ترجمة: أ. جنا الدوسري
تُعد صعوبات التعلم المحددة (Specific Learning Disabilities – SLD) من الموضوعات الأساسية والهامة في علم النفس، سواء من منظور البحث الأكاديمي أو من منظور الممارسة العملية، حيث تمثل نموذجًا لتكامل التخصصات المتعددة لفهم الحالات البشرية. تظهر هذه الصعوبات في صورة مشاكل أساسية تتعلق باكتساب مهارات أكاديمية محددة، أو في صورة صعوبات ثانوية تكون مصاحبة لاضطرابات تطورية أخرى مثل اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط. وعند النظر إلى تاريخ الدراسات الحديثة، نجد أن موضوع صعوبات التعلم المحددة قد تم الاعتراف به رسميًا كحالة تؤثر على التعلم والتكيف الاجتماعي قبل حوالي خمسين عامًا، ويستمر البحث والتطوير في هذا المجال حتى اليوم.
تتجلى صعوبات التعلم المحددة في العديد من المجالات الأكاديمية مثل صعوبات القراءة وكتابة النصوص وفهم المقروء، إلى جانب الصعوبات في الرياضيات، ويُظهر كل نوع من هذه الصعوبات مجموعة متنوعة من الأعراض التي تؤثر على ما بين خمسة إلى خمسة عشر بالمئة من الأطفال في سن المدرسة. وعلى الرغم من أن هذه الصعوبات تؤدي غالبًا إلى تحديات أكاديمية، إلا أن تأثيرها يمتد أيضًا إلى النواحي الاجتماعية والعاطفية والسلوكية، ما قد ينعكس على جودة الحياة على المدى الطويل، بما في ذلك الأداء الاجتماعي والمهني. ومن هنا، تظهر الحاجة الماسة لتطوير أنظمة وقائية وعلاجية متكاملة تشمل فرقًا متعددة التخصصات، من أجل الحد من المخاطر وتعزيز العوامل الوقائية للأطفال الذين يعانون من صعوبات التعلم.
على مدار السنوات الخمسين الماضية، تطور فهمنا لصعوبات التعلم المحددة بشكل ملحوظ، حيث تم التركيز على الأسباب المعرفية والعصبية والبيئية لهذه الحالات، إلى جانب تطوير طرق لتحديدها وعلاجها. وقد ظل التعريف الأصلي لصعوبات التعلم المحددة، الذي اعتمدته الحكومة الأمريكية في البداية، قائمًا ضمن التشريعات الحديثة لتوفير تعليم مناسب لجميع الأطفال ذوي الإعاقة، ضمن ما يُعرف الآن بقانون تعليم الأفراد ذوي الإعاقة. ويُعترف بصعوبات التعلم المحددة عالميًا باعتبارها مجموعة من اضطرابات المهارات الأكاديمية، ويظهر ذلك في أهم التصنيفات الدولية مثل الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية والإصدار الحادي عشر للتصنيف الدولي للأمراض.
في الولايات المتحدة، تُعد فئة صعوبات التعلم المحددة الأكبر بين الأطفال الذين يحصلون على الدعم التعليمي بموجب القانون، حيث يتم تحديد الأطفال ضمن هذه الفئة عندما لا يتمكنون من الوصول إلى المعايير الأكاديمية المعتمدة حسب العمر أو الصف في مجموعة متنوعة من المهارات مثل التعبير الشفهي وفهم الاستماع والكتابة ومهارات القراءة الأساسية والطلاقة القرائية وفهم المقروء والحساب وحل المسائل الرياضية. وعلى الرغم من أن نسبة الأطفال المصنفين ضمن هذه الفئة كانت تمثل تاريخيًا حوالي نصف الأطفال المستفيدين من خدمات التعليم الخاص، إلا أن هذه النسب شهدت بعض التغيرات على مر السنوات، مع انخفاض طفيف خلال العقد الماضي.
تستند الدراسات الحديثة إلى توافق الباحثين على فهم صعوبات التعلم المحددة، حيث أظهرت الأبحاث المتعددة والمراجعات المنهجية أن هذه الصعوبات تمثل مجموعة متنوعة من الصعوبات الأكاديمية المرتبطة بقدرات معرفية محددة. وقد أدى التقدم في فهم هذه الصعوبات إلى تطوير استراتيجيات تدخلية فعّالة، تستند إلى النماذج المعرفية واللغوية، بهدف تحسين أو إدارة هذه الصعوبات بشكل مستمر، مع التمييز بينها وبين اضطرابات تطورية أخرى أو ظروف بيئية واجتماعية.
