الأبعاد السبعة لخدمات تحليل السلوك التطبيقي

نموذج الاستجابة للتدخل: إعادة تعريف دعم الطلاب ذوي صعوبات التعلم

 

ترجمة: أ. جنا الدوسري

 

خلال العقود الثلاثة الماضية، شهدت المؤسسات التعليمية زيادة ملحوظة في عدد الطلاب الذين يتلقون خدمات التعليم الخاص والدعم المرتبط به. لقد أصبح من الشائع اليوم أن يستفيد ملايين الطلاب من هذه الخدمات، وهو ما يعكس تغيّراً كبيراً مقارنة بالماضي، حيث كان عدد المستفيدين أقل بكثير. ويُلاحظ أن الطلاب الذين يعانون من صعوبات التعلم يشكّلون أكبر مجموعة ضمن الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة، إذ تمثل نسبتهم أكثر من نصف هذا المجتمع التعليمي. ويعود جزء كبير من هذا النمو إلى تحسين طرق التعرف على هؤلاء الطلاب، إذ أصبحت الإجراءات أكثر دقة وقدرة على اكتشاف الصعوبات مبكرًا، رغم وجود بعض التحديات في تطبيق هذه الإجراءات بشكل مثالي، إذ أن بعض الطلاب قد يتم تشخيصهم بشكل خاطئ أو يتلقى البعض الآخر دعماً أقل من حاجتهم الفعلية.

تحديد الطلاب الذين يعانون من صعوبات التعلم يعتبر موضوعًا مثيرًا للجدل في مجال التعليم الخاص، إذ يمكن أن تؤدي الأخطاء في التشخيص إلى آثار سلبية على الطالب نفسه، وكذلك على النظام التعليمي ككل. فعندما لا يُحدد الطالب بشكل صحيح، قد لا يحصل على الدعم المناسب في الوقت المناسب، مما يؤثر على فرص نجاحه الأكاديمي وتقدمه التعليمي. لذلك أصبح من الضروري استخدام أساليب فعّالة ودقيقة لتقييم احتياجات الطلاب وتحديد التدخلات الأنسب لهم، مع مراعاة تنوع الخلفيات التعليمية والقدرات الفردية لكل طالب لضمان تحقيق النتائج المرجوة.

أحد الأساليب الحديثة والفعّالة في هذا المجال هو نموذج الاستجابة للتدخل أو RtI، والذي يقوم على تقديم الدعم الأكاديمي المكثف للطلاب الذين يواجهون صعوبات قبل أن تتفاقم مشاكلهم. يقوم هذا النموذج على متابعة أداء الطلاب بشكل دوري، بحيث يتم تقديم مستويات مختلفة من الدعم وفقًا لحاجاتهم. الطلاب الذين يظهرون تحسّنًا يمكن إرجاعهم إلى التعليم العادي، بينما الذين لا يحققون تقدّمًا كافيًا يتم تقديم تدخلات أكثر كثافة لهم، ويصبحون مرشحين محتملين للحصول على خدمات التعليم الخاص. ويعتبر هذا النهج أكثر عدالة وفعالية، لأنه يضمن عدم حرمان أي طالب من الدعم الضروري، ويحد من هدر الموارد التعليمية في حالات لا تحتاج إلى تدخل متخصص.

يمتاز نموذج RtI بعدة فوائد، أبرزها تحسين التحصيل الأكاديمي لجميع الطلاب، وتقديم تدخلات مبكرة للطلاب الذين يواجهون صعوبات، دون الحاجة إلى الانتظار حتى يفشلوا في الأداء الأكاديمي قبل تقديم الدعم لهم. كما يساعد هذا النموذج على تحسين إجراءات تحديد الطلاب ذوي صعوبات التعلم، ويقلل من احتمال إحالة الطلاب إلى التعليم الخاص دون داعٍ، مما يتيح توجيه الموارد التعليمية نحو الطلاب الذين يحتاجونها بالفعل. بالإضافة إلى ذلك، يعزز النموذج التعاون بين المعلمين والمتخصصين والإدارة المدرسية لضمان وضع خطط تعليمية متكاملة تراعي الفروق الفردية بين الطلاب.

يعتمد RtI على نموذج متعدد المستويات للتدخل، حيث يمثل كل مستوى درجة متفاوتة من الدعم التعليمي وفقًا لاحتياجات الطلاب. المستوى الأول، أو Tier-1، يشمل التعليم الأساسي الذي يتلقاه جميع الطلاب في الصفوف العامة، ويقوم على أساليب تعليمية مدعومة بالأدلة العلمية. المستوى الثاني، Tier-2، يستهدف الطلاب الذين لم يحققوا مستوى الأداء المطلوب في المستوى الأول، ويشمل تدخلات تعليمية متخصصة تقدم على فترات محددة بواسطة معلمين مدربين. أما المستوى الثالث، Tier-3، فهو أكثر المستويات كثافة، ويستهدف الطلاب الذين لم يستجيبوا للتدخلات السابقة، ويكون التدريس فيه فرديًا أو لمجموعات صغيرة، ويعتبر هذا المستوى مدخلاً للتعليم الخاص. ويضمن هذا التدرج أن يحصل كل طالب على مستوى الدعم الذي يحتاجه بدقة، مما يقلل من حالات الإحباط الأكاديمي ويزيد من فرص النجاح الفردي.

