات اللفظية، وتوسيع المحاولات التعبيرية، واستخدام النمذجة اللغوية المناسبة لمستوى الطفل النمائي. كما يُولي أهمية خاصة لجعل الوالدين شركاء فاعلين في العملية العلاجية بدلًا من الاقتصار على الجلسات الإكلينيكية المباشرة مع الطفل، وهو ما يعزز الاستمرارية ويزيد من فرص تعميم المهارات المكتسبة.

في المقابل، لم تتلقَ مجموعة الانتظار أي تدخّل خلال الفترة الأولى، وإنما خضعت للملاحظة وإعادة التقييم فقط، ما أتاح للباحثين مقارنة تطور اللغة لدى الأطفال الذين تلقوا التدخل مع أولئك الذين لم يتلقوه خلال نفس الإطار الزمني.

تمت إعادة تقييم جميع الأطفال في فترتين لاحقتين، باستخدام نفس الأدوات المعيارية، وذلك لمتابعة التغيرات في الأداء اللغوي على المدى المتوسط. وقد أُجريت جميع التقييمات من قِبل مختصين لم يكونوا على علم بتوزيع الأطفال على المجموعات أو بنتائج التقييمات السابقة، بهدف تقليل التحيز وضمان موضوعية النتائج.

أظهرت نتائج الدراسة فروقًا واضحة لصالح الأطفال الذين شاركوا في برنامج التدخل القائم على الوالدين. فقد تبين أن نسبة كبيرة من الأطفال في مجموعة التدخّل حققوا مستوى لغويًا تعبيريًا ضمن المعدل الطبيعي عند بلوغهم سن الثالثة، مقارنة بنسبة أقل بكثير لدى الأطفال في مجموعة الانتظار. كما لوحظ انخفاض ملحوظ في عدد الأطفال الذين استمر لديهم الاضطراب اللغوي وتطوّر إلى نمط أكثر شدة يُصنّف ضمن اضطراب اللغة المحدد.

تشير هذه النتائج إلى أن التدخل المبكر، حتى وإن كان قصير المدى، يمكن أن يُحدث أثرًا إيجابيًا ملموسًا في مسار تطور اللغة التعبيرية لدى الأطفال الصغار، خاصة عندما يكون التدخل منظمًا ومبنيًا على أسس علمية واضحة، ويُنفذ من خلال الوالدين في السياقات الطبيعية للحياة اليومية.

وتدعم هذه الدراسة الفرضية القائلة بأن إشراك الوالدين في التدخل اللغوي لا يقل فعالية عن التدخلات المباشرة التي تُقدّم في العيادات، بل قد يكون أكثر استدامة من حيث الأثر، نظرًا لتكرار التفاعل اليومي وارتباطه بالسياق الطبيعي للطفل. كما تبرز أهمية الكشف المبكر عن التأخر اللغوي التعبيري المحدد، والتدخل في مرحلة عمرية مبكرة قبل أن تتفاقم الصعوبات وتؤثر في مجالات نمائية أخرى مثل التفاعل الاجتماعي أو الاستعداد الأكاديمي.

وفي الختام، تؤكد هذه الدراسة أن برامج التدخل اللغوي القائمة على الوالدين تمثل خيارًا فعالًا وقابلًا للتطبيق في أنظمة الرعاية الصحية الأولية، وتسهم في تقليل احتمالية استمرار الاضطرابات اللغوية إلى مراحل عمرية لاحقة. كما توصي بأهمية تعميم مثل هذه البرامج، وتدريب المختصين على تطبيقها، وتشجيع الأسر على المشاركة الفاعلة في دعم النمو اللغوي لأطفالهم منذ السنوات الأولى من العمر.

تُظهر الدراسة أيضًا أن تأثير التدخل لا يقتصر على تحسين الأداء اللغوي فحسب، بل يمتد ليشمل تعزيز الثقة بين الوالدين وأطفالهم، إذ يكتسب الآباء مهارات عملية للتواصل مع أطفالهم بشكل فعّال، ما يخلق بيئة محفزة لتطوير اللغة والتعبير منذ سن مبكرة. ويُعزى النجاح النسبي للبرنامج إلى طبيعة التدريب المكثف والمنظم، الذي يتيح للوالدين تعلم استراتيجيات محددة، مثل تعزيز المحاولات التعبيرية للطفل، تقديم نموذج لغوي غني، وتشجيع الطفل على استخدام الكلمات في سياقات الحياة اليومية، مع مراعاة الفروق الفردية في سرعة التعلم وقدرات الطفل.

من الجدير بالذكر أن هذه الدراسة تأتي في إطار الجهود الدولية الرامية إلى توفير تدخلات لغوية مبكرة قائمة على الأدلة العلمية، والتي تركز على تقليل الاعتماد على العلاجات المكثفة التقليدية في العيادات فقط. كما تسلط الضوء على الدور المحوري للوالدين في العملية التنموية للطفل، حيث يشير الباحثون إلى أن مشاركة الوالدين بشكل نشط يمكن أن تؤدي إلى نتائج أسرع وأكثر استدامة، مقارنة بالتدخلات التقليدية التي تعتمد على تكرار الجلسات السريرية فقط.

وعلاوة على ذلك، فإن متابعة الأطفال على مدى ستة واثني عشر شهرًا بعد التدخل يعكس تأثير التدخل على المدى المتوسط، ويؤكد استمرارية الفوائد التي تحققت، مما يدعم فكرة أن التدخلات المبكرة القصيرة المدى، إذا صُممت بشكل منهجي وواقعي، يمكن أن تكون فعّالة جدًا في تعديل مسار تطور اللغة التعبيرية للأطفال الذين يعانون من تأخر محدد، وبالتالي تقليل احتمال تطور مشكلات لغوية أكثر تعقيدًا في المستقبل.

 

المرجع:

Parent based language intervention for 2-year-old children with specific expressive language delay: a randomised controlled trial

https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/18703544/