تاريخيًا، تطورت معرفة صعوبات التعلم المحددة عبر ثلاثة مسارات بحثية رئيسية. المسار الأول ركز على الجانب الطبي، حيث بدأت الدراسات منذ القرن السابع عشر بمحاولات فهم حالات فقدان القدرة على القراءة بسبب إصابات دماغية أو سكتات دماغية، ثم تطورت هذه الدراسات لتشمل حالات الأطفال الذين يواجهون صعوبات في تعلم القراءة رغم مستوى ذكاء طبيعي وغياب أي إصابة دماغية واضحة. هذا المسار أسس قاعدة لفهم الصعوبات الأكاديمية المفاجئة وغير المتوقعة عند الأطفال.
المسار الثاني ارتبط بتطوير الأدلة التشخيصية في علم النفس والطب النفسي، وخاصة مع تطور الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، والذي بدأ بتصنيف اضطرابات الدماغ المزمنة والسلوكيات المرتبطة بها، ومنها اضطراب فرط النشاط ونقص الانتباه، ثم تطور ليشمل الصعوبات الأكاديمية التي يعاني منها العديد من الأطفال. ومع مرور الوقت، تم فصل صعوبات المهارات الأكاديمية عن اضطراب فرط النشاط لتصبح لها فئات تشخيصية مستقلة، مع التأكيد على تفرد كل نوع من الصعوبات الأكاديمية مثل القراءة والكتابة والرياضيات.
المسار الثالث ركز على تطوير التدخلات العلاجية والبرامج التعليمية المبنية على النماذج المعرفية واللغوية، حيث تم الاعتراف بصعوبات التعلم كحالة شاملة تتضمن صعوبات في اللغة المنطوقة والمكتوبة، وقدمت هذه البرامج أدوات للتعامل مع هذه الصعوبات بفعالية، سواء من خلال تحسين القدرة على القراءة (الدسلكسيا)، أو الرياضيات (الديسكلكوليا)، أو الكتابة (الديسغرافيا)، مع مراعاة الفروق الفردية بين الأطفال ودرجة الاستجابة للتعليم الفعّال.
أما فيما يتعلق بالتعريف والتشخيص، فقد تم توضيح أن صعوبات التعلم المحددة ليست نتيجة لضعف ذكاء عام، بل تنشأ من نقاط ضعف محددة في عمليات معرفية معينة، حيث تختلف القدرات الأكاديمية والمعرفية بين الأفراد، وتظهر هذه الصعوبات كاختلافات واضحة في الأداء الأكاديمي مقارنة بالإمكانات العقلية. وتعكس الدراسات الحديثة أن هذه العمليات الأكاديمية والمعرفية تتوزع بشكل طبيعي في المجتمع، وأن فهم كيفية اكتساب المهارات لدى الأفراد العاديين يمكن أن يقدم رؤى مهمة حول صعوبات التعلم والعكس صحيح.
كما أظهرت الدراسات أن لكل مكون أكاديمي أو معرفي توقيعه الخاص في الدماغ والجينات، وهو ما يوضح التمايز بين أنواع صعوبات التعلم المختلفة، رغم وجود تداخل جزئي بينها، ما يفسر نسب التزامن أو التوافق بين أنواع مختلفة من صعوبات التعلم. ومن المهم الإشارة إلى أن هذه الصعوبات، إذا لم يتم التعامل معها مبكرًا، تستمر عادة على مدار الحياة، مع تأثير طويل الأمد على الأداء الأكاديمي والاجتماعي والمهني للفرد.
بالإضافة إلى ذلك، ركزت الدراسات على طرق التعرف على صعوبات التعلم، بما في ذلك استخدام معايير الاستبعاد التقليدية التي تستبعد حالات ضعف الذكاء العام أو الإعاقات الحسية أو الاضطرابات العاطفية، إلى جانب معايير الإدراج الحديثة التي تعتمد على قياس الاستجابة للتدخل التعليمي. هذا التوجه الجديد يضمن التعرف على الأطفال الذين يواجهون صعوبات مستمرة بالرغم من التعليم الفعّال، وهو ما يعكس الفهم الحديث بأن صعوبات التعلم المحددة تتطلب نهجًا متعدد الأبعاد في التشخيص والتدخل.
في الختام، تُظهر الدراسات الحالية أن صعوبات التعلم المحددة تمثل مجموعة متنوعة من التحديات الأكاديمية المرتبطة بعمليات معرفية محددة، وأن التعامل معها بفعالية يتطلب تكامل المعرفة من مجالات علم النفس، والتعليم، والطب النفسي، وعلوم الأعصاب، وعلم الوراثة. ويشير البحث أيضًا إلى أهمية تطوير استراتيجيات تدخلية شاملة ومستمرة، تشمل الوقاية والكشف المبكر والعلاج، لضمان تحقيق أفضل النتائج التعليمية والاجتماعية للأطفال الذين يعانون من هذه الصعوبات، بما يسهم في تعزيز قدراتهم وتحسين جودة حياتهم على المدى الطويل.
المرجع:
Understanding, Educating, and Supporting Children with Specific Learning Disabilities: 50 Years of Science and Practice
https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC6851403/