هناك عدة مبادئ أساسية لنموذج RtI، أهمها الفحص الشامل لجميع الطلاب، والتعليم عالي الجودة، واستخدام التدريس المدعوم بالأدلة، ومتابعة تقدم الطلاب، والتأكد من تطبيق التدخلات بدقة كما صُممت. الفحص الشامل يساعد على تحديد الطلاب الذين يحتاجون إلى دعم إضافي، بينما يضمن التعليم عالي الجودة أن يكون أداء الطلاب منخفض المستوى نتيجة صعوبات فعلية وليس بسبب ضعف التعليم المقدم. متابعة تقدم الطلاب تساعد على تقييم فعالية التدخلات وتحديد مدى استفادة الطالب منها، كما أن الالتزام بتطبيق الأساليب التعليمية بدقة يضمن تحقيق النتائج المتوقعة ويمنع فقدان فعالية الطرق التدريسية، ويضمن استدامة النجاح على المدى الطويل.

على الرغم من أهمية هذه المبادئ، هناك اختلافات بين الباحثين حول تفاصيل تطبيق RtI، سواء فيما يتعلق بعدد المستويات أو طريقة التدخل أو عناصر النموذج الأساسية. بعض الباحثين يشيرون إلى أهمية استخدام كل الموارد المتاحة لتعليم جميع الطلاب، بينما يركز آخرون على التدخلات المبنية على البحوث ومراقبة الأداء في الصف وإجراء الفحص الشامل بشكل دوري. هذا التباين في المفاهيم قد يسبب صعوبة في تطبيق النموذج بشكل متسق في المدارس، مما يؤثر على فعالية البرامج وسرعة تنفيذها، كما يزيد من حاجة المدارس إلى تدريب متخصص وتخطيط دقيق لضمان نجاح النموذج.

يمكن تطبيق RtI من خلال ثلاثة نماذج أساسية، تختلف وفقًا لكيفية تحديد مستوى التدخل والموارد المطلوبة لكل طالب. النموذج الأول هو نموذج حل المشكلات، حيث يقوم فريق من المختصين بتحديد التدخلات وفقًا لاحتياجات الطالب الفردية. في هذا النموذج، يتم استخدام الفحص الشامل لمراقبة الأداء الأكاديمي، وتقديم دعم إضافي في مستويات متعددة وفقًا للتقدم المحقق. النموذج الثاني هو بروتوكول العلاج القياسي، ويعتمد على تقديم تدخلات موحدة لجميع الطلاب الذين يعانون صعوبات، بحيث يكون التدخل محددًا مسبقًا ومعتمدًا على الأساليب المثبتة علميًا. النموذج الثالث هو النموذج المختلط، ويجمع بين مميزات النموذجين السابقين، بحيث يتم الجمع بين التدخلات الموحدة والتدخلات الفردية بحسب حاجة الطالب، مما يمنح المدارس مرونة أكبر لتلبية احتياجات متنوعة.

يتيح نموذج RtI، بغض النظر عن النموذج المستخدم، إمكانية تقديم دعم تعليمي متدرج وفعال، مع ضمان استخدام الموارد التعليمية بشكل أمثل. كما يساعد على تقليل حالات التشخيص الخاطئ للطلاب ذوي صعوبات التعلم، ويضمن تقديم التدخلات المناسبة في الوقت المناسب، مما يرفع من فرص نجاح الطلاب وتحقيقهم لمستوى أكاديمي أفضل. كما يساهم في تحسين الأداء العام للنظام التعليمي، من خلال توفير برامج دقيقة ومبنية على البحوث العلمية، تعالج الفجوات التعليمية قبل أن تتسع وتؤثر على مستقبل الطلاب الأكاديمي، بالإضافة إلى تعزيز ثقة الطلاب والمعلمين بالنظام التعليمي، ورفع مستوى المشاركة المجتمعية في دعم العملية التعليمية.

باختصار، يمثل RtI تحولًا مهمًا في مجال التعليم الخاص، حيث يركز على التدخل المبكر والمستمر لمساعدة الطلاب الذين يواجهون صعوبات في التعلم، ويعتمد على تقييم دقيق ومراقبة مستمرة للأداء، مع تقديم مستويات مختلفة من الدعم حسب الحاجة. هذا النموذج لا يحسن فرص نجاح الطلاب فقط، بل يساهم أيضًا في استخدام الموارد التعليمية بفعالية، ويقلل من حالات التشخيص الخاطئ، مما يجعل المدارس أكثر قدرة على تلبية احتياجات جميع الطلاب بشكل عادل وفعال، ويخلق بيئة تعليمية شاملة تدعم التنمية الأكاديمية والاجتماعية لكل طالب.

 

المرجع:

Response to Intervention: Early Identification of Students with Learning Disabilities

https://www.researchgate.net/publication/282374731_Response_to_Intervention_Early_Identification_of_Students_with_Learning_Disabilities