ترجمة: أ. جنا الدوسري
تُعد صعوبات التعلّم من الاضطرابات النمائية العصبية التي تظهر في مرحلة الطفولة، وتتمثل في مشكلات مستمرة في اكتساب المهارات الأكاديمية الأساسية مثل القراءة والكتابة والحساب، على الرغم من توافر فرص تعليمية مناسبة وتمتع الأطفال بمستوى ذكاء عادي. وتُصنَّف هذه الصعوبات ضمن فئة اضطرابات التعلّم المحددة، حيث لا تُعزى إلى إعاقات حسية أو حرمان اجتماعي، بل إلى اختلافات في نمو الدماغ وآليات الاتصال العصبي. ومن بين هذه الاضطرابات، يُعد عسر القراءة (الديسلكسيا) الأكثر شيوعًا والأوسع دراسة في الأدبيات التربوية والنفسية.
يُعرَّف عسر القراءة على أنه اضطراب قائم على اللغة، يتميز بصعوبات في التعرف الدقيق والسريع على الكلمات، وضعف في التهجئة وفك الترميز، رغم توافر الذكاء الطبيعي والتعليم الكافي. وقد أرجعت النظريات التقليدية هذه الصعوبات في الغالب إلى عجز في المعالجة الفونولوجية، إلا أن الأبحاث الحديثة تشير إلى أن عسر القراءة اضطراب غير متجانس، ويتداخل فيه عدد من الأنظمة المعرفية، مما يعكس تعقيد بنيته واختلاف مظاهره من طفل لآخر.
وقد أدى هذا التنوع في الأعراض إلى اقتراح تصنيفات فرعية لعسر القراءة، من بينها عسر القراءة الفونولوجي الذي يؤثر في الربط بين الأصوات والحروف، وعسر القراءة السطحي الذي يعيق التعرف على الكلمات غير المنتظمة، إضافة إلى العجز المزدوج الذي يجمع بين ضعف المعالجة الفونولوجية وبطء التسمية السريعة. وتشير التقديرات العالمية إلى أن نسبة انتشار عسر القراءة بين الأطفال في سن المدرسة تتراوح بين نسب متفاوتة، تختلف باختلاف طبيعة اللغة ودرجة شفافية نظامها الكتابي. ففي اللغات ذات الإملاء المعقد مثل الإنجليزية، تكون النسبة أعلى مقارنة بلغات أكثر انتظامًا صوتيًا. أما في البيئات الناطقة بالعربية، بما فيها الجزائر، فتتراوح معدلات الانتشار ضمن نطاق متوسط، وتتأثر بعوامل لغوية خاصة مثل الازدواجية اللغوية وتعقيد النظام الكتابي العربي وتعدد أشكال الحرف الواحد.
ترتبط صعوبات القراءة عادة بمجموعة من العجز المعرفي الأساسي، من أبرزها ضعف الوعي الصوتي، وبطء التسمية الآلية، ومحدودية الذاكرة العاملة. ويواجه الأطفال المصابون بعسر القراءة صعوبة في تحليل الأصوات ودمجها، مما يؤدي إلى أخطاء في فك الرموز القرائية ويؤثر في الطلاقة والدقة. كما أن بطء التسمية السريعة يعوق استرجاع التسميات اللفظية للرموز المألوفة، وهو ما ينعكس سلبًا على سرعة القراءة. إلى جانب ذلك، تلعب الذاكرة العاملة دورًا محوريًا في معالجة المعلومات أثناء القراءة، حيث تتيح الاحتفاظ بالمعلومات ومعالجتها في الوقت نفسه.
وفق نموذج بادلي متعدد المكونات، تتكون الذاكرة العاملة من المنفذ المركزي، والحلقة الفونولوجية، والمخزن المؤقت العرضي، والمخطط البصري-المكاني. وقد ركزت غالبية الدراسات السابقة حول عسر القراءة على الحلقة الفونولوجية، نظرًا لارتباطها المباشر بالمعالجة اللغوية. غير أن الاهتمام بالمخطط البصري-المكاني بدأ يزداد في السنوات الأخيرة، خاصة في اللغات التي تتطلب تمييزًا بصريًا دقيقًا، مثل اللغة العربية، حيث تلعب التفاصيل البصرية والنقط والحركات دورًا أساسيًا في تحديد المعنى.
تشير دراسات متعددة إلى أن الأطفال الذين يعانون من عسر القراءة يظهرون أداءً أضعف في مهام بصرية-مكانية متنوعة، مثل التدوير الذهني، وإكمال الأشكال، وتذكر التسلسلات المكانية. كما أظهرت تحليلات شمولية أن هؤلاء الأطفال غالبًا ما يواجهون صعوبات في مهام الذاكرة العاملة البصرية-المكانية مقارنة بأقرانهم العاديين. وتدعم هذه النتائج الفرضية القائلة إن عسر القراءة لا يقتصر على العجز الفونولوجي فحسب، بل قد يشمل خللًا أوسع في أنظمة الذاكرة العاملة.
في المقابل، يرى بعض الباحثين أن ضعف المخطط البصري-المكاني ليس سمة جوهرية لعسر القراءة، بل يظهر فقط في المهام المعقدة التي تتطلب معالجة معرفية عالية. وتشير بعض الدراسات إلى أن الأطفال المصابين قد يؤدون بشكل مقبول في اختبارات المدى البصري البسيطة، بينما تتراجع كفاءتهم عندما تزداد متطلبات المعالجة أو التنظيم المكاني، مما يدل على أن طبيعة المهمة تلعب دورًا حاسمًا في تفسير النتائج.
في هذا السياق، تأتي هذه الدراسة الاستكشافية لتسلط الضوء على العلاقة بين المخطط البصري-المكاني وعسر القراءة لدى تلاميذ الصف الرابع الناطقين بالعربية في الجزائر. هدفت الدراسة إلى فحص الارتباط بين مكونات مختلفة من الذاكرة البصرية-المكانية ومؤشرات الأداء القرائي، مثل الطلاقة والدقة وسرعة القراءة. وقد شملت عينة الدراسة مجموعة من التلاميذ الذين شُخِّصوا بعسر القراءة، واعتمدت منهجًا وصفيًا ارتباطيًا باستخدام أدوات تقييم متخصصة.
استخدم الباحثون اختبارًا للمخطط البصري-المكاني تم تطويره خصيصًا لأغراض البحث، إضافة إلى اختبار تشخيصي لعسر القراءة مستند إلى أداة معروفة في تقييم الأداء القرائي. وتم تحليل البيانات باستخدام أساليب إحصائية مناسبة للكشف عن طبيعة العلاقة بين المتغيرات المدروسة.
أظهرت النتائج عدم وجود ارتباط دال إحصائيًا بين الدرجة الكلية للمخطط البصري-المكاني ومستوى الأداء القرائي العام. ومع ذلك، كشفت التحليلات التفصيلية عن علاقات مهمة بين بعض المكونات الفرعية للمخطط البصري-المكاني ومؤشرات القراءة. فقد تبين أن القدرة على التعرف على الأنماط البصرية ترتبط إيجابيًا بعدد الكلمات المقروءة بشكل عام وبالكلمات الصحيحة وسرعة القراءة، مما يشير إلى دور هذه المهارة في دعم الطلاقة القرائية.
كما أظهرت مهارة التنظيم المكاني الثابت ارتباطًا واضحًا بمختلف جوانب الأداء القرائي، بما في ذلك عدد الكلمات الصحيحة وسرعة القراءة ودقتها، مما يعكس أهمية القدرة على إدراك العلاقات المكانية الثابتة في معالجة النصوص المكتوبة. في المقابل، لوحظ أن معالجة التسلسل المكاني ارتبطت سلبًا بدقة القراءة، وهو ما قد يشير إلى وجود نوع من المفاضلة بين السرعة والدقة لدى بعض التلاميذ.
تسلط هذه النتائج الضوء على أن بعض القدرات البصرية-المكانية، ولا سيما التنظيم المكاني الثابت والتعرف على الأنماط البصرية، تلعب دورًا مهمًا في دعم القراءة لدى الأطفال المصابين بعسر القراءة. كما تؤكد أن عسر القراءة ظاهرة متعددة الأبعاد، لا يمكن تفسيرها من خلال عامل معرفي واحد فقط.
وتوصي الدراسة بإجراء بحوث مستقبلية على عينات أكبر وأكثر تنوعًا للتحقق من هذه النتائج، وتطوير برامج تدخل تستهدف تعزيز المهارات البصرية-المكانية كجزء من التدخلات العلاجية الشاملة لعسر القراءة، خاصة في البيئات اللغوية التي تتسم بتعقيد بصري مثل اللغة العربية.
المرجع:
Dyslexia and the Visuospatial Sketchpad: An
Exploratory Study in Arabic-Speaking Fourth-
Grade Students (Evidence from Algeria)
https://imcra-az.org/uploads/public_files/2025-11/898912.pdf?utm_source=chatgpt.com





